الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث على أقوال:
القول الأول: حمل الحديث، على ظاهره، فيكون المراد: أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة، وذلك بنقص أيامه ولياليه
(1)
.
نقل هذا الشيخ مرعي بن يوسف عن أهل الحديث
(2)
واحتمله الخطابي حيث قال: "ويحتمل أن يكون أراد به قصر مدة الأزمنة ونقصها عمَّا جرت به العادة فيها، وذلك من علامات الساعة إذا طلعت الشمس من مغربها، وهو معنى الحديث الآخر:(يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاحتراق السَّعْفَة)
(3)
"
(4)
.
القول الثاني: أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة ويوم
(1)
انظر: معالم السنن (4/ 313)، ومختصر سنن أبي داود للمنذري (6/ 142)، والتذكرة (2/ 364).
(2)
انظر: بهجة الناظرين (397).
(3)
أول هذا الحديث: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر
…
)، وقد أخرجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أحمد (16/ 550) ح (10943)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (تحفة 9/ 435) ح (6795)، وابن حبان (15/ 252) ح (6842)، وقال ابن كثير في النهاية (1/ 235):"هذا الإسناد على شرط مسلم"، وأورده الهيثمي في المجمع (7/ 331)، وقال:"رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح"، وأخرج الحديث من طريق أنس رضي الله عنه: الترمذي (تحفة 6/ 624) ح (2434).
(4)
أعلام الحديث (3/ 2182).
القيامة
(1)
.
وإلى هذا ذهب القاضي عياض
(2)
والنووي
(3)
.
القول الثالث: أن المراد بتقارب الزمان: نزع البركة منه، بحيث يصير الانتفاع من اليوم مثلًا بقدر الانتفاع من الساعة الواحدة.
وإلى هذا ذهب الخطابي
(4)
، وابن الأثير
(5)
، والعراقي
(6)
، وابن حجر، وهو ظاهر صنيع ابن كثير حيث عنون لهذا الحديث بقوله:"إشارة نبوية إلى نزع البركة من الوقت قبل قيام الساعة"
(7)
.
وقال ابن حجر: "والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء، حتى من الزمان، وذلك من علامات قرب الساعة"، وقال:"الذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا، فإنا نجد من سرعة مرِّ الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا"
(8)
.
القول الرابع: أن المراد بذلك استقصار مدته لِما يحصل من استلذاذ العيش.
وهذا مروي عن أبي سنان
(9)
حيث سُئل عن معنى الحديث فقال:
(1)
انظر: أعلام الحديث (3/ 2181)، ومعالم السنن (4/ 313)، والتذكرة (2/ 364)، وطرح التثريب (4/ 28)، والفتح (2/ 522).
(2)
انظر: إكمال المعلم (8/ 166).
(3)
انظر: شرح النووي على مسلم (15/ 463).
(4)
انظر: معالم السنن (4/ 313).
(5)
انظر: جامع الأصول (10/ 409).
(6)
انظر: طرح التثريب (4/ 28).
(7)
النهاية (1/ 234).
(8)
الفتح (13/ 16)، وانظر:(13/ 17).
(9)
هو عيسى بن سنان الحنفي، أبو سنان القسملي الفلسطيني، روى عن وهب بن منبه ويعلى بن شداد والضحاك بن عبد الرحمن وغيرهم، وعنه حماد بن سلمة وحماد بن زيد وعيسى بن يونس وآخرون، وهو من أهل العلم، لكنه في رواية =
ذلك من استلذاذ العيش
(1)
، قال الخطابي معقبًا على كلامه:"يريد -والله أعلم- زمان خروج المهدي ووقوع الأَمَنَة في الأرض بما يبسطه من العدل فيها، فيُستلذ العيش عند ذلك، وتُستقصر مدته، ولا يزال الناس يستقصرون مدة أيام الرخاء وإن طالت وامتدت، ويستطيلون أيام المكروه وإن قصرت وقلَّت"
(2)
.
القول الخامس: أن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، لغلبة الفسق وظهور أهله.
وإلى هذا ذهب ابن بطال
(3)
، والقرطبي
(4)
، وغيرهما
(5)
، وذكر ابن حجر أنه اختيار الطحاوي
(6)
.
القول السادس: ما ذهب إليه بعض العلماء المعاصرين من أن المراد بتقارب الزمان ما هو حاصل في هذا العصر من تقارب ما بين المدن
= الحديث قد حكم عليه أكثر أئمة الجرح والتعديل بالضعف، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن معين وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال الذهبي: ضُعف ولم يُترك، وقال ابن حجر: لين الحديث. [انظر: التاريخ الكبير للبخاري (6/ 396)، وشرح مشكل الآثار (تحفة 9/ 435)، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/ 277)، والثقات لابن حبان (7/ 235)، والكاشف للذهبي (2/ 305)، وتهذيب التهذيب (8/ 183)، وتقريب التهذيب (1/ 770)].
(1)
انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة 9/ 435 - 436)، وغريب الحديث للخطابي (1/ 94)، وكشف المشكل (4/ 203)، والتذكرة (2/ 364).
(2)
غريب الحديث (1/ 94)، وانظر: مختصر سنن أبي داود (6/ 142).
(3)
انظر: شرح صحيح البخاري (10/ 13).
(4)
انظر: التذكرة (2/ 481).
(5)
انظر: أعلام الحديث (3/ 2182)، والكواكب الدراري المشهور بشرح الكرماني (6/ 123)، والفتح (2/ 522).
(6)
انظر: الفتح (13/ 17)، وقارن بين هذا وبين ما في شرح مشكل الآثار (تحفة 9/ 435 - 436).
والأقاليم، وقصر زمن المسافة بينها بسبب اختراع وسائل المواصلات المتنوعة -البرية والبحرية والجوية- حيث تُقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير، ومثلها وسائل الاتصال الصوتية كالهاتف والإذاعة وغيرهما فإنها قربت البعيد.
وممن ذهب إلى هذا القول الشيخ ابن باز، والشيخ حمود التويجري، والشيخ محمد رشيد رضا
(1)
، وغيرهم
(2)
، عليهم رحمة الله.
قال الشيخ ابن باز في تعليقه على الفتح: "الأقرب تفسير التقارب المذكور في الحديث بما وقع في هذا العصر من تقارب ما بين المدن والأقاليم، وقصر زمان المسافة بينها، بسبب اختراع الطائرات والسيارات والإذاعة وما إلى ذلك، والله أعلم"
(3)
.
وقال الشيخ حمود التويجري: "والظاهر -والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم- أن ذلك إشارة إلى ما حدث في زماننا من المراكب الأرضية والجوية والآلات الكهربائية التي قربت كل بعيد، والمعنى على هذا: يتقارب أهل الزمان"، إلى أن قال بعد حديثه عن وسائل المواصلات: "وأعظم من ذلك الآلات الكهربائية التي تنقل الأصوات، كالإذاعات والتلفونات الهوائية، فإنها قد بهرت العقول في تقريب الأبعاد، بحيث كان الذي في أقصى المشرق يخاطب مَن في أقصى المغرب كما يخاطب الرجل جليسه، وبحيث كان الجالس عند الراديو يسمع كلام مَن في أقصى المشرق، ومَن في أقصى المغرب، ومَن في أقصى الجنوب، ومَن في أقصى الشمال، وغير ذلك من
(1)
هو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد القلموني -نسبة إلى قلمون من أعمال الشام- البغدادي الأصل، الحسيني النسب، صاحب مجلة المنار، وأحد رجال الدعوة والإصلاح، له عناية بالحديث والتفسير والأدب والتاريخ، لازم الشيخ محمد عبده وتتلمذ عليه، له مؤلفات منها: تفسير المنار، والوحي المحمدي، توفي سنة (1354). [انظر: الأعلام (6/ 126)، ومعجم المؤلفين (3/ 293)].
(2)
انظر: منة المنعم (4/ 229).
(3)
الفتح (2/ 522).
أرجاء الأرض في دقيقة واحدة، كأن الجميع حاضرون عنده في مجلسه، فالمراكب الأرضية والجوية قربت الأبعاد من ناحية السير، والآلات الكهربائية قربت الأبعاد من ناحية التخاطب وسماع الأصوات، فسبحان من علَّم الإنسان ما لم يعلم"
(1)
.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "ويرى بعض أهل هذا الزمان أن المراد قد يكون ما هو حاصل من تقارب المواصلات وقطع المسافات البعيدة في الزمن القصير برًا وبحرًا وجوًا، وهذا أظهر من كل ما قالوه، وأليق بكونه إخبارًا عن غيب لا مجال للرأي فيه، ولا يعرف إلا بوحي من الله تعالى"
(2)
.
* * *
(1)
إتحاف الجماعة (2/ 195).
(2)
تفسير القرآن الحكيم، المشهور بتفسير المنار (9/ 485 - 486).
المطلب الثالث: الترجيح
الذي يترجح -والله تعالى أعلم بالصواب- أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة تقاربًا حسيًا، وذلك بنقصه وقصره عمَّا هو معتاد -على ما جاء في القول الأول- وذلك في آخر الزمان، لكن لا يصح الجزم بأن ذلك إنما يكون إذا طلعت الشمس من مغربها.
ومما يدل على هذا القول ما يلي:
1 -
أن هذا هو ظاهر الحديث، وقد جاء ما يؤيده ويبين مراده، كما عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة)
(1)
.
فهذا الحديث صريح في بيان المراد، ولذا قال الكرماني: "تقارب الزمان مجمل، وبيانه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة
…
) "
(2)
.
وقال ابن أبي جمرة: "يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان: قصره على ما وقع في حديث: (لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر)، وعلى هذا فالقصر يحتمل أن يكون حسيًا ويحتمل أن يكون معنويًا، فأما الحسي فلم يظهر بعد، ولعله من الأمور التي تكون قرب قيام الساعة، وأما المعنوي
(1)
حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه ص (594).
(2)
الكواكب الدراري (6/ 122).
فله مدة منذ ظهر، يعرف ذلك أهل العلم الديني، ومن له فطنة من أهل السبب الدنيوي"
(1)
.
2 -
ما أخرجه مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال، قال النواس: قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: (أربعون يومًا: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قلنا: يا رسول الله: فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: (لا، اقدروا له قدره)
(2)
.
ففي هذا الحديث أن الأيام تطول حقيقةً، وإذا كان ذلك كذلك فما المانع من كونها تقصر حقيقةً كما في حديث تقارب الزمان، وذلك لاختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا
(3)
.
وكون الطول في أيام الدجال حقيقيًا ظاهر، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:(وسائر أيامه كأيامكم)، وكذا سؤال الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في اليوم الذي كسنة يدل على أنهم فهموا كون الطول في الأيام حقيقيًا، وجوابه لهم بقوله:(اقدروا له قدره) يدل على موافقته لهم على هذا الفهم.
قال القاضي عياض: "قوله: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة): ما جاء بعدُ يفسر أنه على ظاهره غير متأول"
(4)
.
وقال النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم)، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيام الثلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: (وسائر أيامه كأيامكم) "
(5)
.
(1)
نقل ذلك عنه ابن حجر في الفتح (13/ 17).
(2)
صحيح مسلم (18/ 277) ح (2137).
(3)
انظر: أشراط الساعة للدكتور يوسف الوابل (121).
(4)
إكمال المعلم (8/ 483).
(5)
شرح النووي على مسلم (18/ 279).
وقال القرطبي: "ظاهر هذا: أن الله تعالى يخرق العادة في تلك الأيام، فيبطئ بالشمس عن حركتها المعتادة في أول يوم من تلك الأيام، حتى يكون أوَّل يوم كمقدار سنة معتادة، ويبطئ بالشمس حتى يكون كمقدار شهر، والثالث حتى يكون كمقدار جمعة، وهذا ممكن، لا سيما وذلك الزمان تنخرق فيه العوائد كثيرًا"
(1)
.
3 -
أن آخر الزمان يختل فيه نظام العالم، وتكثر فيه خوارق العادات: فالدابة تتكلم والشمس تطلع من مغربها
…
وعلى هذا فما المانع من أن يكون من جملة ذلك أيضًا تقارب الزمان وقصره، والله تعالى مصرف الكون ومدبره، وهو سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فكما انشأ الأيام والليالي على هذا النظام الذي نعرفه فهو قادر على تغيير ذلك، والله تعالى أعلم.
قال ابن العربي: "فإن قيل: في هذا الحديث إبطال للهيئة، وإفساد للطبيعة، وتغيير للتكوين الذي به قامت الخليقة
…
قلنا: اتئدوا، فإنكم نظرتم إلى جريان اليوم في المخلوقات، وأغفلتم النظر في قدرة الخالق وما له من الحكم في المصنوعات، والإشكال الذي أشرتم إليه ينحل عنكم بالنظر في معاني:
الأول: قد تقرر عقلًا وشرعًا، وثبت دليلًا أن الباري تعالى خالق كل شيء، لا يشذ ذرة عن خلقه، فما كان من سبب أو مسبب، أو علة ومعلول فإنه فطره وأنشأه، وكون ذلك كله على هذا النظام المشاهد ليس بواجب لا يمكن سواه، بل هو على مجرى الإرادة وبعض العادة.
الثاني: أن عاقبة الشمس والقمر التكوير، وآخر السموات والأرض الانفطار والتدمير، وكما يعدمها خالقها فلا تسير، يجوز أن يبطئها عن سرعتها وينقص من حركاتها، فما كانت تقطعه في يوم تقطعه في جمعة، ثم
(1)
المفهم (7/ 279).
في شهر، ثم في سنة، أو بعكسه، وهذا قريب ممن وفقه الله لعلمه"
(1)
.
* * *
وبهذا يتبين ضعف بقية الأقوال وبعدها عن ظاهر الحديث، لأنها: إما أن تجعل التقارب الوارد في الحديث تقاربًا معنويًا لا حقيقيًا، كالقول: بأن المراد من ذلك نزع البركة -وهو القول الثالث- وكذا القول: بأن المراد من ذلك ما يحصل من استقصار الزمان بسب استلذاذ العيش، وهو القول الرابع.
وإما أن تجعل التقارب المذكور ليس للزمان نفسه وإنما لأهل الزمان، كالقول بأن المراد: تقارب أحوال أهله في قلة الدين -وهو القول الخامس- وكذا القول السادس -وإن كان أظهر وجاهة من غيره- وهو أن المراد: ما حصل من تقارب أهل هذا الزمان بسبب ما استجد من مخترعات حديثة.
وأما القول الثاني: وهو أن المراد بتقارب الزمان: قربه من الساعة، فقول غريب، لأنه وإن احتمله الحديث الذي أول لفظه: (يتقارب الزمان
…
)، فإنه لا يحتمله اللفظ الآخر -كما عند البخاري-:(لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان)؛ لأن المعنى سيكون حينئذٍ: لا تقوم الساعة حتى تقرب الساعة؟ ! وهذا ليس فيه فائدة، بل هو تحصيل حاصل، ولهذا قال الكرماني بعد أن ذكر هذا القول عن النووي:"حاصل تفسيره: أنه لا تكون القيامة حتى تقرب القيامة، وهذا كلام مهمل، لا طائل تحته"
(2)
.
* * *
(1)
عارضة الأحوذي (9/ 64) بتصرف.
(2)
الكواكب الدراري (6/ 123)، وانظر: الفتح (2/ 522).