الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال
سلك أهل العلم في هذا الحديث مسلكين:
المسلك الأول: ردُّ الحديث وتضعيفه، لضعف أحد رواته، وهو طلحة بن يحيى.
وإلى هذا ذهب الإمام أحمد وابن عبد البر.
قال الإمام أحمد -وقد ذكر له حديث عائشة-: "هذا حديث ضعيف"
(1)
، ثم ذكر ضعف طلحة بن يحيى.
وقال عبد الله بن الإمام أحمد: "سمعت أبي يقول: طلحة بن يحيى أحب إلي من بُرَيْد بن أبي بردة: بريد يروي أحاديث مناكير، وطلحة حدَّث بحديث: عصفور من عصافير الجنة"
(2)
.
وقال ابن عبد البر: "هذا حديث ساقط ضعيف مردود
…
وطلحة بن يحيى ضعيف لا يحتج به، وهذا الحديث مما انفرد به، فلا يُعرج عليه"
(3)
.
وقال الذهبي عن هذا الحديث: "رواه جماعة عن طلحة، وهو مما
(1)
أهل الملل (1/ 67)، وانظر: المنتخب من العلل (53)، وأحكام أهل الذمة (2/ 1073، 1075)، وطريق الهجرتين (701)، وتهذيب السنن (عون 12/ 312) ثلاثتها لابن القيم.
(2)
العلل للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله (2/ 11 - 12)، وانظر: الضعفاء للعقيلي (2/ 26).
(3)
التمهيد (6/ 350 - 351)، وانظر:(18/ 90)، والاستذكار (8/ 393)، والتذكرة (2/ 329)، وأحكام أهل الذمة (2/ 1074).
يُنْكَر من حديثه"
(1)
.
قلت: وطلحة هذا هو: طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبد الله التيمي القرشي:
قال فيه يحيى بن سعيد القطان: لم يكن بالقوي.
وقال أحمد: صالح الحديث
(2)
.
وقال ابن معين: ثقة، وفي رواية قال: ليس بالقوي.
وقال يعقوب بن شيبة
(3)
والعجلي
(4)
والدارقطني: ثقة.
وقال النسائي وأبو زرعة: صالح.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ.
وقال ابن سعد: كان ثقة وله أحاديث صالحة.
وقال ابن حجر: وطلحة إنما أنكر عليه: عصفور من عصافير الجنة
(5)
.
(1)
السير (14/ 462).
(2)
هذا القول من الإمام أحمد يشعر أن تضعيفه لطلحة ليس على إطلاقه، وإنما هو من أجل تفرده بهذا الحديث، ويدل عليه أيضًا ما تقدم في رواية ابنه عبد الله، والله أعلم.
(3)
هو أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت بن عصفور البصري ثم البغدادي، صاحب المسند، علامة حافظ ثقة معلل، توفي سنة اثنتين وستين ومائتين (262). [انظر: تاريخ بغداد (14/ 282)، والسير (12/ 476)، والعبر (1/ 377)، وشذرات الذهب (2/ 146)].
(4)
هو الإمام الحافظ الزاهد أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم العجلي الكوفي، نزيل مدينة طرابلس الغرب، له مصنف مفيد في الجرح والتعديل يدل على تبحره بالصنعة وسعة حفظه، توفي سنة إحدى وستين ومائتين (261)]. [انظر: تاريخ بغداد (4/ 436)، والسير (12/ 505)، وتذكرة الحفاظ (2/ 560)، والشذرات (2/ 141)].
(5)
انظر: الثقات لابن حبان (6/ 487)، والكامل لابن عدي (4/ 112)، وتهذيب الكمال (13/ 441)، وميزان الاعتدال (3/ 469)، وتهذيب التهذيب (5/ 26 - 27).
وقال في التقريب: "صدوق يخطئ"
(1)
.
المسلك الثاني: قبول الحديث وتصحيحه، وعلى هذا أكثر أهل العلم، لكنهم اختلفوا في معناه وما يدل عليه، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك لعائشة رضي الله عنها قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة.
وإلى هذا ذهب ابن حزم
(2)
، وذكره الحليمي
(3)
، والبيهقي
(4)
، والنووي
(5)
بصيغة الاحتمال، وهو أحد قولي ابن القيم
(6)
.
قال ابن القيم عن هذا الحديث: "وقد أجبت عنه بعد التزام صحته، بأن هذا القول كان من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلمه الله بأن أطفال المؤمنين في الجنة، وهذا جواب ابن حزم وغيره"
(7)
.
القول الثاني: الاستدلال بهذا الحديث على وجوب التوقف
(8)
فيهم، وفي أطفال المشركين، وتوكيل علمهم إلى الله تعالى، فلا يشهد لهم بجنة ولا نار، وربما عبر بعضهم عن ذلك بقوله: إنهم في المشيئة
(9)
.
(1)
تقريب التهذيب (1/ 452).
(2)
انظر: الفصل (2/ 385).
(3)
انظر: التذكرة للقرطبي (2/ 318).
(4)
انظر: الاعتقاد (90).
(5)
انظر: شرح النووي على مسلم (16/ 448).
(6)
ولعله أقدم القولين، كما يشعر بذلك ظاهر كلامه، وأما قوله الآخر فسيأتي قريبًا في القول الثالث.
(7)
أحكام أهل الذمة (2/ 1076).
(8)
جدير بالتنبيه هنا: أن هذا التوقف لا يُراد به: التوقف المعروف في اصطلاح الأصوليين، وهو الذي يكون عند تعذر الجمع والنسخ والترجيح، فيتوقف المجتهد عن العمل بأحد النصين حتى يتبين له الحق، وإنما يُراد به التوقف المبني على الدليل، أي: أن هذا التوقف ليس لعدم العلم بأي الأقوال أرجح، وإنما لدلالة الأدلة على وجوبه، على حد قولهم.
(9)
انظر: التمهيد (18/ 96، 98)، والاستذكار (8/ 390)، والفصل (2/ 384)، =
قال ابن عبد البر: "ذهب إلى القول: بالوقف جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث، منهم: حماد بن زيد
(1)
، وحماد بن سلمة
(2)
، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه
(3)
، وغيرهم، وهو يشبه ما رسمه مالك في أبواب القدر في موطئه، وما أورد في ذلك من الأحاديث، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء منصوص، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة، وأطفال الكفار -خاصة- في المشيئة لآثار وردت في ذلك"
(4)
.
= والمعلم (3/ 174، 180)، والتذكرة (2/ 317)، وأحكام أهل الذمة (2/ 1071)، والفتح (3/ 124).
(1)
هو حماد بن زيد بن درهم أبو إسماعيل الأزدي مولاهم البصري الضرير، الإمام الحافظ المجوِّد، كان من أئمة السلف، ومن أتقن الحفاظ وأعدلهم وأعدمهم غلطًا، توفي رحمه الله سنة (179 هـ). [انظر: تذكرة الحفاظ (1/ 228)، والسير (7/ 456)، وتقريب التهذيب (1/ 238)، وشذرات الذهب (1/ 292)].
(2)
هو حماد بن سلمة بن دينار أبو سلمة البصري، الإمام الحافظ النحوي عالم أهل البصرة، كان فقيهًا مفوهًا، إمامًا بالعربية، صاحب سنة، له تصانيف في الحديث، وكان ثقة عابدًا، وكان أثبت الناس في ثابت، توفي رحمه الله سنة (167 هـ). [انظر: السير (7/ 444)، والعبر (1/ 190)، وتقريب التهذيب (1/ 238)، وشذرات الذهب (1/ 262)].
(3)
في هذه النسبة نظر، حيث روى عنه أبو بكر الخلال أنه قال:"أما أولاد المسلمين فإنهم من أهل الجنة" أهل الملل (1/ 67).
(4)
التمهيد (18/ 111 - 112) بتصرف يسير، وانظر: الاستذكار (8/ 390)، والتذكرة (2/ 317 - 318).
تنبيه: حكاية ابن عبد البر لهذا القول يخالف ما نقله من الإجماع -كما تقدم- على أن أولاد المؤمنين في الجنة، وهذا يؤيد ما تقدم من توجيه حكايته الإجماع باحتمال إرادته: إجماع الجمهور، وقد أشار ابن القيم إلى هذا الاختلاف عند ابن عبد البر، فقال: إنه قد اضطرب في النقل، ثم نقل كلامه في حكاية الإجماع، ثم قال: "فتأمل كيف ذكر الإجماع على أن أطفال المسلمين في الجنة، وأنه لا يعلم =
وقد استدل أصحاب هذا القول بعدة أدلة
(1)
منها:
1 -
حديث عائشة رضي الله عنها وهو حديث المسألة -قالت: دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال:(أو غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم).
فقالوا: هذا الحديث صحيح صريح في التوقف فيهم، فإن الصبي كان من أولاد المسلمين
(2)
.
2 -
حديث ابن مسعود رضي الله عنه وما في معناه -في كتابة ما قدر للعبد وهو في بطن أمه، حيث قال صلى الله عليه وسلم في آخره:(ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح)، متفق عليه
(3)
.
"وجه الدلالة من ذلك: أن جميع من يولد من بني آدم، إذا كُتب السعداء منهم والأشقياء قبل أن يخلقوا، وجب علينا التوقف في جميعهم، لأنا لا نعلم هذا الذي توفي منهم هل هو ممن كتب سعيدًا في بطن أمه أو كتب شقيًا"
(4)
.
3 -
حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: يا رسول الله،
= في ذلك نزاعًا، وجعل القول بالمشيئة فيهم قولًا شاذًا مهجورًا، ونسبه في الباب الآخر إلى الحمادين وابن المبارك وإسحاق بن راهويه، وأكثر أصحاب مالك، وهذا من السهو الذي هو عرضة للإنسان، ورب العالمين هو الذي لا يضل ولا ينسى" أحكام أهل الذمة (2/ 1083 - 1085).
(1)
انظر: التمهيد (18/ 98 - 111)، والاستذكار (8/ 390 - 393)، والفصل (2/ 384)، وأحكام أهل الذمة (2/ 1071 - 1078، 1072).
(2)
انظر: أحكام أهل الذمة (2/ 1072).
(3)
البخاري (3/ 1174) ح (3036)، ومسلم (16/ 429) ح (2643).
(4)
أحكام أهل الذمة (2/ 1072).
أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، متفق عليه
(1)
.
قالوا في وجه الدلالة من هذا الحديث: إنهم لم يخصوا بالسؤال طفلًا من طفل، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص بالجواب، بل أطلق الجواب كما أطلقوا السؤال، ولو افترق الحال في الأطفال لفصَّل وفرق بينهم في الجواب
(2)
.
القول الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على عائشة رضي الله عنها، لأنها قطعت لطفل معين بالجنة، دون أن يكون عندها على ذلك دليل قاطع، فأطفال المؤمنين وإن كان حكمهم من حيث الجملة أنهم في الجنة، لكن لا يُشهد لمعين منهم بذلك، لأنه غيب، والطفل المؤمن تبع لأبويه، فالقطع له بذلك قطع بإيمان أبويه، وهذا ليس إليه سبيل، لأنه غيب، فكم من مظهر للإسلام وهو منافق
(3)
.
وإلى هذا ذهب البيهقي، والمازري
(4)
، وابن الجوزي
(5)
، وابن تيمية
(6)
، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب
(7)
، وابن باز، عليهم رحمة الله جميعًا.
قال البيهقي بعدما قرر أنه لا يجوز القطع لمعين من المؤمنين أنه في الجنة، وإن كنا نحكم عليهم من حيث العموم أنهم في الجنة قال: "فكذلك قطع القول به في واحد من المولودين غير ممكن، لعدم علمنا بما يؤول إليه
(1)
البخاري (6/ 2434) ح (6226)، ومسلم (16/ 449) ح (2658).
(2)
انظر: التمهيد (18/ 99)، والتذكرة (2/ 318)، وأحكام أهل الذمة (2/ 1078).
(3)
انظر: التذكرة (2/ 318)، وشرح النووي على مسلم (16447)، وأحكام أهل الذمة (2/ 1077)، وتهذيب السنن (عون 12/ 319)، والفتح (3/ 244).
(4)
انظر: المعلم (3/ 180 - 181).
(5)
انظر: كشف المشكل (4/ 419).
(6)
انظر: مجموع الفتاوى (4/ 281).
(7)
انظر: مجموع مؤلفاته، المجلد الثاني، هذه مسائل (5).
حال متبوعه، وبما جرى له به القلم في الأزل من السعادة أو الشقاوة، وكان إنكار النبي صلى الله عليه وسلم القطع به في حديث عائشة رضي الله عنها وعن أبيها، لهذا المعنى، فنقول بما ورد في الكتاب والسنة في جملة المؤمنين وذرياتهم، ولا نقطع القول: به في آحادهم لما ذكرنا، وفي هذا جمع بين جميع ما ورد في هذا الباب، والله أعلم"
(1)
.
وقال ابن القيم: "هذا الحديث يدل على أنه لا يُشهد لكل طفل من أطفال المؤمنين بالجنة، وإن أُطلق على أطفال المؤمنين في الجملة أنهم في الجنة، لكن الشهادة للمعين ممتنعة، كما يُشهد للمؤمنين مطلقًا أنهم في الجنة، ولا يشهد لمعين بذلك، إلا من شهد له النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه الحديث الذي يُشكل على كثير من الناس"
(2)
.
وقال الشيخ ابن باز بعدما قرر صحة الحديث: "المقصود من هذا منعها أن تشهد لأحد معين بالجنة أو النار، ولو كان طفلًا، لأن الطفل تابع لوالديه، وقد يكونان ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يظهر الإسلام نفاقًا، ومن مات على الصغر وليس ولدًا للمسلمين، وإنما لغيرهم من الكفار، فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح.
والحاصل أنه لا يشهد لمعين بجنة ولا نار، إلا من شهد له الرسول صلى الله عليه وسلم، هذه قاعدة أهل السنة والجماعة، فإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة لأنها شهدت بالتعيين، هذا هو الصواب، وهذا وجه الحديث"
(3)
.
* * *
(1)
الاعتقاد (91).
(2)
طريق الهجرتين (701)، وانظر: بدائع الفوائد (3/ 123)، وشفاء العليل (1/ 66).
(3)
فتاوى نور على الدرب، من أجوبة سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز (1/ 123 - 124) بشيء من التلخيص.