الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالمغنية تشبيه لإفادة الحكم، فإذا باع بشرط أنها مغنية بطل (1) العقد، وإذا اطلع على ذلك بعد العقد خُيّر.
[بيع الجزاف مجموعًا: ]
ولما قدم جواز بيع الجزاف منفردًا شرع (2) في بيان حكمه إذا اجتمع مع غيره في صفقة، فقال عطفًا على غير مرئي: وجزاف حب كقمح وشعير مما أصله أن يباع كيلًا مع مكيل منه، أو مع مكيل أرض، مما أصله أن يباع جزافًا، فأرض عطف ضمير منه من غير إعادة حرف الجر على مذهب الكوفيين، واختاره ابن مالك وغيره، والصحيح مذهب البصريين: وجوب إعادة الجار، كما قررناه (3).
(1) في "م 1": فسد.
(2)
في "م 1": أتبعه ببيان.
(3)
ما ذكره التتائي من أن العطف على الضمير المجرور من دون إعادة الخافض هو مذهب الكوفيين ليس صحيحًا، فالكوفيون لا يجوزون ذلك في اختيار الكلام، وإنما يجوزونه في الشعر لضيقه، فهذا إمام من أئمتهم، وحامل لواء نحوهم، وهو الفراء، يقول في معاني القرآن (1/ 252 - 253) مصرحًا بذلك: "قوله: الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ فنصب الأرحام يريد واتقوا الأرحام أن تقطعوها. قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني شريك بن عبد اللَّه عن الأعمش عن إبراهيم أنه خفض الأرحام، قال: هو كقولهم: باللَّه والرحم وفيه قبح لأن العرب لا تردّ مخفوضًا على مخفوض وقد كنى عنه، وقد قال الشاعر في جوازه:
نعلّق في مثل السّوارى سيوفنا
…
وما بينها والكعب غوط نفانف
وإنما يجوز هذا في الشعر لضيقه".
ومصدر ما قاله التتائي -رحمه اللَّه تعالى- كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف لأبي البركات ابن النباري، فقد قال (2/ 463):"ذهب الكوفيون إلى أنه يجوز العطف على الضمير المخفوض وذلك نحو قولك مررت بك وزيد، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز".
وقد قرر الإمام العلامة والأديب الفهامة ابن جني -رحمه اللَّه تعالى- في كتابه الخصائص (1/ 285 - 286) أن هذا العطف جائز، فقال في باب أن المحذوف إذا دل عليه دليل كان في حكم الملفوظ به: "وعلى نحو من هذا تتوجَّه عندنا قراءةُ حمزة وهي قوله سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ} ليست هذه القراءة عندنا من الإبعادِ والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس بل الأمر =
ووجه المنع أن بيع الجزاف رخصة، والأصل عدم القياس عليها، وهو الراجح عند الأصوليين (1).
= فيها دون ذلك وأقربُ وأخف والطف وذلك أن لحمزة أن يقول لأبي العباس إنني لم أحِمل الأرحام على العطف على المجرور المضمر بل اعتقدتُ أن تكون فيه باء ثانية حتى كأني قلت وبالأرحام ثم حذفت الباء لتقدّم ذكرها كما حُذِفتْ لتقدَّم ذكرها في نحو قولك بَمْن تمررْ أَمُرْر وعلى من تنزِلْ أنزِلْ ولم تقل أمرر به ولا أنزل عليه لكن حذفت الحرفين لتقدَّم ذكرهما وإذا جاز للفرزدق أن يحذف حرف الجرّ لدلالة ما قبله عليه مع مخالفته له في الحكم في قوله
وإنِّيَ من قوم بهم يُتَّقيَ العِدا
…
ورَأْبُ الثأَي والجانبُ المتخوَّف
أراد وبهم رأب الثأَي فحذف الباء في هذا الموضع لتقدّمها في قوله بهم يتقي العدا وإن كانت حالاهما مختلفتين إلا ترى أن الباء في قوله بهم يتقي العدا منصوبُة الموضع لتعلّقها بالفعل الظاهر الذي هو يتقي كقولك بالسيف يَضِرب زيد والباء في قوله وبهم رأْب الثأَي مرفوعةُ الموضع عند قوم وعلى كل حال فهي متعلّقة بمحذوف ورافعه الرأبُ ونظائر هذا كثيرة كان حذف الباء من قوله والأرحاِم لمشابهتها الباء في بِهِ موضعا وحُكْما أجدرَ".
(1)
قال الزركشي في البحر المحيط (1/ 52 - 53): "قال في المحصول مذهب الشافعي جواز القياس في الرخص وهو ظاهر كلام ابن السمعاني فيما سبق وليس كذلك فقد نص الشافعي في البويطي على امتناع القياس فقال في أوائله لا يتعدى بالرخصة مواضعها وقال في الأم لا يقاس عليه وكذلك إن حرم جملة وأحل بعضها وكذلك إن فرض شيئًا رخص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم التخفيف في بعضه ثم قال وما كان له حكم منصوص ثم كانت لرسوله سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض عمل بالرخصة فيما رخص فيه دون ما سواها ولم نقس ما سواها عليها وهكذا ما كان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حكم عام لشيء ثم سن فيه سنة تفارق حكم العام كمسح الخفين والعرايا هذا لفظه وذكر في الرسالة مثله وقال في موضع آخر من الأم ولا يقاس إلا ما عقلنا معناه ولهذا قلنا في المسح على الخفين لا يقاس عليهما عمامة ولا برقع ولا قفازان وكذلك القسامة وفي موضع آخر إن المحرم لا يتحلل بالمرض والتحلل رخصة فلا يتعدى بها مواضعها كما أن المسح على الخف رخصة فلم يقس عليه مسح العمامة انتهى وجرى على ذلك جماعة من أصحابنا منهم الأستاذ أبو منصور البغدادي فقال لا يجوز القياس عندنا على الرخص وعللوه بأنها تكون معدولًا بها عن الأصل وما عدا محل الرخصة يبقى على الأصل وقال القاضي الحسين في تعليقه لا يجوز القياس في الرخص ولهذا لما كان الأصل غسل الرجلين ثم رخص في محل الخف المسح للضرورة فلا يقاس عليه مسح القلنسوة والعمامة والأصل أن من تلبس بالإحرام لا ينقضي عنه إلا بالإتمام ورخص =
وجزاف أرض مما أصله أن يباع لا يجوز جمعه مع مكيله، بتذكير ضميره، نظرًا لأصل (1) المذكور، وتأنيثه كما في بعض النسخ بمثناة منونة وصفًا لأرض، لا اجتماع جزافان مما أصله أن يباع جزافًا كأرض مع مكيل حب، مما أصله أن يباع كيلًا في صفقة فلا منع، لمجيء كل منهما على أصله، وفاقًا لابن زرب وابن محرز، وخلافًا لابن العطار (2).
= للمحصر بالعدو في التحلل ثم لا يقاس عليه المصدود بالمرض والأصل أن لا يضمن الميت فأوجب الغرة في الجنين لا على القياس ثم لا يقاس عليه سائر الرخص والأصل أن الجناية توجب على الجاني فاستثنى منه جناية الخطأ ثم لا يقاس عليها غيرها وقال إلكيا إنما نمنع القياس على الرخص إذا كانت مبنية على حاجات خاصة لا توجد في غير محل الرخصة فيمتنع القياس لعدم الجامع كغير المسافر يعتبر بالمسافر في رخص السفر إذ يتضمن إبطال تخصيص الشرع وقد يمتنع أيضًا مع شمول الحاجة إذا لم يبن عندنا استواء السببين في الحاجة الداعية إلى شرع القصر مع أن المريض خفف عنه في بعض الجهات ذلك في الرخصة سدًا لحاجته كالقعود في الصلاة وذلك تخفيف في الأركان مقابل للتخفيف في عدد الركعات انتهى والحق القاضي عبد الوهاب القياس على الرخص بالقياس على المخصوص وسيأتي فيه التفصيل الآتي قال ويحتمل أن يكون المنع عنه لأن علته قاصرة عليه لا من حيث كونه رخصة وقال القرطبي يحتمل التفصيل بين أن لا يظهر للرخصة معنى فلا يقاس عليها وبين أن يظهر فيقاس وينزل الخلاف على هاتين الحالتين ورأيت في كلام بعض المالكية التفصيل بين أن يكون الأصل المقيس عليه منصوصًا فيجوز وبين أن يكون اجتهادًا فلا".
(1)
في "م 1": لجنس.
(2)
هو: محمد بن أحمد بن عبد اللَّه، المعروف بابن العطار، أبو عبد اللَّه. قرطبي. قال ابن حيان: كان هذا الرجل متفننًا في علوم الإسلام، وثابتًا في الفقه، لا نظير له، حاذقًا بالشروط، وأملى فيها كتابًا عليه معول أهل زماننا. وكان يفضل فقهاء وقته بمعرفته بالنحو واللسان. فكان لا يزال يزري بأصحابه المفتيين، ويعجب بما عنده، إلى أن تمالأوا عليه بالعداوة، وحملوا قاضيهم ابن زرب على إسقاطه، وقد استفسده بعد أن كان مقدمًا في أصحابه، وهو الذي رقاه إلى الشورى أول ولايته، فجرى له مع الفقهاء أخبار كثيرة.
وذكر الفقيه أبو عبد اللَّه بن عتاب فقال: ومحل أبي عبد اللَّه في العلم معروف، وهو به موصوف، ولقد كان فقيهًا موثقًا، لم يحفظ أنه أخذ عليها أجرًا.
قال ابن حيان: فلم يزل ابن العطار مع خصاله منقوص الحظ، وكان فريد فقهاء وقته =