الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للإحاطة بمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وأن يديمك قطباً تدور على محور درايتك إدارة الأقاليم بالنون والقلم، والسيف والعلم، وأن يجعلك يا كريم الأب والجد مقيلاً لعثرات الكرام، وينصبك يا أيها العلم الفرد مقيلاً للعلماء الأعلام، ما نفخت أفواه المحابر وثغور الأقلام، فملأت الصحف والدفاتر مما حويته من مفاخر المآثر بمسك الختام:
سبرت بمسبار اختباري فما ارتضى
…
سواك اختياري من كرام هموهم
وما سمعت أذني بغيرك من فتى
…
به يبدأ الذكر الجميل ويختم
انتهى. هذا وإن للمترجم ديواناً يعبق روحه، حتى كان الزهر فوحه، توفي رحمه الله تعالى سنة ألف ومائتين وتسع وسبعين وقد أرخ المترجم وفاته رحمه الله قبل موته بأبيات آخرها:
بلسان يوحد الله أرخ
…
ذاق كأس المنون عبد الباقي
1279هـ -
السيد عبد الجليل بن المرحوم الشيخ عبد السلام المدني المشهور ببرادة
عالم فاضل، وهمام إمام كامل، قد اشتهر في الناس اشتهار البدر، واستشرفت إليه النفوس استشرافها لليلة القدر، واتفق على كمال فضله الخاص والعام، وأذعن له العموم بأنه طود العلماء الأعلام، ومحور مدار
الأدب ولسان بلاغة العرب. قد ضاهى السماكين رفعة وقدراً، وحيرت الأفكار بدائعه فنثره كالنثرة وشعره كالشعرى، ألفاظه رقيقة كخلقه اللطيف ومعانيه حسنة وقدره منيف.
قد اجتمعت به حينما شرف إلى دمشق الشام بعد الألف وثلاثمائة بقليل، وهو من المرض سقيم وعليل، وبديهة النظر تدل على أنه استكمل من السنين، ما بين الستين إلى السبعين، فرأيت شهما جيد الكلام، رفيع المقام، جميل المقابلة، جليل المعاملة، لطيف الموانسة، شريف المجالسة، طلق اللسان، عليه مهابة وجلالة وشان. ولم يطل بقاؤه في الديار الدمشقية، بل بعد مدة قليلة توجه إلى وطنه المدينة المنورة من جهة اسكندرية، وكان قد أسمعني من نظمه ونثره ما يدل على جودة ذهنه واتساع فكره، وقد حفظت شيئاً منه وقيدته، إلا أنني ظللته بعد ذلك وفقدته، ولم أجد عندي سوى ما قرظ به على الكتاب المسمى بعلم الدين، لحضرة العالم الفاضل علي باشا مبارك ناظر الأشغال العمومية المصرية سابقاً، وهو:
ما تنسج الأيدي يبيد وإنما
…
يبقى لنا ما تنسج الأقلام
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد فإني تصفحت هذا الكتاب، بل العجب العجاب، الذي نسبت للشيخ علم الدين روايته، وأسندت للسائح الإنكليزي حكايته، فوجدته نزهة للناظر، وسلوة للخاطر، فيه للقلوب ارتياح، وللخواطر نشاط وارتياح، تعرب مبانيه عن لطيف معانيه، وتفصح روائع ألفاظه الرائقة عن بدائع مضامينه الفائقة، ويشهد لمؤلفه بعلو المقدار، ولمصنفه بحسن الاختيار. جمع فيه من غرائب الفنون ونقائض الجد والمجون، الضب والنون، وقرن إلى أسنى المقاصد أشرف المطالب، فصح أنه المرغوب لكل طالب، أظهر فيه ما خفي من أشرار الصنائع، وكشف عن وجه مخدرات العلوم
البراقع، وأضاف إلى ذلك من حكم الحكماء، ما أغفلته القدماء، ووشحه بلطائف النوادر، وما تفردت به الأواخر، وأظهرته في هذا الدور الأخير فهو مخترع لجميع المخترعات جامع، وبديع في بيان معاني المبتدعات نافع، ينتقل من فصل إلى ضده، ويحكم الوصل بما أبداه من عنده فكأنه مؤلفه المفضال يقول فيه بلسان الحال:
تصديت في إتعاب فكري لجمعه
…
فجاء كتاباً في البها لا يشارك
وكنت بحمد الله فيه موفقا
…
فاسمي علي في الأنام مبارك
فلله در من أنشاه، وبطراز الحسن والإحسان وشاه، فإنه أجاد، وسلك طريق السداد، وبلغ به ما فوق المراد. بلغه الله تعالى أمانيه، وكبت حاسده وشانيه، ولا زال متواصل البقا دائم الارتقا، بهجة للياليه وأيامه، يزين الوجود بآثار أقلامه، مغتنماً للثناء الجميل، والأجر الجزيل، بحرمة سيد الأنام، الذي يحسن بذكره البدر والختام، ومن نظامه:
إن كان بختي عن الدنيا تقاعد بي
…
فإن لي همة من دونها القمر
وإن تك الكف عن إدراكها قصرت
…
فالرجل عن دفعها ليست بها قصر
ومن بديع كلامه:
ناولت ذات البها المرآة أوهمها
…
بأن فيها لها شكلاً يحاكيها
وعندما أبصرت فيها محاسنها
…
جارت وصالت على عشاقها تيها
ومن كلامه الأنيق ونظامه الرقيق:
أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا
…
جنوداً لدفع الهم سلطانها الشاهي
ولا عجب إن لم تتم بدونه
…
فما تم أمر للجنود بلا شاهي
ومن كلامه حينما انتصرت الدولة العثمانية على اليونان وذلك في أحد عشر تموز سنة ألف وثلاثمائة وثلاث عشرة وكان المترجم نزيل الدار العلية فقال مهنئاً ومادحاً حضرة السلطان الأعظم عبد الحميد خان، نصره الرحمن:
كذا فليكن ما يحرز المجد والفخر
…
كذا فليكن ما يجمع الفتح والنصر
كذا فليكن ما يبلغ السؤل والمنى
…
كذا فليكن ما يدرك الثأر والوتر
كذا فليكن سعي الملوك مقدساً
…
يرافقه نسك ويتبعه أجر
كذا فليكن قهر الأعادي وهكذا
…
تخاض المنايا والحديد لها جسر
حديث عن اليونان يضحك باكياً
…
ويطرب محزوناً ويلهو به غر
أماني نفوس في الدجى حلموا بها
…
وبالعكس في تعبيرها طلع الفجر
همو دبروا أمراً لأمر وفكروا
…
فعاد عليهم ضلة ذلك الفكر
فعاثوا وجاسوا في البلاد بجهلهم
…
وعم على جيرانهم منهم الغدر
صبرنا وكم عنهم عفونا فلم يفد
…
وعن مثلهم لا يحسن العفو والصبر
فقام أمير المؤمنين لردعهم
…
ببأس شديد لا يقوم له الصخر
فبادرهم منه هصور غضنفر
…
كذا الليث يخشى من بوادره الهصر
مشيد أركان الخلافة فخرها
…
عظيم بني عثمان يا حبذا الفخر
لقد قام في ذا العصر بالواجب الذي
…
هو الفرض من غزو تباهى به العصر
فأحيا مواتاً للجهاد تقادمت
…
عليه دهور لا يشاد له ذكر
وقام به في الله لله يبتغي
…
مثوبته العظمى وحق له الشكر
غزاة لعمر الله قد نال خيرها
…
وسالمه رغم العداة بها اليسر
بفتكته البكر التي شاع ذكرها
…
وأفضل فتكات الملوك هي البكر
ليهنك يا كهف الأنام وظلهم
…
فتوح به سر المحصب والحجر
وقبر لخير الخلق سر بطيبة
…
وحق لهذا النصر أن يفرح القبر
فأنت ملاذ للعفاة مؤمل
…
وفضلك جم لا قليل ولا نزر
ومن أين للمزن الكهنور جود من
…
بكلتا يديه ديمة صوبها التبر
لك الرأي بالحزم السديد مؤيد
…
تعاملهم بالمكر إن لزم المكر
فداو مريض الجهل بالحلم إن يفد
…
وإلا فداء الشر يحسمه الشر
ورأيك سيف ما ألمت شباته
…
بأمر عصى إلا استطاع له الأمر
ومن أين للسيف الحسام مضاؤه
…
إذا خامر الألباب من حادث ذعر
كهانته شق سطيح بجنبها
…
يحار لها زيد ويعيا بها عمرو
سمعنا بأن الجبن فيهم سجية
…
ولما التقينا صدق الخبر الخبر
لقد تركوا الأوطان والأهل عنوة
…
وأجلاهمو القتل المبرح والأسر
وما وقفوا في ماقط الحرب لحظة
…
ولا تثبوا كلا ولكنهم فروا
وأدهم بالدهم الجياد داهمو
…
فحاصوا كحمر الوحش صادفها نمر
وترحالة عنها ترحل جمعهم
…
ودكدك من أنحائها السهل والوعر
وغصت غلوص بعد ذاك بريقها
…
فما ساغ لولا أن تداركها البحر
ولا ريس في لا ريس بعد انهزامهم
…
رئيس فهم فوضى كأنهم الحمر
ودوميكة تدعوا اتينة جهدها
…
لتنجددها هيهات أشغلها عذر
وحينما كنت في الآستانة سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة كان حضرة المترجم بها أيضاً، وكنت أجتمع به كثيراً وأجلو الغم بمذاكرته وبديع محاضرته. وكان متقن اللغات الثلاث متبحراً بها، فمرة تلا علينا بيتين بالفارسية وأفاد أن معناهما أن هذا العالم قبل إيجاد كان مستريحاً من النعم والنقم، وأن الله تعالى ما أوجده إلا لتحمل الألم، والأكدار والسقم، وطلب مني رد هذا المعنى إلى العربية فلم أستطع إلا موافقته ومسايرته ومطاوعته، فقلت:
كان ذا العالم في غيب العدم
…
ذا هناء من نعيم أو نقم
ما براه الله إلا للعنا
…
والدواهي والنواهي والسقم
وقلت أيضاً:
قد كان ذا الخلق في غيب العما عدماً
…
ما شابه نعم كلا ولا نقم
وما براه إله العرش من عدم
…
إلا لتنهكه الآلام والسقم
ونظم هذا المعنى حضرة الفاضل الكامل محي الدين باشا الجزائري شبل الأمير عبد القادر حفظه الله فقال:
قد كان هذا الخلق قبل ظهوره
…
في راحة من رحمة وعناء
فأراد بارئه لسر قد خفي
…
إظهاره للسقم والبلواء
وأرسلت ذلك للمترجم المومى إليه، وبعد أيام أرسل إلي كتاباً وفيه: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله يا سيدي ومنتهى أملي وهواي، لما تأملت القطعتين النفيستين، بل الدرتين بل الفرقدين النيرين، لم أستطع السكون والتمكين، حتى بادرت إلى التطفل عليهما ومزجت الغث بالثمين، وشطرتهما بما لم أرضه لهما، ثم أنه غلب علي الشره الخسيس، فلطختهما بالتخميس غير النفيس، وها هما يعثران في ذيل الخجل، والعفو منكما غاية الأمل. القطعة الأولى:
أيها السائل يا عالي الهمم
…
ومريد الفهم عما قد أهم
خذ جواباً شافياً من كل هم
…
كان ذا العالم في غيب العدم
ثابتاً في ذاته من القدم
ظرفه في لونه من لونه
…
وصفه محتجب في صونه
قربه مندمج في بونه
…
غافلاً عن كونه في كونه
ذا هناء من نعيم ونقم
ثم لما فاض بحر بالسنا
…
وجرت فيه الجواري بالثنا
فلأمر يقتضيه الاعتنا
…
ما براه الله إلا للعنا
ومقاساة هموم وألم
خصه باللطف من إنعامه
…
وحباه بحبا إكرامه
وابتلاه رفعة لمقامه
…
كي يرى الأهوال في أيامه
والدواهي والنواهي والسقم