الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والاستدلال له بحديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا
…
). فقد رده ابن قتيبة رحمه الله فقال: "قال قوم من أصحاب الكلام: أراد خلق آدم على صورة آدم، لم يزد على ذلك.
ولو كان المراد هذا، ما كان في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته، والسباع على صورها، والأنعام على صورها؟ !
وقال قوم: إن الله تعالى خلق آدم على صورة عنده، وهذا لا يجوز؛ لأن الله عز وجل لا يخلق شيئًا من خلقه على مثال"
(1)
.
كما رده شيخ الإسلام ابن تيمية من عدة وجوه، فقال رحمه الله: "وأما قول من قال: الضمير عائد إلى آدم كما ذُكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور، فهو كما قال الإمام أحمد: هذا تأويل الجهمية، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه
(2)
.
وقد زعم المؤسس
(3)
أنه أولى الوجوه الثلاثة، وليس كما ذكره، بل هو أفسد الوجوه الثلاثة، ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى (على صورة الرحمن)، ولقوله ابتداءً:(إن الله خلق آدم على صورته)، فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا.
وبيان فساده من وجوه:
أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم، أو: لا تقبحوا الوجه ولا يقل أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورة آدم. كان هذا من أفسد
(1)
تأويل مختلف الحديث (204)، وانظر -أيضًا- في الرد على هذا التأويل: إبطال التأويلات (1/ 69 - 73).
(2)
انظر: ص (124) من هذا البحث.
(3)
المؤسس هو الرازي نسبةً إلى كتابه: "أساس التقديس"، وكلامه هذا تقدم في ص (120) هامش (2).
الكلام، فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلًا، فإن كون آدم مخلوقًا على صورة آدم، فأي تفسير فُسر ليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنيه ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها، وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فُرِّقَ الحديث فروي قوله:(إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه) مفردًا، وروي قوله:(إن الله خلق آدم على صورته) مفردًا، أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمتنع فيه، وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع، فلا يناسب هذا الحكم.
الوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم، فلا فرق بين الوجه وسائر الأعضاء في هذا الحكم، فلو كان خلق آدم على صورة آدم مانعًا من ضرب الوجه أو تقبيحه، لوجب أن يكون مانعًا من ضرب سائر الأعضاء وتقبيح سائر الصور، وهذا معلوم الفساد في العقل والدين وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام، وإضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد، إذ لا خلاف في علمه وحكمته، وحسن كلامه وبيانه.
الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه، وهذا من أعظم التناقض، وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة، وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر، وبنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة وخلقوا في مدة من عناصر الأرض
(1)
، فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه -وهذه العلة منتفية في بنيه- فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها وهي: أن آدم هو الذي خلق على صورته دونهم، إذ هم لم يخلقوا -كما خلق آدم- على صورهم التي هم عليها، بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة.
(1)
انظر كلام الخطابي: ص (120 - 121) من هذا البحث.
الوجه الرابع: ما أبطل به الإمام أحمد هذا التأويل حيث قال: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟ وهذا الوجه الذي ذكره الإمام أحمد يعم الأحاديث، يعم قوله ابتداءً:(إن الله خلق آدم على صورته طوله ستون ذراعًا)، ويعم قوله:(لا تقبحوا الوجه)، (وإذا ضرب أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وذلك أن قوله:(خلق الله آدم على صورته) يقتضي أنه كان له صورة قبل الخلق خلقه عليها، فإن هذه العبارة لا تستعمل إلا في مثل ذلك.
وبمثل هذا أبطلنا قول من يقول: إن الضمير عائد إلى المضروب، فإن المضروب متأخر عن آدم ولا يجوز في مثل هذا الكلام أن تكون الصورة التي خُلِقَ عليها آدمُ متأخرةً عن حين خلقه، سواء كانت هي صورته أو صورة غيره
…
فمن المعلوم بالضرورة أنه لم تكن لآدم صورة خلق عليها قبل صورته التي خلقها الله تعالى
(1)
.
الوجه الخامس: أن جميع ما يذكر من التأويل كقول القائل: خلق آدم على صورة آدم، موجود نظيره في جميع المخلوقات، فإنه إن أريد بذلك على صورتها الثابتة في القدر في علم الله وكتابه، أي: على صفتها التي هي عليها أو غير ذلك، فهذا موجود نظيره في سائر المخلوقات من السموات والأرض وما بينهما من الملائكة والجن والبهائم، بل وذرية آدم كذلك فإنهم خلقوا على صورهم، كما يذكرونه في معنى قولهم: خلق الله آدم على صورة آدم، فإن كون آدم على صورته يعني شبحًا موجودًا في صور هذه الأمور.
وأما كونه خلق على هذه الصورة ابتداءً أو في غير مدة، فإنه لم يخلق إلا من حال إلى حال من التراب ثم من الطين ثم من الصلصال، كما خلق
(1)
لأن التصوير إنما يكون بعد الخلق لا قبله كما قال الله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)} [سورة الأعراف، آية: (11)].
بنوه من النطفة ثم العلقة ثم المضغة، فلا منافاة في الحقيقة بين الأمرين، فإذا جاز أن يقال في أحدهما: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، جاز أن يقال في الآخر: إنه خلق على صورته مع تنقله في هذه الأطوار، وإذا كان كذلك -ومن المعلوم بالاتفاق أن قوله:(خلق آدم على صورته) هي من خصائص آدم، وإن كان بنوه تبعًا له في ذلك كما خلقه الله بيديه وأسجد له ملائكته- علم بطلان ما يوجب الاشتراك ويزيل الاختصاص.
الوجه السادس: أن المعنى الذي تدل عليه هذه العبارة التي ذكروها هو من الأمور المعلومة ببديهة العقل التي لا يحسن بيانها والخطاب بها لتعريفها، بل لأمر آخر فإن قول القائل: إن الشيء الفلاني خلق على صورة نفسه، لا يدل لفظه على غير ما هو معلوم بالعقل، لأن كل مخلوق فإنه خلق على الصورة التي خلق عليها، وهذا المعنى مثل أن يقال: أوجد الله الشيء كما أوجده، وخلق الله الأشياء على ما هي عليه وعلى الصورة التي هي عليها، ونحو ذلك مما هو معلوم ببديهة العقل، ومعلوم أن بيان هذا وإيضاحه قبيح جدًا.
الوجه السابع: أن الحديث روي من وجوه بألفاظ تبطل عود الضمير إلى آدم مثل قوله: (لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن)، وقوله في الطريق الآخر من حديث أبي هريرة:(إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة الإنسان على صورة الرحمن) "
(1)
.
وأما قول أصحاب هذا التأويل: إن حمل الحديث على ظاهره يقتضي التشبيه! فقد تقدمت الإجابة عنه.
وأما القول الثالث: وهو القول بإعادة الضمير إلى الله تعالى، وجعل إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة المخلوق إلى خالقه، فهو باطل من عدة وجوه أيضًا:
(1)
بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (2/ 450 - 457) باختصار وتصرف يسير.
أحدها: أنه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها، فقول القائل: على صورة مخلوقة لله -وليس هناك إلا صورة آدم- بمنزلة قوله: على صورة آدم، وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة.
الوجه الثاني: أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة، فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة، إذا أضيفت كانت إضافة صفة إلى موصوف، وهذا هو الفرق بين الأمرين، وإلا التبست الإضافة التي هي إضافة صفة إلى موصوف، والتي هي إضافة مملوك ومخلوق إلى المالك والخالق، وذلك هو ظاهر الخطاب في الموضعين، لأن الأعيان القائمة بنفسها قد علم المخاطبون أنها لا تكون قائمة بذات الله، فيعلمون أنها ليست إضافة صفة، وأما الصفات القائمة بغيرها فيعلمون أنه لا بد لها من موصوف تقوم به وتضاف إليه، فإذا أضيفت علم أنها أضيفت إلى الموصوف التي هي قائمة به، وإذا كان كذلك فالصورة قائمة بالشيء المصور، فصورة الله كوجه الله ويد الله وعلم الله وقدرة الله ومشيئة الله وكلام الله، يمتنع أن تقوم بغيره.
الوجه الثالث: أن سائر الأعضاء مشاركة للصورة التي هي الوجه في كون الله خلق ذلك جميعه، فينبغي أن يضاف سائر الأعضاء إلى الله بهذا الاعتبار، حتى يقال: يد الله ووجه الله وقدمه ونحو ذلك، لأن الله قد خلقها؟ ! .
الوجه الرابع: أن قوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، لو كانت الإضافة فيه إضافة خلق وملك لوجب ألا يضرب شيء من الأعضاء، لأن إضافته إلى خلق الله وملكه كإضافة الوجه سواء.
الوجه الخامس: أن هذا الوجه المضروب هو في كونه مخلوقًا مملوكًا لله، بمنزلة الصورة المملوكة لله، فلو كان قد نهي عن ضرب
هذا
(1)
لكونه ذاك
(2)
، لكان هذا التشبيه من باب العبث، لأن العلة في المشبه به، مثل من يقول لأحد بنيه: إنما أكرمتك لأنك مثل ابني الآخر في معنى البنوة، أو يقول لعبده: إنما أعطيتك لأنك مثل عبدي الآخر في معنى العبودية، وهما مشتركان في هذا.
الوجه السادس: أنه من المعلوم أن جميع ما يضرب ويشتم من الموجودات، هو مخلوق مملوك لله، وهذا يوجب ألا يضرب مخلوق ولا يشتم مخلوق.
الوجه السابع: أن قوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته) يدل على أن المانع هو مشابهة وجهه لصورة الله، فلو أريد صورة يخلقها الله، لكان كونه هو في نفسه مخلوقًا لله أبلغ من كونه مشبِهًا لما خلقه الله، فيكون عدولًا عن التعليل بالعلة الكاملة إلى ما يشبهها.
الوجه الثامن: أن العلم بأن الله خلق آدم هو من أظهر العلوم عند العامة والخاصة، فإذا لم يكن في قوله:(على صورته) معنى، إلا أنها الصورة التي خلقها وهي ملكة، لكان قوله: خلق آدم، كافيًا، لأن قوله: خلق آدم، و (خلق آدم على صورته) سواء على هذا التقدير، وإن ادُعي أن في الإضافة بمعنى الخلق تخصيصًا، فكذلك يكون في لفظ خلق
(3)
.
وأما القول الرابع: وهو المروي عن الإمام مالك في إنكار حديث: (إن الله خلق آدم على صورته) والنهي عن التحديث به، والقدح في بعض رواته، كابن عجلان وأبي الزناد.
فالجواب عنه ما ذكره الذهبي رحمه الله، حيث قال بعد ما ساق الرواية عن الإمام مالك في إنكاره الحديث: "قلت: الحديث في أن الله خلق آدم
(1)
أي: الوجه.
(2)
أي: مخلوقًا لله كالصورة.
(3)
انظر في هذه الوجوه: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (2/ 540 - 546).
على صورته، لم ينفرد به ابن عجلان، فقد رواه همام عن قتادة، عن أبي موسى أيوب، عن أبي هريرة
(1)
.
- ورواه شعيب وابن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة
(2)
.
- ورواه معمر عن همام، عن أبي هريرة
(3)
.
- ورواه جماعة كالليث بن سعد وغيره عن ابن عجلان، عن المقبري، عن أبي هريرة
(4)
.
- ورواه شعيب -أيضًا- وغيره عن أبى الزناد، عن موسى بن أبى عثمان، عن أبي هريرة
(5)
.
(1)
هو حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته) أخرجه مسلم (16/ 404) ح (2612)، ولكن ليس فيه ذكر (لأبي موسى أيوب) كما ذكره الذهبي وإنما فيه: أبو أيوب، وهو كذلك عند مسلم أيضًا، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 62) من طريق المثنى بن سعيد عن قتادة عن أبي أيوب عن أبي هريرة.
(2)
هو حديث: (إذا قاتل أحدكم. .. ) المتقدم، ولكن هذا الإسناد عند الإمام أحمد (12/ 275) ح (7323)، وفيه بدل (قاتل):(ضرب).
(3)
هو حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا
…
) متفق عليه، وقد تقدم ص (114).
(4)
هو حديث: (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح الله وجهك، ووجه من أشبه وجهك، فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته)، وقد تقدم ص (117 - 118).
(5)
هو حديث: (إن الله عز وجل خلق آدم على صورته، وطوله ستون ذراعًا) هكذا مختصرًا، أخرجه الإمام أحمد في المسند (14/ 45) ح (8291)، وابن خزيمة في التوحيد (1/ 92) ح (43)، وفيهما:"عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة". فأبو عثمان هو الراوي عن أبي هريرة، وقد سقط من الإسناد الذي ذكره الذهبي.
وأخرج هذا الحديث -أيضًا- عبد الله بن الإمام أحمد في السنة (2/ 479) ح (1100) من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة.
- ورواه جماعة عن ابن لهيعة، عن الأعرج وأبي يونس، عن أبي هريرة
(1)
.
- ورواه جرير عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
.
وله طرق أخر
…
وهو مخرج في الصحاح.
وأبو الزناد
(3)
فعمدة في الدين، وابن عجلان
(4)
صدوق من علماء المدينة وأجلائهم ومفتيهم، وغيره أحفظ منه"
(5)
.
وقد اعتُذر للإمام مالك رحمه الله بأنه نهى عن التحديث بهذا الحديث: خشية أن يقع بعض الجهال بتشبيه الله تعالى بخلقه، فنهيه عن التحديث به من باب سد الذريعة، وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان
(1)
هو حديث: (من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن)، وقد تقدم ص (133).
(2)
هو حديث: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، وقد تقدم ص (126).
(3)
هو عبد الله بن ذكوان، قال فيه يحيى بن معين: ثقة حجة، وقال أبو حاتم: ثقة فقيه حجة صاحب. سنة، وقال البخاري: أصح أحاديث أبي هريرة: أبو الزناد عن الأعرج عنه، وقال الذهبي: انعقد الإجماع على أن أبا الزناد ثقة رضي. [انظر: ميزان الاعتدال (4/ 94 - 96)، والسير (5/ 445 - 449)]، وقال ابن حجر في تقريب التهذيب (1/ 490) عن أبي الزناد:"ثقة فقيه".
(4)
هو محمد بن عجلان القرشي، قال الذهبي في السير (6/ 320):"وثق ابنَ عجلان: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وحدث عنه شعبة ومالك، وهو حسن الحديث"، وقال أيضًا في (6/ 322):"فحديثه إن لم يبلغ رتبة الصحيح، فلا ينحط عن رتبة الحسن، والله أعلم".
وقال الحافظ ابن حجر في التقريب (2/ 112): "صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة".
(5)
ميزان الاعتدال (4/ 95 - 96)، وانظر: السير (5/ 450)(6/ 320).
لبعضهم فتنة"
(1)
.
قال الإمام ابن عبد البر
(2)
: "وإنما كره ذلك مالك، خشية الخوض في التشبيه بكيف ها هنا"
(3)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "
…
على أن علماء الأمة لم تنكر إطلاق القول: بأن الله خلق آدم على صورة الرحمن، بل كانوا متفقين على إطلاق مثل هذا.
وكراهة بعضهم لرواية ذلك في بعض الأوقات له نظائر، فإن الشيء قد يمنع سماعه لبعض الجهال، وإن كان متفقًا عليه بين علماء المسلمين"
(4)
.
ومما يؤيد ذلك ما ذكره الحافظان ابن عبد البر وابن حجر عليهما رحمة الله من أن الإمام مالكًا كان يكره التحديث بأحاديث الصفات
(5)
، والله تعالى أعلم.
وهذا الاعتذار متوجه في نهيه عن التحديث بهذا الحديث، وأما إنكاره له فغير متوجه فيه، لأنه لا يليق بإمام دار الهجرة أن ينكر حديثًا صحيحًا من أجل سد الذريعة، فإن هذا لا يجوز.
(1)
مسلم (1/ 191)
(2)
هو الإمام العلامة حافظ المغرب شيخ الإسلام أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمَري الأندلسي القرطبي المالكي، صاحب التصانيف الفائقة، أدرك الكبار، وطال عمره وعلا سنده، وتكاثر عليه الطلبة، وخضع لعلمه علماء الزمان، وكان في أصول الديانة على مذهب السلف فلم يدخل في علم الكلام، توفي رحمه الله سنة (463 هـ)، وله مصنفات عديدة منها: الاستذكار، والتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. [انظر: وفيات الأعيان (5/ 428)، والسير (18/ 153)، والعبر (2/ 316)، وشذرات الذهب (3/ 314)].
(3)
التمهيد (7/ 150).
(4)
عقيدة أهل الإيمان (74).
(5)
انظر: التمهيد (7/ 150)، والفتح (1/ 225)، وعقيدة أهل الإيمان (10).
فالنهي عن التحديث بالحديث -في بعض الأوقات أو الأماكن- شيء، وإنكاره شيء آخر، ولذلك جزم الذهبي رحمه الله تعالى بأن إنكار مالك لهذا الحديث لأنه لم يثبت عنده
(1)
، ويؤيد ذلك أنه قدح في بعض رواته، والله أعلم.
وقد طعن الألباني في صحة هذه الرواية عن الإمام مالك رحمه الله، لضعف مقدام بن داود شيخ العقيلي، والذي ساق العقيلي هذه القصة من طريقه، فقال رحمه الله: "مقدام هذا
…
مُتَكَلَّم فيه، بل قال النسائي
(2)
فيه: (ليس بثقة)، فلا يجوز أن ينسب بروايته إلى الإمام مالك أنه أنكر حديثًا صحيحًا"
(3)
.
ولكن هذه القصة لم ينفرد بها مقدام، فقد ساقها ابن عدي رحمه الله من طريق آخر عن أبي زيد بن أبي الغمر، عن ابن القاسم، عن الإمام مالك
(4)
رحمه الله، فهذه المتابعة من ابن عدي يعتضد بها طريق العقيلي.
وذكرها -أيضًا- حافظ المغرب ابن عبد البر عن أُصْبُغ بن الفرج، وعيسى بن مثرود، عن ابن القاسم
(5)
، ولم يتعقبها بتضعيف، بل اعتذر له بأنه كره ذلك خشية الخوض بالتشبيه -كما تقدم- مع أن ابن عبد البر يعتبر
(1)
انظر: السير (8/ 104)، وسيأتي نقل كلامه هذا قريبًا.
(2)
هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام، ناقد الحديث، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان الخرساني النسائي صاحب السنن، كان من بحور العلم مع الفهم والإتقان وحسن التأليف، ومن مؤلفاته: عمل اليوم والليلة، والضعفاء، توفي رحمه الله سنة ثلاث ومائة (103). [انظر: وفيات الأعيان (1/ 97)، والسير (14/ 125)، وتذكرة الحفاظ (2/ 698)، وتقريب التهذيب (1/ 36)، وشذرات الذهب (2/ 239)].
(3)
سلسلة الأحاديث الضعيفة (3/ 320)، وطعن في صحتها أيضًا الشيخ حمود التويجري رحمه الله في كتابه: عقيدة أهل الإيمان (9).
(4)
انظر: سير أعلام النبلاء (8/ 103).
(5)
انظر: التمهيد (7/ 150).
من محققي المذهب المالكي، ولذا فهو يتحرى الدقة فيما ينقل عن إمام المذهب، فهذا الصنيع منه يشعر بإقراره لهذه القصة، والله أعلم.
كما ذكر هذه القصة -أيضًا- الذهبي من طريق ابن عدي مقرًا لها، وعلق عليها بقوله:"قلت: أنكر الإمام ذلك، لأنه لم يثبت عنده، ولا اتصل به، فهو معذور"
(1)
.
فهذه القصة رواها أربعة عن عبد الرحمن بن القاسم رحمه الله وهم:
1 -
أبو زيد بن أبي الغمر، كما عند العقيلي وابن عدي.
2 -
الحارث بن مسكين، كما عند العقيلي.
3 -
أُصْبُغ بن الفرج، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.
4 -
عيسى بن مثرود، كما ذكر ذلك ابن عبد البر في التمهيد.
فالطعن فيها غير متوجه، وإنكار الإمام مالك محمول على ما ذكره الذهبي من أن هذا الحديث لم يثبت عنده، والله أعلم.
* * *
(1)
السير (8/ 104).