الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الجزء الأول
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد الله وأسبحه عن كل ما لا يليق بكماله، وأقدسه عما يقصر عن رفيع جلاله وبديع جماله، وأستمنحه وهو المانح لكل مطلوب، وأستفتحه وهو الفاتح لمرتجي نعمه أبواب الغيوب، واشكره شكر عبد لم يشهد في الوجود سواه، وأذكره وهو الذاكر والمذكور لا إله إلا إياه، وأبرأ إليه من كل قوة وحول، وأستجديه وهو المجدي لكل حباء وطول، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له المنفرد بالبقاء، والمتباعد عما حكم به على عباده من الموت والفناء، وأصلي وأسلم مدى الليالي والأيام، أكمل صلاة لائقة وأتم سلام، على من أبدع مبدع الوجود إيجادَه على أعلى كمال، ونظم به عقد الدين بن الغواية والضلال، وهو النبي العربي الذي لم ينطق عن الهوى، ولا ضل من اتبعه عن المنهج الصواب ولا غوى، محمد المبعوث من صفوة العرب المستوين على عرش البلاغة، والمحتوين من بديع المعاني على ما لم يبلغ أحد بلاغه، فجاءهم بما ألجأهم إلى الإقرار بأنه قطب مدار الإنسان، وبحور فلك الفصاحة والبلاغة والمعاني والبيان، فتالله وبالله إنه لهو المفحم والمعجز، الذي أعيا الواصفين سواء المطنب منهم والموجز، لا برحت نوافح الصلوات تحيي مرقده الشريف كل أوان، ما لاح برق أو ناح ورق أو تعاقب الملوان، وأصل ذلك بطلب الرضوان لآله وأصحابه وعلماء أمته، الناهجين منهجه الأسنى، والمعتصمين بحبل شريعته وسنته، وأسأله تعالى أن يعم جميع تابعيه بوافر إحسانه، وأن ينعم عليهم بما يجذبهم لجوده
ورضوانه، إنه هو المجيب لكل طالب وسائل، والقريب الذي من دعاه استمسك بأنفع الوسائل.
أما بعد فيقول العبد الفقير، والضعيف الحقير، المتبرىء من كل حول وقوة، والمتبوىء نفسه لخدمة ذوي الفضل والفتوة، الأسير الفاني، والكسير الجاني، المفتقر إلى عفو مولاه المحسان الغفار، عبد الرزاق ابن المرحوم حسن بن إبراهيم البيطار أصلح الله خلل حاله، ونشله بمنه وكرمه من نكبة أوحاله، أن أحلى ما يتحلى به جيد الإنسان، وأولى ما يتملى منه الأديب الولهان، علم يكتسي به ويكتسبه، وفضل يتزين به وينتخبه، وفائدة يبيض غابر عمره بتسويدها، وعائدة يصرف نقد أيامه ولياليه بتقييدها، ودرة ساقطة من معدن الإطلاق يلتقطها، أو قلادة من قريحته ينظمها خوف الشرود ويسبطها، أو سيرة لمن سبق يرقمها، أو رقيقة من بدائع البدائه يحررها ويرسمها:
من كل معنى ولفظ
…
كخمرة في زجاجه
يسري النسيم إليه
…
يبغي لديه علاجه
فإن الكامل هو الذي يشتغل بما يجله، لا بما يسقطه في أودية الهوان ويذله، وقد كنت معروفاً بجمع لآلي أخبار السادة والأعيان، مشغوفاً بالتقاط آثارهم المزرية بعقود الجمان، حتى رقمت من أخبارهم أوراقاً شتى، بيد أنني إذا أردت الوقوع على مراد منها لا أجتمع به حتى وحتى، فعن لي أن أجمعها في كتاب تعذب مطالعته، وتقرب على الطالب مراجعته، وأن أقصر الوطر، على ترجمة أعيان القرن الثالث عشر، لأن الأمين المحبي رحمه الله ترجم أهل القرن الحادي، كما أن القرن الثاني قد ترجمه المرادي، فأردت أن أتطفل عليهما بديوان يكون لكتابيهما ذيلاً، وإن كنت أعلم أني لست لذلك أهيلاً، ولكن من أغرب الغريب، وأعجب العجيب، هو أني رأيت أن بعض الناس قد ضنوا بتراجمهم أن تصاغ في قالب التحوير، كأنما يطلب منهم
مترجمهم وافر الدراهم والدنانير، مع أني لا أقصد بذلك سوى إحياء أخبارهم، ونشر مطوي أوصافهم وجميل آثارهم، لأنهم وإن كانوا في زمانهم أشهر من نار على علم، إلا أنهم إذا لم تقيد أسماؤهم في دفاتر المآثر نثرتها الأيام في مطوي العدم:
إذا ما روى الإنسان أخبار من مضى
…
فتحسبه قد عاش من أول الدهر
وتحسبه قد عاش آخر دهره
…
إلى الحشر إن أبقى الجميل من الذكر
فقد عاش كل الدهر من عاش عالماً
…
كريماً حليماً فاغتنم أطول العمر
فاقتصرت على ذكر من وصلت إليه، وطويت غالباً ذكر من لم أكن أعلم ما له وعليه، وحسب الطالب أن يقتصر على من وصلت إليه قوته وحوله، وأن يعلم أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، ولم أزل أقدم في هذا العزم رجلاً وأؤخر أخرى، وأتردد في الإقدام والإحجام ولا أدري أيهما أحرى، إلى أن تذكرت ما قيل، من أن بديع الأقاويل، إن المرء ابن وقته وساعته، وكل ينفق على قدر وسعه واستطاعته، ومن كانت بضاعته مزجاة، فهو من الملام بمنجاة، وذيل العفو عليه مسبول، والكف عن زلله مرجو ومأمول، وقد قيل:
ألا ليقل من شاء ما شاء إنما
…
يلام الفتى فيما استطاع من الأمر
فحققت ما كنت أردت، وأظهرت من الفكر ما أضمرت، وشرعت في كتابة هذا الكتاب، معتمداً في التسهيل على رب الأرباب، ووسمته وسميته، بعد ما أتممته وأنهيته: حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر والأمل ممن نظر فيه، ورأى ركاكة نثره وقوافيه، أن يرحم بحسن التأويل جامعه، وأن يصون عن استماع كلامه مسامعه، والأولى أن يلتمس له عذراً، ويسبل على ما بدا له منه ستراً، خصوصاً والفكرة غير مساعدة، وهي لمكايدة الدهر مكابدة، ومع إبداء ما ذكرت، وإظهار ما به