الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعل ما أوجب توجيه المضرة إليه، فلا بد من إعدامه، ليتأدب غيره عن التكلم بمثل كلامه، فقال أمير المؤمنين نعم ولكن لا بد من مرافعتكم معه في مجلس شيخ الإسلام، لئلا يقول الناس قتل ظلماً فَنَقَعَ بين العموم في الملام، فحينما أحس شيخ الإسلام، دخل على الملك خفية عن الوكلاء العظام، ولم يزل يتعطف للسلطان، ويسترحمه بالعفو عن هذا الإنسان، ويقول له إن قتلناه قيل بالعبارات الصريحة، إن السلطان قد قتله لبذله النصيحة، ولكن نفيه أولى، ورأي أمير المؤمنين أعظم وأعلى. فأمر السلطان بنفيه في الحال، فأرسل إلى عكا من غير امهال.
مطلب قصة محمد بهاء الله رئيس البابية
وكان ممن نفي من بلاد العجم قبله إلى عكا محمد بهاء الله رئيس البابية. والناس قد اختلفوا فيه على أنواع، فمنهم من يقول يَدَّعي بأنه المهدي، ومنهم من يقول أنه يدعي النبوة، ومنهم من يقول يدعي الألوهية، فألف المترجم رسالة في عقيدتهم غير وافية بالمقصود، غير أني أحببت ذكرها بعد تعريبها لأنه ألفها باللغة التركية وهي: كان مبدأ ظهور البابية في تاريخ سنة ألف ومائتين وخمس وستين وهو أنه ظهر رجل في شيراز سنة خمس وعشرين ومائتين وألف، واسمه علي بن محمد بن رضا الحسيني وهو رجل تاجر، فذهب إلى مكة لمصداق الأحاديث من أن المهدي يظهر من مكة، ووقف عند مقام إبراهيم يوم الجمعة والخطيب على المنبر وصاح بأعلى صوته أنه هو المهدي وأنه قد ظهر، فأخذه رفقاءه في الحال لمنزلهم ثم ساروا به إلى شيراز، وأخذ هناك يدعو الناس إليه سراً وجهراً، ويقول لهم أنه المهدي المنتظر، فما زال يتفاقم أمره، ويعظم ذكره، وتكثر جماعته، وتزداد دعوته إلى أن سجن في السجن، وكان قبل ذلك
قد سجن مراراً وشاه العجم يطلقه، ولكنه في هذه المرة، قد تجسمت منه المضرة، وطغت عليه نفسه، فصار من اللازم إهانته وحبسه، وفي السنة السابعة من ظهوره، الكاسفة لبهاء وجوده ونوره، قتل بالرصاص وهو مصلوب، وعاملته الأيام بعكس المرغوب.
وفي هذه المدة التي مضت عليه في الحبس قد حرر ستة وتسعين مصحفاً، وتمكن بعد مشقة عظيمة من إرسالها إلى خارج السجن، ووصولها إلى اخوته وجماعته، ومن بعد قتله، وصل إلى أخويه بعض من كتبه فباشرا الدعوة بالنيابة عنه، إلا أن كل واحد منهما يدَّعيها لنفسه ويكذب الآخر، ثم تجاذفا في دعواهما فصار كل منهما يدَّعي النبوة عوضاً عن المهدية، وأخذا في تحرير الرسائل وإرسالها بدعوى النبوة العظمى، وطُلِبَ إلى النَّاسِ تصديقهما، وجالا في البلاد لدعوى العباد، فلما وصلا إلى مدينة ادرنة اشتد بينهما الخصام، وصار كل منهما حريصاً على قتل أخيه وإلقائه في حيز الإعدام، وكان فسادهما قد سرى على بعض الناس من غير مرا، فقبضت الحكومة عليهما، وحكمت بتوجيه النفي إليهما، فنفي أحدهما إلى قبرس، والثاني إلى عكا مؤبدين. وسبب دعوى هذين النبوة إنما كان من علي بن محمد بن رضا المومى إليه أعلاه الشيعي المذهب، فإنه لما كان في السجن ادعى سنة في ابتداء أمره أنه المهدي، ثم ادعى أربع سنين أنه نبي، ثم ادعى الألوهية وصورة دعواه على المنوال الآتي: وهو أنه في قديم الزمان كل نبِيٍّ عصرٍ لما تتم مدته تنتقل أمته الموجودون إلى النبي الآخر وهكذا إلى حضرة محمد صلى الله عليه وسلم الذي تختم مدته سنة ألف ومائتين وخمس عشرين فأخذ أمته وذهب إلى المحشر، وبعد ذلك جميع ملل الأرض تخصني حيث صرت نبياً لها، وبعد سنة ألف ومائتين وخمس وثلاثين يظهر نبي أفضل مني وبه تتم مدتي، وكلما جاء نبي يكون أكمل وأعظم ممن قبله، وهذا الحكم سار من الأول الذي لا أول له إلى الآخر الذي لا آخر له.
وإن كتبه التي رأيناها يفهم من بعضها أنه المهدي ومن بعضها أنه نبي ومن بعضها أنه إله؛ وذلك مبني على الأصول والقواعد الشيعية، فانهم ليس لهم ثبات على حال واحد، بل هم متقلبون ويتلونون على أنواع شتى، وقواعد البابيين كذلك فليس لهم ثبات على حال واحد، وإن القرآن الذي يدعون أنه نزل عليهم عبارة عن مواعظ وأحكام قليلة متضاربة، غير أنها توصي كثيراً بتخريب الكعبة حيث قد جعلوا مكانها مسجده الذي في شيراز، فعندهم قد بطلت الكعبة الحجازية بالكعبة الشيرازية، ويوصي بأنه يلزم اشتراء البيوت التي حول مسجد شيراز وإدخالها في المسجد للتوسعة، ويقتضى بأن يجعل له خمسة وتسعون باباً، وأخبر في كتبه بوقوع أمور شتى إلى الآن لم يظهر منها شيء، وكذلك أخبر بانتشار أمته شرقاً وغرباً، وجعل السنة تسعة عشر شهراً كل شهر تسعة عشر يوماً، وتأمر كتبه بالصلاة في يوم وقت الظهر فقط، وأن التوجه يكون إلى مسجده الشيرازي وهذا كله بعد موته، وأما حال حياته فإنه اتخذ لنفسه قبلة خاصة به، وكان يأمر بالصلاة تارة ركعتين وتارة تسع عشرة ركعة، وكان يحكم بأن الهواء والتراب النقي الطاهر كل منهما مطهر من النجاسة من غير ضرورة، ولهذا لا يلزم الغسل من الجنابة ولا غسل الثوب والبدن من النجاسة لتطهير الهواء لهم، وإذا استعملوا الماء إنما يستعملونه بين المنكرين تقية، ويجوز عندهم نكاح الأخت وصوم رمضان تسعة عشر يوماً. وقد غير لهم نظام التركات، وإذا صلى أحدهم يقول بدل السلام الله أكبر. وبدل التحيات، وإذا أراد أحدهم السلام إن كان رجل قال الله أعظم وإن كان امرأة تقول الله أجل، وذلك كله مع أشياء أخر يطول استقصاؤها إنما هي مأخوذة عن أخيها الأول واتبعوه بعد موته على ذلك وداوموا عليه وأشاعوه في بغداد وأدرنة، إلى أن بدا
بينهما البغضاء والشحناء بسبب الاختلاف في الديانة، وتسلط الأخ الكبر على قتل أتباع أخيه الصغر خفية، ولذلك فرقوا بينهما حين النفي فجعلوا الأصغر في قبرس والأكبر في عكا، ودعوى الصغر انه نبي وإن الآيات الإلهية دائماً تتنزل عليه ويحررها مصاحف ويرسل بها خفية إلى إيران، فيتلقونها بالقبول والإذعان. ومما أنزل عليه وحرره في مصاحفه: أيها الإيرانيون أخي الذي في عكا شيطان لا نبي، أنتم آمنوا بي إني أنا نبي ولا تؤمنوا له فيكون مأواكم النار؛ وأمثال ذلك مما ينفر عن أخيه ويرغب فيه، وما عدا ذلك مما هو مذكور في مصاحفه المنزلة عليه، فإنه اقتباس من القرآن وتقليد له. وأما التنزلات البغدادية عليه فإنها وصايا دالة على خزي أخيه الكبر، وكان يذكر في عباراته تارة اسم شيطان وتارة اسم سفيان وتارة أسم خنزير، ومراده بالأول أخوه، وبالثاني وزير شاه
العجم، وبالثالث الشاه نفسه. وتارة يعبر عن أخيه بكافر. وحيث أن الفتنة بينهما لا تهدأ في ليل ولا في نهار حصل للحكومة منهم قلق عظيم، وشغل فكر جسيم، وتحمل الأهالي منهم مضرة عظيمة، ومن جملة مضرتهم أن الكبير العكاوي أرسل خفية جلادين من اتباعه وهو سبعة أنفار بالسلاح التام إلى جملة من جماعة أخيه الصغر المنفيين إلى عكا فطرقوا عليهم الباب ففتحوا لهم فسارعوا الدخول فلم يجدوا وقتئذ غير ثلاثة أنفار، فلم يزالوا يضربونهم حتى أعدموهم، وكان محلهم قريباً من مركز الحكومة فكثر الصياح عليهم والضجيج، والعويل والعجيج، فهجمت العساكر عليهم بأمر الحكومة ووضعوهم في الحبس، ثم إن الأخ الأكبر وإن كان مدعياً النبوة إلا أنه من حين وصوله إلى عكا أسبل على نفسه حجاب التقية، وقد اطلع البعض على شيء من تحريراته فأفادت انه يقول إن النبوة الآن تابعة للنبوة الماضية، غير أنه لشدة حجابه وتقيته لم يظهر كمال حاله، لأنه لم يخرج من منزله أصلاً ولا يراه أحد إلا في يوم الحادثة التي قامت عليهم بسبب قتل جماعته بعض جماعة أخيه، فأنهم أخرجوه لدارة الحكومة جبراً، وبعد ذلك رجع إلى محله ولم يظهر لأحد قط. وهو كثير الاعتبار لنفسه يخاف على بخس اعتباره وقدره أشد الخوف، وعنده من التكبر مالا يحاط به، وله عدة زوجات، يحب الرفاهية والملابس الحسنة والمآكل النفيسة من الطيور وغيرها من الحيوانات والحلويات، وداره في عكا تساوي أكثر من ثلاثمائة ألف وعنده سبعة من الجلادين وأربعة نم الحواريين، وما عداهم أصحاب، فيذهبون كل يوم إلى داره ويصلون ركعتين يتوجهون بهما إليه بكمال الخضوع، وهو قائم رافع رأسه إلى السماء، وعند تمام الصلاة يعظهم حصة ثم يسجدون له كسجودهم عند الدخول ويتفرقون، ومقدار أمته عشرون من قومه وخمسة من أهالي عكا، واثنان نصارى، وذلك يدل على أنه يدَّعي الألوهية لا النبوة. العجم، وبالثالث الشاه نفسه. وتارة يعبر عن أخيه بكافر. وحيث أن الفتنة بينهما لا تهدأ في ليل ولا في نهار حصل للحكومة منهم قلق عظيم، وشغل فكر جسيم، وتحمل الأهالي منهم مضرة عظيمة، ومن جملة مضرتهم أن الكبير العكاوي أرسل خفية جلادين من اتباعه وهو سبعة أنفار بالسلاح التام إلى جملة من جماعة أخيه الصغر المنفيين إلى عكا فطرقوا عليهم الباب ففتحوا لهم فسارعوا الدخول فلم يجدوا وقتئذ غير ثلاثة أنفار، فلم يزالوا يضربونهم حتى أعدموهم، وكان محلهم قريباً من مركز الحكومة فكثر الصياح عليهم والضجيج، والعويل والعجيج، فهجمت العساكر عليهم بأمر الحكومة ووضعوهم في الحبس، ثم إن الأخ الأكبر وإن كان مدعياً النبوة إلا أنه من حين وصوله إلى عكا أسبل على نفسه حجاب التقية، وقد اطلع البعض على شيء من تحريراته فأفادت انه يقول إن النبوة الآن تابعة للنبوة الماضية، غير أنه لشدة حجابه وتقيته لم يظهر
كمال حاله، لأنه لم يخرج من منزله أصلاً ولا يراه أحد إلا في يوم الحادثة التي قامت عليهم بسبب قتل جماعته بعض جماعة أخيه، فأنهم أخرجوه لدارة الحكومة جبراً، وبعد ذلك رجع إلى محله ولم يظهر لأحد قط. وهو كثير الاعتبار لنفسه يخاف على بخس اعتباره وقدره أشد الخوف، وعنده من التكبر مالا يحاط به، وله عدة زوجات، يحب الرفاهية والملابس الحسنة والمآكل النفيسة من الطيور وغيرها من الحيوانات والحلويات، وداره في عكا تساوي أكثر من ثلاثمائة ألف وعنده سبعة من الجلادين وأربعة نم الحواريين، وما عداهم أصحاب، فيذهبون كل يوم إلى داره ويصلون ركعتين يتوجهون بهما إليه بكمال الخضوع، وهو قائم رافع رأسه إلى السماء، وعند تمام الصلاة يعظهم حصة ثم يسجدون له كسجودهم عند الدخول ويتفرقون، ومقدار أمته عشرون من قومه وخمسة من أهالي عكا، واثنان نصارى، وذلك يدل على أنه يدَّعي الألوهية لا النبوة.
وهذا ملخص الرسالة مع حذف ما لا حاجة إليه مما لا ارتباط له بأمر الديانة والاعتقاد وقد كنت مررت على عكا بعد الألف والمائتين والتسعين فاجتمعت بوله عباس أفندي.
وكان يتبرأ كثيراً من نسبة ذلك إلى والده، وكان يقول لي أن والدي يأكل ويشرب ويأتي النساء ويمرض ويتألم، ومن تعرض له هذه العوارض كيف يسوغ له أن يكون ألهاً؟ وهذه الدعوة افتراها عليه أخوه الأصغر وجماعته، إلا أن أكثر أهل عكا ممن اجتمعت بهم ينسبون له هذا الاعتقاد وقد أرسل والي الشام سفيراً من طرفه لاستكشاف حالهم حينما كنت هناك، فاستحصل مصحفاً منسوباً إليه مشتملاً على آيات ملفقة من القرآن. وقد رأيته ثم سألت عنه ولده المومى إليه، فقال وهذا أيضاً من جملة الافتراء علينا، وليت شعري من الذي رأى والدي وسمع منه ذلك، أو شاهد منه حالاً يقتضي دعوة النبوة أو الألوهية، كل ذلك من أكاذيب أعدائنا والافتراء علينا لا أصل له، والله يعلم ذلك لا تخفى عليه خافية في الوجود.
ثم إن المترجم استأذن من الباب العالي في التوجه إلى الحجاز، فجاءه الجواب بالإذن، وبعد توجهه وقضاء مناسكه بالتمام، تمرض أياماً وتوفي بالبلد الحرام، ودفن هناك في المعلى الشريف، وكان ذلك في ذي الحجة الحرام سنة ألف ومائتين وأربع وتسعين رحمه الله تعالى.