الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد سليم باشا الصدر الأعظم والي دمشق الشام عوضاً عن رؤوف باشا
وهو الصدر الذي اشترك في إهلاك الانكشارية في الآستانة وتنظيم العسكر الجديد، دخل الشام في سنة ألف ومائتين وست وأربعين، وأخاف الناس وفعل موجبات الإرهاب، وذلك بسبب حادثة وقعت هذه السنة قبل مجيئه مع سلفه رؤوف باشا الصدر، وهي أن السلطان أمر بأن يضع الصليان على حوانيت البلد. فنزل جماعة من مشايخ الطريق ومعهم راية وأولاد وغيرهم لأجل أن يشفعوا عند الباشا في ذلك، فلما وصلوا إلى باب السرايا خرج جماعة من التفنكجية من أهل الموصل وكركوت الذين أظهروا أنواع الفساد والفسق في هذه البلاد، فضربوا الناس فمات منهم جملة جماعة، فقام عليهم أهل البلد وصاروا كلما رأوا منهم واحداً قتلوه، وأمر رؤوف باشا بخروجهم من البلد لعلمه بفسادهم، وعظم أمر الصليان على أهل البلد وكان الوزير رجلاً له من اسمه مظهر من الرأفة والحلم، فكتب للدولة يستعطفها في رفع الصليان عن أهل الشام، فعزله السلطان بسبب ذلك، وأمر سليم باشا بوضع الصليان فلما دخل إلى البلد مكث نحو شهر وهو يحصن
القلعة ويجمع العساكر، ثم جمع أعيان البلد وذكر لهم أمر الصليان، فأطاعوه بعد تمهيد العوام وتخويفهم من مخالفة أمر السلطان لكونه محتاجاً إلى جمع المال بسبب ما حصل له في العام الماضي من قتاله مع المسكوب، ووصولهم إلى قرب اسلانبول، وأخذهم كثيراً من بلاد الإسلام، وصلحه معهم على أن يدفع لهم أموالاً بليغة، مما يطول شرحه فأطاع غالب أهل البلد، فخرج جماعة من أتباع الباشا مع كتبة في نهار الجمعة التاسع من ربيع الثاني سنة ألف ومائتين وأربعين، وصاروا يكتبون عدة الحوانيت حتى وصلوا إلى محلة العمارة والعقيبة بعد العصر، فقام جماعة من الأسفاه فأغلقوا الحوانيت وقالوا هذه جزية ونحن لا نقبلها، وقفلوا حوانيتهم، وكان ذلك سبب الفتنة. فلما سمع الباشا بذلك وكان رجلاً أحمق سفاكاً للدماء ليس له تبصرة في الأمور، أمر في الحال بجمع العساكر وغلق أبواب القلعة، وصار يضرب المدافع على البلد، وغالب أعيان هذا البلد عنده، فطلبوا منه التؤدة في الأمر وإنهم يظفرونه بمن خالف أمره، فلم يقبل منهم حتى خرج العسكر يوم السبت من السرايا، وتغلبوا على بيوت القنوات الجوانية وجامع العداس ونهبوها، وصاروا يطلقون الرصاص على الناس من البيوت. وفي ليلة الأحد صار يضرب المدافع والقنابل على البلد، فاجتمع أهل البلد وأشقياؤهم وحاصروه في السرايا إلى بعد العصر، فاستعان أهل البلد بحرق المواضع التي تغلب عليها العسكر، وتوصلوا إلى السرايا، فلما تيقن أنه مأخوذ لا محالة، خرج بعد المغرب ليلة الاثنين من السرايا مع العسكر، وأحرق سوق الجديد وسوق الأروام، حتى وصل الحريق إلى قريب من ضريح سيدي خليل، ودخل هو مع بعض العسكر إلى
القلعة، وبعض العسكر دخل إلى خان الدالاتية، وجامع المعلق الذي قبالة الخان تحت القلعة، فحاصرهم أهل البلد، وذلك بعد أن نهب أهل البلد ما في السرايا والكلار والدوالك، وأحرقوهم، واحترق معهم بعض البيوت المجاورة للسرايا، ولم يزالوا محاصرين لهم في الموضعين حتى فني الزاد من عند من كان في الجامع، فطلبوا الأمان، فأخرجوهم بأسوء حال من شدة الجوع والنتن من الأموات عندهم، وقتلوا بعضاً منهم. ثم تفرغ أهل البلد إلى حصار الباشا في القلعة بضرب المدافع والقنابر، كما فعل معهم أولاً وحاصروه حصاراً شديداً، وقتل من الفريقين خلق كثير، ونصبوا المدافع قبالة حمام الملكة في الدرويشية، وعند باب الحديد المقابل لباب السرايا وتحت القلعة، وهدموا جانباً عظيماً من البرج المقابل لباب السرايا بالمدافع واللغم، إلى أن فني الزاد من القلعة وأكلوا خيلهم، فطلب الباشا الأمان وأنه ينزل ويجلس إلى أن يأتي الأمر من السلطان كيف يفعل، فخرج من القلعة في تاسع عشر جمادى الأولى ومعه نحو ألف رجل من عسكره، اجتمعوا بأهل البلد مدة أيام قليلة، ثم سافروا ونزل الباشا مع بعض خواصه في دار بني الكيلاني التي في العصرونية، وجعلوا عليه حجبة من أهل البلد. ثم ليلة الجمعة في ثالث وعشرين من جمادى الأولى في نصف الليل، دخل عليه تلك الحجبة فقتلوه وقتلوا خمسة ممن معه كالكيخية والخازندار وخاله، ونهبوا ما معهم وجردوا بقية جماعته من ثيابهم وأطلقوهم بلا قتل، وألقوا الباشا في سوق العصرونية على خشبة، وحمل بعض السفهاء رأسه ودار به في البلد، نسأله سبحانه
السلامة. وأما قاضي قران فنجا بمن معه، وكان قد لجأ هو وجماعة تحت قيادته إلى الجامع المعلق، وكان من القواد الأشداء، ودافعوا عن أنفسهم،