الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مآخذ بعض أهل العلم على هذين الكتابين:
أخذ بعض أهل العلم -كالدارقطني
(1)
وغيره
(2)
- على البخاري ومسلم في صحيحيهما مأخذين:
أحدهما: أنهما لم يستوعبا الأحاديث التي على شرطهما.
والثاني: انتقادهما في بعض الأحاديث المخرجة في كتابيهما، وعددها:(210) أحاديث، انفرد البخاري منها بـ (78) حديثًا، وانفرد مسلم بـ (100) حديث، واشتركا جميعًا بـ (32) حديثًا
(3)
.
أما المأخذ الأول فصحيح: فإن مما لا شك فيه أن البخاري ومسلمًا عليهما رحمة الله لم يستوعبا في صحيحيهما كل الأحاديث الصحيحة، لكنهما لم يلتزما بذلك، كما نص على ذلك جمع من أهل العلم والحديث
(4)
، بل إن البخاري ومسلمًا قد نصا على ذلك أيضًا كما تقدم
(5)
،
(1)
انظر: كتابيه: الإلزامات والتتبع، دراسة وتحقيق الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله.
والدارقطني هو: الإمام الحافظ المجوِّد علم الجهابذة، أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي المقرئ المحدِّث، من أهل محلة دار القطن ببغداد، كان من بحور العلم انتهى إليه معرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وهو أول من صنف في القراءات توفي رحمه الله سنة (385 هـ)، له مصنفات عديدة منها السنن، والمختلف والمؤتلف. [انظر: تاريخ بغداد (12/ 34)، ووفيات الأعيان (3/ 260)، وتذكرة الحفاظ (3/ 991)، والسير (16/ 449)، والعبر (2/ 167)].
(2)
انظر: شرح النووي على مسلم (1/ 137)، وفتح المغيث (44/ 45).
(3)
انظر: هدي الساري (346).
(4)
انظر: شروط الأئمة الخمسة للحازمي (62 - 66)، ومقدمة ابن الصلاح (21)، والتقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الرواي (1/ 80)، وشرح النووي على مسلم (1/ 134)، واختصار علوم الحديث لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (23)، والروض الباسم لابن الوزير (1/ 142)، وفتح المغيث للسخاوي (1/ 44 - 45).
(5)
انظر: ص (90 - 91).
وقد نُقل عنهما تصحيح أحاديث ليست في كتابيهما، وإنما هي في السنن وغيرها، كما في نقل الترمذي عن البخاري
(1)
.
وبناءً على هذا، فإن إلزام الدارقطني وغيره لهما بإخراج أحاديث صحيحة قد تركاها مع أنها على شرطهما ليس بلازم.
قال النووي رحمه الله تعالى: "وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنهما لم يلتزما استيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع مسائله"
(2)
.
وقال السخاوي: "ولكنهما لم (يعُمَّاه) أي: يستوعبا كل الصحيح في كتابيهما، بل لو قيل: إنهما لم يستوعبا مشروطهما لكان موجهًا، وقد صرح كل منهما بعدم الاستيعاب
…
وحينئذ فإلزام الدارقطني لهما في جزء أفرده بالتصنيف، بأحاديث رجال من الصحابة رُويت عنهم من وجوه صحاح، تركاها مع كونها على شرطهما، وكذا قول ابن حبان
(3)
: ينبغي أن يُناقش البخاري ومسلم في تركهما إخراج أحاديث هي من شرطهما: ليس بلازم"
(4)
.
(1)
انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير، مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث (23).
(2)
شرح النووي على مسلم (1/ 134).
(3)
هو أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي البستي الشافعي، صاحب التصانيف كان حافظًا ثبتًا، إمامًا حجة سمع من النسائي وابن خزيمة وطبقتهما، وحدَّث عنه الحاكم وطبقته، وكان من أوعية العلم في الحديث والفقه واللغة والوعظ وغير ذلك، حتى الطب والنجوم والكلام، ولي قضاء سمرقند ثم قضاء نسا، توفي رحمه الله في وطنه بُسْت سنة (354 هـ) له مصنفات عدة أشهرها: الصحيح المعروف بصحيح ابن حبان. [انظر: تذكرة الحفاظ (3/ 920)، والسير (16/ 92)، والعبر (2/ 94)، وشذرات الذهب (3/ 16)].
(4)
فتح المغيث (44 - 45).
وأما المأخذ الثاني وهو: انتقاد بعض الأحاديث المخرجة في صحيحيهما، فقد انتدب لها عدد من العلماء والحفاظ فأجابوا عنها كلها، ومن أشهر من تعرض لذلك الإمام النووي في شرحه لمسلم، والحافظ ابن حجر في هدي الساري.
غير أنهما -وغيرهما من أهل العلم والحديث- قد استثنيا عددًا قليلًا من هذه الأحاديث المنتقدة يصعب الجواب عنها، لأن الحق فيها والصواب مع النقاد.
قال الإمام ابن الصلاح بعد تقريره لصحة ما في كتابي البخاري ومسلم، وأن الأمة قد تلقت ما فيهما بالقبول، قال:"إذا عرفت هذا فما أخذ عليهما من ذلك وقدح فيه معتمد من الحفاظ، فهو مستثنى مما ذكرناه لعدم الإجماع على تلقيه بالقبول، وما ذلك إلا في مواضع قليلة"
(1)
.
وقال النووي بعد ذكره لمن انتقد بعض أحاديث الصحيحين: "وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره"
(2)
.
قال ابن حجر تعليقًا على كلام النووي: "هو الصواب، فإن منها ما الجواب عنه غير منتهض"
(3)
.
وقال أيضًا، بعد جوابه عن كل الأحاديث المنتقدة على البخاري: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطلعون على خفايا الطرق، وليس كلها من أفراد البخاري بل شاركه مسلم في كثير منها
…
وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف"
(4)
.
(1)
صيانة صحيح مسلم (87).
(2)
شرح النووي على مسلم (1/ 137).
(3)
هدي الساري (346).
(4)
المرجع السابق (383)، وانظر: الروض الباسم لابن الوزير (1/ 158).
وهذا الكلام من الحافظ ابن حجر رحمه الله غاية في الدقة والإنصاف، والتجرد من التعصب والهوى والإفراط، فحسبك به من إمام حافظ ناقد بصير.
وختامًا، فإنه لا يضير الصحيحين ما انتقد عليهما، ولا ينقص ذلك من شأنهما وقدرهما، بل لو قيل: إن ذلك لا يزيدهما إلا مكانة وشرفًا ورفعة وقدرًا، لما كان ذلك بعيدًا، لأننا إذا علمنا أنهما قد اشتملا على أحاديثَ كثيرةٍ -تعد بالألوف- ولم يشكل منها إلا هذا النزر اليسير من الأحاديث، ازددنا يقينًا بجلالتهما وعظيم منزلتهما.
قال ابن حجر بعد ذكره للأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري والجواب عنها: "فإذا تأمل المنصف
(1)
ما حررته من ذلك، عظم مقدار هذا المصنف في نفسه، وجلَّ تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم"
(2)
.
* * *
(1)
في الأصل (المصنف) هكذا، ولعل الصواب ما أثبته، والله أعلم.
(2)
هدي الساري (383).