الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأحاديث النبوية، ونظم الشعر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وحضر إلى بيروت وطنه الأصلي في سنة ثلاث وثمانين ومائة وألف، ثم توجه إلى دمشق الشام، ثم عاد إلى بيروت، فأكرهه الأمير يوسف الشهابي على تولية القضاء بها، فقام بأعبائه، ثم استعفى منه لورعه وتقواه، ثم عاد إلى دمشق سنة خمس وتسعين ومائة وألف وسكن في الصالحية، وأقبل على الترقي بهمة قوية، إلى أن صار فرداً يشار إليه، وعمدة في المشكلات يعتمد عليه، وشهد له مشايخه بالفضل، وإنه لما يثنى عليه به مستحق وأهل، وقد أخذ عن العلامة الشيخ مصطفى الصلاحي، وشرح له شيخه المرقوم بديعيته المشهورة، وله كتب في كل فن ورسائل، هي لوصول مطالعها إلى المقصود طرق ووسائل، منها الشرح الجلي على بيتي الموصلي، ومنها كتاب في اقتباس آي القرآن، ومنها مؤلف باسم سليمان، وشرح قصيدة سيدي الشيخ محي الدين العربي، وله مقامة تشهد بعلاه، وتقضي لمطالعها بأن يعترف لمنشئها بأنه قد جمع ما تفرق من الفضل وحواه، وقد أحببت أن أثبتها في هذا المكان، لتكون للواقف على تلاوتها جالبة للسرور ومذهبة للأحزان، وليعلم الإنسان فضل منشئها وفضل ممدوحه عبد الرحمن أفندي العمادي المرادي العلامة الإمام، والفهامة الهمام، فأقول ذاكراً لها بتمامها، بنثرها ونظامها.
بسم الله الرحمن الرحيم
حمداً لمن خلق العناصر، وجعل لكل منها فضلاً تعقد عليه الخناصر، وصلاة وسلاماً على الجوهر الفرد الذي منه عرض العالم، ومن هو في
الدارين سيد بني آدم. وعلى آله وصحبه. ومن تعلق بحبه. ما اكتحلت عيون الطروس بمراود الأقلام. وقلدت نحور الدروس بعقود ألفاظ العلماء الأعلام. وبعد فإن الفكر والخيال. دخلا بي إلى رياض ضاع زهرها فنم عليه النسيم ودار عليه الماء الزلال. أكلها دائم وظلها. كأنما قابلت مرآتها جنة النعيم فانطبع فيها مثالها وشكلها. فتلقتنا عوديات طيورها بالصدح. ومجامر كمائم ورودها بالنفح. وزهرها بثغر باسم ونهرها بقلب صافي. وأدواحها ببسط بساط البسط من ظلها الضافي. وقامت لنا الأشجار على سوقها. وسفرت لنا عرائس الورود على لثام غبوقها. وأدارت علينا سلاف طلها كؤوس الزهور. قبل أن ترشفه شمس البكور. وحيتنا راحة الراحة والسرور. بأصابع المنثور. وغنت لنا مطوقات شواديها على العيدان. وأعربت وهي عجماء بفنون تمايلت لها قدود الأفنان. حتى لو سمعها ركب العشاق. على النوى لنسي الحجاز والعراق. وتمنى الدخول لذلك البستان. ورقصت بين أيدينا جواري الماء. وظهرت مع وجود شمولنا وبدورنا نجوم النبات حتى ظنناها نجوم السماء. ولاح لنا عارض الغيث وشارب الآس فاذكر العيش السالف. وطاف النسيم بكعبة صفانا طواف القدوم فما كان ألطف ذلك الطائف. غير أننا كنا نسمع محاورة. ضمنها منافرة ومحاضرة. فسألنا الرياض عن جلية الأثر. فقالت سلوا النسيم فقد أصبح عند النسيم الخبر. فوجهنا وجه السؤال الوسيم. إلى قبلة النسيم. فتدلى وتدلل. وما ألطف النسيم إذا تعلل، ثم مر بنا مقبلاً ومقبلا، وكلما مر حلا، وقال يا أهل الفراسة والسياسة، والفتوة والمروءة والحماسة، إنها منافسة بين الماء والهواء أوجبها حب انفراد كل منهما عن صاحبه بالرياسة، فهل تنعمون بحضورهما لديكم، ومثولهما بين يديكم، ليعرض كل ماله من حسن الأوصاف، وتحكموا بينهما بالعدل والإنصاف، فقلنا لا نكره ذلك ولا نأباه، فهلم بهما إلينا
لنرفع ما بينهما من الاشتباه، فشمس الحق لا يحجبها حجاب الباطل، وهيهات تكتم في الظلام مشاعل، فلم يزل الحق أبلج، والباطل لجلج، وحسبك قول خالق الخلائق، " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق "، فعند ذلك سرى النسيم إليهما مسرى النوم في الأجفان، والروح في الأبدان، والراح في الندمان، فأتى بهما وهو يتبسم ويتنسم ويتسنم، فحيا كل منهما وبيا وسلم، فقلنا: وأنتما حييتما ما عطس الفجر ودب الظلام، فإنكما أعظم دعائم الجماد والنبات والحيوان والإنسان، وأنتما الشقيقان اللذان لم يوجد لهما ثالث في عالم الإمكان، فهل ولج بينكما ذو نفاق، حتى صدر منكما هذا الشقاق، أو ذلك من دسائس النفس الأمارة، ووساوس تلك العدوة الغدارة الغرارة، التي لا تأمر إلا بالشر ولا تصبو إلا إلى الضر، كيف لا وهي عروس إبليس، ومصدر أفعال التدليس والتلبيس، أعدى العدى، وسبب الردى، قال لها الحق أقبلي فأدبرت، وأعرضت عن جانبه واستكبرت، حتى ألقاها في الجوع، وألجأها به إلى الذل والخضوع، فالشر في إهمالها، والخير في إعمالها وإذلالها، فمن أطاعها ندم، ومن عصاها سلم، ومن قهرها بالجهاد فهو بطل، ومن ملكها من مدينة جسمه خرب نظام إنسانيته وبطل، فالرأي للعاقل أن يحذر مكرهاً، ويخالف أمرها، لاسيما إن أمرته بقطع رحم القرابة والأرب، أو رحم الصحبة أو الحرفة التي كل منها لحمة كلحمة النسب. والمرء قليل بنفسه كثير بالإخوان، والرحم مشتقة من الرحمن، ولهذا يصل من وصلها، ويفصل من فصلها، وخير الناس من جنح إلى الصلح، ولم يداو جرحاً بجرح، كما قال الشاعر:
داوي جوى بجري وليس بحازم
…
من يستكف النار بالحلفاء
وقال آخر:
من يشف من داء بآخر مثله
…
أشرت جوانحه من الأدواء
وقال آخر:
وما كنت إلا مثل قاطع كفه
…
بكف له أخرى فأصبح أجذما
والجزم فيما قاله الشاعر:
قومي هم قتلوا أميم أخي
…
فإذا رميت أصابني سهمي
على أن الدنيا دار زوال، ومنزل ارتحال، ولا يليق بالعاقل أن ينافس فيما يزول، ويوجه وجه آماله ما للفناء يؤول، كما قيل:
منافسة الفتى فيما يزول
…
على نقصان همته دليل
ومختار القليل أقل منه
…
وكل فوائد الدنيا قليل
ولا يغتر الفتى بقول الشاعر:
وكل أخ مفارقه أخوه
…
لعمر أبيك إلا الفرقدان
بل يتأمل قول الآخر:
قلت للفرقدين والليل ملق
…
سود أكنافه على الآفاق
ابقيا ما استطعتما فسيرمى
…
بين شخصيكما بسهم فراق
ولقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من جار السوء في دار المقامة، إشارة إلى أن جار الدنيا يتحول عنك أو تتحول عنه، وإنه لا يليق الضجر منه ولا السآمة، ومن المعلوم أن الدنيا إن بقيت لها لم تبق لك، فطوبى لمن جعلها قنطرة لآخرته فمر بها على هذا القصد وسلك، وويل لمن اغتر بسكونها وهي تمر مع السكون كالظل مر السحاب، وظنها
شراباً ولو اختبرها لم يجدها غير آل وسراب، ويا سعادة من أقصر، عندما أبصر، واعتبر لما اختبر، فالدهر أفصح مؤذن بالزوال، وأنصح مؤذن بالارتحال، فلما سمع الماء ما قلناه من الكلام، وتأمل ما فيه من منثور النثر وقلائد النظام، تموج وتأود، ورغا وأزبد، وجرى واضطرب، وعبس بعد القهقهة وقطب، وقال يا معشر الأكابر، أما بلغكم قول الشاعر:
إذا لم تكن إلا الأسنة مركباً
…
فلا رأي للمضطر إلا ركوبها
وقول الآخر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة
…
على المرء من وقع الحسام المهند
وقول السفاح وهو أول من وطد الخلافة العباسية حين قتل بنو عمه بني أمية
نفلق هاماً من رجال أعزة
…
علينا وإن كانوا أعق والأما
أما عرفتم أن الأخ المعاند، كالعضو الزائد، يشين الذات، ويمنع اللذات، فقطعه من الرشد، وإن آلم الجسد، هذا ولا يغر الهواء صفائي فكم تكدرت، ولا يثق بسلاستي فكم انعقدت واستحجرت، والذي جمعت في صفاتي الأضداد، كما قال الشاعر وأجاد:
أنا كالورد فيه راحة قوم
…
ثم فيه لآخرين زكام
وحسبك ما قاله الشاعر: كالماء فيه الحياة والغرق، فإن زعم الهواء إن له علي فضيلة، فليعرضها على أسماعكم غير متعلل بعلة ولا متحيل بحيلة، فقلنا نعوذ بالله من اجتماع النفس والهوا، فمن رام منكما أن يتكلم فليجعل منبر الفخر له مستوى، فعند ذلك ثار الهواء وله غبار، وصعد منبر الفخار، وقال الحمد لله الذي رفع فلك الهواء، على عنصر التراب والماء، ونفخ في آدم من روحه وعلمه جميع الأسماء، أما بعد
فمن عرفني فقد اكتفى، ومن جهلني فسأبدو له بعد الخفا، أنا الهواء الذي أؤلف بين السحاب، وأنقل ريح الأحباب، وأهب تارة بالرحمة وأخرى بالعذاب، نصر الله بي محمداً وصحبه الأمجاد، وأهلك الله بي قوم عاد، وأنا الذي تم بي ملك سليمان، وأجرى الماء في خدمتي بكل مكان، وسير بي الفلك في البحر كما تسير العيس في البطاح، وأطار بي في الجو كل ذات جناح، وأنا الذي ألعب بالطرر فوق الغرر، كما العب بلحى الجبابرة من البشر، وأنا الذي يضطرب مني الماء اضطراب الأنابيب في القناة والثعبان في الشعبان، وأنا الذي أميل قامات الأغصان، وأدني عارض الغيث وعذار الآس من خد الشقيق وشارب الريحان، إذا صفوت صفا العالم وكان له نضرة وزهو، وإذا تكدرت انكدرت النجوم وتكدر الجو، لا أتلون مثل الماء، المتلون بلون الإناء، لولاي لما عاش كل ذي نفس، ولولاي لما طلب الجو من بخار الأرض الخارج منها ما احتبس، ولولاي لما تكلم آدمي ولا صوت حيوان، ولا غرد طائر على غصن بان، ولولاي ما سمع قرآن ولا حديث، ولا عرف طيب المسموع والمشموم من الخبيث، فكيف يفاخر بي الماء الذي يشبه الله به الدنيا البغيضة، التي لا تعدل عنده جناح بعوضة، وأنا الذي أطير بلا جناح إلى جميع الجهات، وهو الذي يخر على وجهه ويمشي على بطنه كالحيات، وحسبي وحسبه هذا التفاوت العظيم " أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم "، وحسب الاء ذماً خلوه من الحرارة المشتقة منها الحرية، وكون الرطوبة فيه طبيعية غريزية، وأنا الذي سلم قلبي من القلب وإن كان من أحرف العلة، وهو الذي قلب الله قلبه، لتحركه وانفتاح ما قبله، وأنا الذي جعلني الله نشراً بين يدي رحمته، وجعل مني طوفاناً استأصل به ما تركه
آدم من ذريته، هذا وما خصني الله به من المزايا يعجز عنه فم الدواة ولسان القلم وصدر الرقيم، وفوق كل ذي علم عليم، وأما أنت فحسبك عيباً قول بعض الأدباء، فلان كالقابض على الماء، وبالله قل لي أي فخر لمن يعز مفقوداً، ويهون موجوداً، ومن إذا طال مكثه، ظهر خبثه، وإذا سكن متنه، تحرك نتنه، ومن نبع من الصخور، ومر مذاقه في البحور، وشرق به شاربه، وغرق فيه مجاوره ومصاحبه، وعلت فوقه الجيف، وانحطت عنده اللآلىء في الصدف، وقد بان الصحيح من السقيم، والمنتج من العقيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. ثم انحدر من منبره، ووعينا ما سرده من مفخره، وقال للماء، هات يا أبا الدأماء، فعلا الماء بموجه، حتى صعد إلى ما انحط عنه الهواء من أوجه، ولولا الأرض تملكه لسال، لكنه تجلد وأقبل علينا وقال، الحمد لله الذي خلق كل شيء، وجعل من الماء كل شيء حي، أما بعد فقد سمعت جعجعة ووعوعة ظننتها صرير باب، أو طنين ذباب، باطل في صورة حق، وسراب إذا تأملته زال وانمحق، فاسمع أيها الهواء ما أتلوه من آيات فخري الشامل، وما أجلوه عليك من عقد فضلي الذي أنت منه عاطل، " وقل جاء الحق وزهق الباطل "، اعلم أولاً أن الدعوى قبيحة، وإن كانت صحيحة، كما قيل:
وما أعجبتني قط دعوى عريضة
…
ولو قام في تصديقها ألف شاهد
فكيف إذا كانت بالزخارف مموهه، فهي أقبح من الخلقة المشوهة، ولعمري لا يروج الدرهم المغشوش، وإن أحكموا فيه أنواع النقوش، لاسيما إذا كان الناقد بصير، ولا ينبؤك مثل خبير، هذا وقد سردت
ما زعمته فيك من الخصوصيات على سبيل المفاخرة والمباهاة، وأنا أقول ما من الله به علي على سبيل التحدث بنعمة الله، فأقول أنا مخلوق ولا فخر، وأنا لذة الدنيا والآخرة ويوم الحشر، وأنا الجوهر الشفاف، المشبه بالسيف إذا سل من الغلاف، وقد خلق الله مني جميع الجواهر حتى اللآليء في الأصداف، أحيي الأرض بعد مماتها، وأخرج منها للعالم جميع أقواتها، واكسو عرائس الرياض أنواع الحلل، وانثر عليها لآلىء الوبل والطل، حتى يضرب بها في الحسن المثل، كما قيل:
إن السماء إذا لم تبك مقلتها
…
لم تضحك الأرض عن شيء من الزهر
وأنا الذي أقتل العجوز، وأذهب حرارة آب وتموز، وقد أفتاني الأفاضل، أن من دخل علي من باب المفاخرة أنه لا يجوز، فكيف ينكر فضلي من دب أو درج، وأنا البحر فرعي وفي المثل حدث ولا حرج، وأما أنت أيها الهواء فكم ذهبت فيك نصائح النصاح، كما قال ابن هرمة: وبعض القول يذهب في الرياح ولعمري أنه لا يفي قبولك بدبورك، ولا تقوم جنتك بسعيرك، ولطالما أهلكت أمماً بسمومك وزمهريرك، فكم تواتر عنك حديث تشمئز منه النفس وتمجه الأذن، وحسبك من العناد أنك تجري بما لا تشتهي السفن، وأنت المولع برقص الجواري كفعل الفساق، وأنت الذي تهيج التراب وتغري النار بالإحراق، كما قال فيك ابن الرومي:
لا تطفين جوى بيوم إنه
…
كالريح يغري النار بالإحراق
ومن عيوبك أنك لا تسكن ولا يقر لك قرار، ولم تفهم الإشارة في قوله تعالى " وله ما سكن في الليل والنهار "، وقد ضربت للعرب بعدم استقامتك الأمثال، كما نقله عنهم أصحاب القصص فمن ذلك قولهم:
إن ابن آوى لشديد المقتنص
…
وهو إذا ما صيد ريح في قفص
وأما قولك لولاي لما عاش إنسان، ولا بقي على أرض حيوان، فجوابه لو شاء الله لعاش العالم بلا هواء، كما عاش عالم الماء في الماء، ولم لا قلت أن غالب هلاك كل ذي روح من الوباء، وأنه لولا الرطوبة التي اكتسبتها أنت مني بالمجاورة، لاحترقت أنت فضلاً عن العالم لمجاورتك لطبيعة النار الحارة، فعلم بهذا أن حرارتك عرضية، لا أنها فيك طبيعية، ولو شئت لافتخرت عليك بالحرارة التي تعرض لي من النار والارتماض، ولكن لا يليق بالعاقل أن يفتخر بالإعراض، لأن العرض لا يبقى زمانين، كما برهن على أنه لا ينتقل إلى مكانين، وما الافتخار بشيء سريع الزوال، أو بعرض ليس لطبيعة الشخص عليه انجبال، قال الشاعر:
واحق من نكسته
…
بالذل من درجاته
من مجده من غيره
…
وسفاله من ذاته
ولذلك قيل:
لسنا وإن أحسابنا كرمت
…
يوماً على الأحساب نتكل
نبني كما كانت أوائلنا
…
تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وأما قولك إن طبيعتي الرطوبة فذلك أعظم فخري، لأن الرطوبة مادة الحياة التي في الأجسام تسري، إذ الحرارة بمنزلة النار في الأبدان، والرطوبة لها بمنزلة الأدهان، فإذا خلص الدهن انطفأ السراج، وزال ما فيه من النور الوهاج، وأما تعييرك لي بأني متلون، فالتلون صفة عارف الزمان، المتخلق بقوله تعالى " كل يوم هو في شأن "، وأما قولك قلبي قد انقلب، فالحمد لله الذي قلبه لأعلى الرتب، لأنه كان آخر الحروف فصار أولها، وكان مفضولها فصار أفضلها، إذ الألف تدل على الذات الأحدية، والباء تشير للحقيقة المحمدية، فكل الأحرف من الباء،
والباء إذا فنيت صورتها، وتعينها ونقطتها، كانت عين الألف بلا مراء، وأما قولك إن في حرف علة، وإنني منسوب بوجوده في إلى الذلة، فلا يليق أن تعيبني في شيء أوجد الله فيك مثله، وهب أنك خلوت منه فهل تخلو من قول الأطباء فيك أنك أساس كل علة. وأما قولك إن الله شبه بي الدنيا فقد شبه فيك أفئدة الكفار، وجعل زمهريرك سعيراً في النار، فأنت المذموم مقصوراً وممدوداً، إن مددت كنت جباراً عنيداً، وإن قصرت كنت إلهاً معبوداً، وأنا الذي لا أتغير بالمد ولا بالجزر، وكيف يتغير من هو مادة البحر، وأما افتخارك برفعة المنازل، وعدك ذلك من أعظم الفضائل، فلا فضيلة للشخص بالمكان ولا بالزمان كما قال الشاعر الملسان:
ولو كان المكان له علو
…
لطار الجيش وانحط القتام
وقال الطغرائي:
وإن علاني من دوني فلا عجب
…
لي أسوة بانحطاط الشمس عن زحل
هذا وأنشدك الله أينا كان عليه عرش الرحمن قبل خلق العالمين، وأينا الذي جعل منه كل شيء حي وذكره بذلك في كتابه المبين، وأينا الذي بعث فيه ابن عباس إلى ملك الروم في قارورة كان أرسلها إليه مع بعض الجنود، وطلب منه أن يضع له فيها كل شيء والشيء عندنا هو الموجود، أما كفاك شهادة الله لي بالطهورية في قوله تعالى:" وأنزلنا من السماء ماء طهوراً، لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً "، أما بلغك شهادة الله ببركتي وحسبي بها فخراً في طول البلاد والعرض، حيث قال في كتابه العزيز: " وأنزلنا من السماء ماء مباركاً فأسكناه في
الأرض "، أما رأيت ما حباني الله به من عظيم المنة، حيث جعلني الله نهراً من أنهار الجنة، أما علمت أن مني حوض من كان إذا مشى في الشمس تظله الغمامة، أما تيقنت أنني نبعت من بين أصابعه فكنت له معجزة كما أكون لوارثي مقامه الرفيع كرامة، أما عرفت أني أرفع الأحداث، وأطهر الأخباث، وأجلو النظر، وأكون للمؤمنين في الآخرة نوراً في محل التحجيل والغرر، أما رأيت الناس إذا غبت عنهم يتضرعون إلى الله بالصوم والصلاة والصدقة والدعاء، ويسألونه تعالى إرسالي من قبل السماء، واعلم أنني ما نلت هذا المقام الذي ارتفعت به على أبناء جنسي، إلا بانحطاطي الذي عيرتني به وتواضعي وهضم نفسي، وأنا لا أحب المعالي، وأنا سلم للمحل المنخفض، وحرب للمحل العالي، لا أتجاوز حد العبيد، ولا أنازع فيما أختص به من الصفات التي لا تغني ولا تبيد، بل أخشى دائماً بطشه، وأستحضر قوله تعالى: " إن بطش ربك لشديد "، فلذلك باعدني الله من النار، وجعلك حجاباً بيني وبينها أتقي بك ما تطاير منها من الشرار، وقد علم كل عالم أن فضائلي تجل عن الحصر، وأني سيد العناصر ولا فخر، أقول قولي هذا وأستغفر الله من لغو الكلام، وأسأله لي ولأحبابي حسن الختام. ثم نزل والتمس منا أن نحكم له بالفضل على الفور، وأن نجانب في حكمنا الميل والجور، فقلنا له بأن كلاً منكما أدلى إلى الفضل بحجة، وسلك من الدلائل العقلية والنقلية أوضح محجة، غير أن تكافؤ الأدلة، غدر منا الأفكار مضمحلة، وقد عجزت عن ترجيح فضلكما الأفكار، كما عجز القاضي الأفعى عن الحكم لأبناء نزار، وليس لهذه المعضلة، والحادثة
العظيمة المشكلة، إلا الكبار لا الهمج الرعاع، كما قيل: إن الكبار أطب للأوجاع، قال بعضهم:
إن العظيم يحمل العظيما
…
كما الجسيم يحمل الجسيما
ولعمري ليس لها غير إمام عصرنا، وعزة شامنا ومصرنا، المجتهد الذي قلد ببره أعناقنا تقليدا، وأخجل لطفه غض الزهر فلنستر بأكمامه حتى رأينا في خدوده توريدا، أعظم الموالي قدرا، وأعلاهم نجرا، وأرحبهم صدرا، وأكثرهم برا، وأنقذهم نهياً وأمرا، وأعد لهم نحيزة، وألينهم شنشنة وغيرزة، ذو اليدين، الذي كأنه ذو الخلال أو ذو النورين، من لو رآه ذو الجناحين لطار فضله، أو ذو البطين لمال لبذله، أو ذو الأذنين لروى أحاديث شمائله الملاح، أو ذو الهلالين لقال إنه الشمس وغرة الصباح، صاحب الطالع السعيد، الجاري سبب كفه على الصعيد جري السعيد، الجواد المذهب غلة الجواد، من برز في ميدان الفضل وأبرز، وحوى قصبات الرهان وأحرز، وزركش تاج المجد وطرز، المحسود، المحشود، رشيد الموالي وعين أمينها، وأبو عذرة المروءة وابن مدينها، والمتقلد من فرائد المحامد بثمينها، خلاصة العباد من العباد، وثمرة دوحة روض الحقائق من آل مراد، من فضله الجوهر الفرد عند كل منصف وعندي، جناب مولانا وسيدنا عين أعيان الموالي الكرام السيد عبد الرحمن أفندي، لا زال وهو البر بحر الجود، ونجم الهدى والسعود، موطىء العقب والأكناف، حامي الذمار والأطراف، منيفاً على آل عبد مناف، ملحوظاً بعين العناية والألطاف، فإنه عذيق الشام المرجب، وروضها المشذب المهذب، ومعشوقها المحبب، وروحها الذي بها قوامها، وسلكها الذي لا يتم إلا به نظامها، فكل من لم يثن إلى قصده العنان كان أشد ندماً من الكسعي، وأخسر صفقة من
أبي غبشان، لأنه لا يصرف الهمة، لدني الهمة، ولا تبصر منه إلا رؤبا كالنجم في الدآدىء المدلهمة عنه الحجنة، أعظم هجنة، وخلف الوعد، خلق الوغد، وعدم الجود بالموجود، من سوء الظن بالمعبود، له توكل الطير، وعنده لا سرف في الخير، يحب المحاسنة، ويكره المخاشنة، ويحاشي مجلسه من المحاشنة، فيا له من جواد واسع المجسة، لا يرتاع من المحسة، ونجيب لا يقعقع له بالشنان ولا ينبه بطرق الحصى وهل ينبه اليقظان، وإن تأملت عزمه ولحظه، تحققت أنه أسد بيشة ولحظه فمن باراه فقد ماقس حوتا وصارع ضرعاماً، وقاوم بالهراوة عضباً حساماً، ونضح بقرنه المقطم، ورام أن يحكي بسرابه البحر الغطمطم، ولم يعلم أن بيت القدس، غير بين الغدس، وأن بقيع الغرقد، غير رقيع الفرقد، وأن شجر المرخ، غير شجر الورخ، وأن الزنبور
غير البازي وإن شاركه في الخفق والطيران، وأن ورد السلم غير ورد البستان، ولله در من قال:
قد يبعد الشيء من شيء يشابهه
…
إن السماء شبيه البحر في الزرق
ومن قال:
وقد يتقارب الوصفان جداً
…
وموصوفاهما متباعدان
فإن يفق الأنام وذاك منهم
…
فإن المسك بعض دم الغزال
كما قلت فيه:
لا غرو لابن المرادي
…
وذاك شمس المواكب
إن فاق كل الموالي
…
فالشمس بعض الكواكب
فهلم للوفود عليه، والمثول بين يديه، فهو الذي يستنبط المسائل ويرضى بفضله وبذله كل مسائل، وإن لم يكن غير مكارمه إليه وسائل. فلما سمع الماء والهواء بمعروف ذلك الحبيب السري، والإمام الهمام العبقري، تعشقاه على السماع، وطلبا منا المبادرة إلى جنابه ليبلغا منه حظ الاجتماع، فسرنا بهما إلى جنابه، حتى بلغنا فسيح رحابه، وكحلنا الجفون بإثمد أعتابه، فصادف دخولنا خروج كعبة ذاته من حرم الحرم فكأنما خرج الورد من الأكمام والليث من الأجم، فنهضنا له على الأقدام، وحيانا بألطف سلام، وتسلم سلم قصره الفريد، وأشار إلينا أن نتبعه في الصعود إلى ذلك القصر المشيد، فرأينا قصراً ينسب الخورنق للقصور، ويغمد غمدان كما تغمد في أجفانها الذكور، وما بالك
بقصر شهدت فضلاء الأكياس، بأنه جمع محاسن الدنيا كما جمع صاحبه محاسن الناس، فكنا كما قال القاضي الفاضل:
فتمتعت آمالي بمولى هو الورى
…
ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر
ثم أمر لنا بالجلوس، هذا وعطف كل منا من الطرب ينوس، فأقبلت علينا ذات الدولة وبنت الوجاق، التي كلما مرت حلت، وكلما ثقلت خفت، على كل من رشف منها وذاق، السمراء المعشوقة، المقبولة مشروبة ومرثية ومنشوقة، بنت اليمن واليمن، ذات الجمال والحسن،
كسواد العيون تظهر للنا
…
س سواداً وفي الحقيقة نور
التي أرخصت الغالية وكانت ندها، وملكت عنبر الطيب فأصبح يقول لا تدعني إلا يباعدها، وغارت بكر السلاف حتى اصفرت من غيرتها، وأصبحت عجوزاً شمطاء ما رآها راء إلا وقد طاب وجهه من قباحة صفرتها، وأين بنت الحرام من بنت الحلال، وأين جونة المسك من قوارير الأبوال، فأخذنا تلك البنية بالنية الصافية، وشربناها فقامت بها دعائم العافية، ولم نزل نرشف منها ذوب المسك ومحلول السبج، حتى جاءتنا قصبات السبق للسرور تنادي ما على من أحرز قصبات السبق وتاه من حرج، فيا لها قصبات تدهش الأبصار، كأنها أغصان بان في طرف كل غصن زهرة من جلنار، وقد اشتمل مجلسنا على كل نديم له صورة الدمية ونفحة الريحانة، ونشوة السلافة ولطافة الدرة اليتيمة والجمانة،
أديب ألمعي، كأنه الأصمعي تراه الكامل في الأدب، والعمدة في كل مطلب، يأتيك من البديع بما يخجل ربيع الزهر وزهر الربيع، يثمر المسامرة ويحضر المحاضرة، ويتقن المحاورة، ويحسن المجاورة، يبادهك بما رق وراق، ويجلب لك الغصن من أزهار الأفكار وثمرات الأوراق، يجود على السمع بما يطلب القلب من الاقتراح، ويجلو عليك من راح ملحه ما يوجب لك الراحة والارتياح، كما قيل في أمثالهم:
لنا جلساء لا يمل حديثهم
…
الباء مأمونون غيباً ومشهداً
إذا ما خلونا كان حسن حديثهم
…
معيناً على نفي الهموم ومسعداً
يفيدوننا من علمهم علم من مضى
…
وعقلاً وتهذيباً ورأياً مسدداً
ولا غيبة نخشى ولا سوء عشرة
…
ولا نتقي منهم لساناً ولا يداً
وما زلنا نقتطف منهم زهور الآداب، ونخترف ثمار الألباب، وهم يمزجون جدهم بالمفاكهة والمداعبة والمباسطة، ويزهو كالعقد وصاحب المنزل لهم كالواسطة، ومجلسه يحتفل بالوافدين، ويغص بالواردين، وهو يخاطب كلاً على حسب قدره وعقله، ويتحف كل من له وطر بقضاء وطره، ولا يتعلل كغيره بشغله، حتى أقبل ملك الليل بسواده الأعظم، ونثر على الأفلاك جواهر النجوم التي كأنها العقد المنظم. هذا ونحن في فلك السعود، كواكبنا وسماؤنا دخان العنبر والعود، وقد أشرق بدر تلك المنازل بالنور والكمال، وأشرف علينا بجبين لطيف رأينا عليه الهلال، وشنف بدر منطقه منا الأسماع، حتى خيل لكل منا أنه جليس القعقاع، وما زلنا في ليلنا نجمع عقود السرور كأنها فذلك، ونتمتع بنعيم لو
سئلنا عن أنفس أعمارنا فذلك، حتى نبذ الله الكرى في هامة منا وراس، فأسكرتنا سنة النوم والنعاس، وهجم علينا ملك الكرى، وقد كاد أن يشيب عارض الليل مما سال من دمع الشمع وجرى، وعند ذلك طوينا من المنادمة بساطها، وتفرقنا تطلب كل نفس منا راحتها وانبساطها، ثم اضطجعنا على الوساد للرقاد، وأعطينا الجفون حقها من الإغفاء بعد السهاد، ولم نزل في ضيافة المنام، تقربنا أياديه السرور في الأحلام، حتى لفظ الشرق من لهواته ياقوتة سهيل، ودب مشيب الفجر في عارض الليل، فنهضنا للصلاة، وجلس كل منا بعدها في مصلاه، حتى طلعت شمس صاحبنا الفائق، على الصاحب ابن عباد، فنفذ شعاعها من ظواهرنا إلى كل قلب منا وفؤاد، ثم دخلنا عليه وسلمنا ودعونا له بطول البقاء، فأجاب وأجاد وأجاز وتلقانا أحسن اللقاء، ثم جاءت القهوة التي طابت منظرا، ومخبراً وذوقاً وشما، ثم جيء بقصبات التبغ فارتضعنا منها كل ثدي يلذ دره ريحاً ولونه وطعما، فلما استوفينا أوفر حظ، وخلا مجلسنا من كل بارد ثقيل فظ، وشرب ذلك البحر المحيط بالفضل غليونه، وأراد أن يلقي علي لكوني من الساحل بعض درره الثمينة، بادرته بالدعاء، وعرضت عليه مفاخرة الماء والهواء، وسألته فصل الخطاب، والإنعام بالجواب، فالتفت عند ذلك للماء وأخيه، وقال: إن كلاً منكما محق فيما يدعيه، فما أشبهكما بالسماء بالفرقدين، وفي الأرض بالعينين، ففضلكما معجز، لا يكاد يميز أحدكما عن أخيه مميز. وقد نفع الله بكما العالم على تباين أنواعه وأشكاله. وقد ورد أن الخلق عيال الله وأن أحبهم إليه أنفعهم لعياله، فلا تشتغلا بالمفاخرة عن شكر هذه النعمة، واعلما أن حب الفخار أهبط إبليس إلى حضيض اللعنة من أوج شرف الرحمة، فلا تجعلاه لكما إماماً، فمن يفعل ذلك يلق أثاماً، واعلما أن الفخر في الدنيا بالمال، وفي الآخرة بالأعمال، وأحسن
الافتخار الافتقار، وظهور الذل والانكسار، فقد قال من سال بين أصابعه الماء المنهمر، الفقر فخري وبه أفتخر، فمن كان عبداً لله كان له به الافتخار، لا من كان النفس أو الهوى أو الدرهم أو الدينار، فمن مناجاة علي كرم الله وجهه وزاده منه قرباً: سيدي كفانا شرفاً أن نكون لك عبيداً، وكفانا عزاً أن تكون لنا رباً، وللقاضي عياض
ومما زادني شرفاً وتيهاً
…
وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبادي
…
وأن صيرت أحمد لي نبيا
على أن مرآة الحق أرتني فضيلة تفضل بها أيها الماء أخاك الهواء، وحققت لي أنكما لستما في الفضل سواء، وهي أن الله خلق آدم من الماء وخلق منك إبليس، فاعترف لأخيك بالفضل عليك، ودع عنك زخارف التلبيس، فأكبر من الحق من قبله، وأصغر من الباطل من عمله، والتذلل للحق أقرب من التعزز بالباطل، وأعظم الزلات زلة العاقل، فعند ذلك عدل الهواء عن هوجه واعوجاجه، ومخاصمته وعلاجه، وأقبل يقبل ذيل الماء ويعتذر إليه، من استطالته عليه، وأقبل كل منهما على صاحب المنزل يؤدي بالدعاء له حقوقه، حيث سلك بكل منهما مجاز الطريقة والحقيقة، وسألاني أن أمدح جنابه عنهما بطريق النيابة ففتح الله لي من النظم بابه، فأنشأت أقول:
عارضت قوماً عن ودادك أعرضوا
…
وتركتهم إن صرحوا أو أعرضوا
من كل ذي ملق له إن جئته
…
نفس مذبذبة ورأس منغض
يلقاك منه عند أول رؤبة
…
جسم صحيح فيه قلب ممرض
يحكي ثعالة وهو في روغانه
…
والحية الرقطاء حين تنضنض
قد طنب الأندال في ساحاته
…
بل أطنبوا وبنو المكارم فوضوا
ويقيم منه على ودادك حجة
…
ويظن جهلاً أنها لا تنقض
يا أيها الراجي لخلب برقه
…
خذ بالأصول ودع عوارض تعرض
فلقد رجوت من التيوس حلوبة
…
ومخضت ماء مثله لا يمخض
تالله لو أني فرغت لثلبهم
…
بالفكر واستنهضت ما يستنهض
لسللت سيف الهجر حتى أنني
…
لم يبق في كفي إلا المقبض
لكن أبى طبعي الطهور لأنه
…
يوماً برجس صفاتهم يتمضمض
وشغلت من هجوي بمدحة سيد
…
لمديحه يلغى المهم ويرفض
من بات للرحمن عبداً كله
…
وسواه عبد في العبيد مبغض
نجم أدارته السعود على ذرى
…
قطب تراه عن العلا لا يقرض
شيخ الحقائق بل مراد الهنا
…
من خلقه الناهض المستنهض
فلأمدحن جنابه بجوارحي
…
وجوانحي سخط الحواسد أو رضوا
وبظاهري وبباطني وبكل من
…
بت شعرة وبكل عرق ينبض
فالمدح يكره للفتى في كل ذي
…
بخل وأما في علاء فيفرض
فهو المحبب للقلوب وغيره
…
أبداً وإن راق العيون مبغض
شهم إذا أبطأت عنه جاءني
…
من فيض راحته نوال مفوض
من لم يرش بالجود منه جناحه
…
كرماً فذاك إلى العلا لا ينهض
ما ساءني دهري بوجه أسود
…
إلا بدا لي منه وجه أبيض
بر يريك خضم بحر زاخر
…
فالحلم منه كالندى يتفضفض
إن ليم زاد على الملام كأنما
…
هو بالملام على النوال يحرض
عجباً لقوم أبصروه شمسهم
…
فتطاولوا لمناله وتعرضوا
ورأوه ملء صدورهم وعيونهم
…
كالليث في صدر المجالس يربض
فتحوا لأقوال الوشاة عيونهم
…
جهلاً وعن بادي المزايا غمضوا
فليكفهم ذلاً وخزياً إنه
…
بحر وإن هم في نداه خوضوا
ندب فأما عرضه فموقر
…
أبداً وأما ماله فمعوض
لله فوض أمر دنياه وهل
…
يلقى العنا عبد إليه مفوض
يا وابلاً كل الأنام رياضه
…
فمذهب هذا وذاك مفضض
أصبحت نفعاً للأنام وبعضهم
…
لأذى البرية والبري مقيض
فلغير ذاتك لا تتم فضيلة
…
ولغير مدحك لا يشد المغرض
لا زلت في العز الذي لا ينقضي
…
ومشيد المجد الذي لا ينقض
ما أحمد البربير عاش بمدحكم
…
طرباً ومات به العدو المبغض
ثم رجعت بعد إنشادي من عالم الخيال إلى عالم الإحساس، فلم أر أحداً ممن رأيته من تلك الأنواع والأجناس، فعلمت أن الدنيا كلها خيال، وبرق خلب وآل، والناس كلهم نيام، وما يرونه في الدنيا أضغاث أحلام، فسألت الله أن ينبهني وأحبابي من نوم الغفلة قبل هجوم الحمام، وأن يمتعنا بوجهه الكريم في دار النعيم والسلام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله على التمام.
وله تأليفات كثيرة، عديدة شهيرة، وله ديوان شعر، رفيع القدر، توفي بدمشق عقيماً ليلة الخميس لثماني عشرة ليلة من ذي الحجة سنة ست وعشرين ومائتين وألف ودفن بسفح قاسيون في مدفن بني الزكي في جوار الشيخ الأكبر.
ومن قوله أيضاً:
سلبت فؤادي بالبها حبشية
…
أبهى من الدينار عند الرائي
إن غبت من وجدي أقول لصاحبي
…
غلبت علي حرارة الصفراء