الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بالضربخانة والجزية، وخرجاً من كلاره من لحم وسمن وأرز وخبز وغير ذلك وأعطاه كساوي وفراء، وأقبلت عليه الدنيا، وازداد وجاهة وشهرة، وعمل فرحاً وزوج ابنه سيدي علي فأقبل الناس عليه بالهدايا وسعوا لدعوته، وأنعم عليه الباشا بدراهم لها صورة، وألبس ابنه فروة يوم الزفاف، وكذا أرسل إليه طبلخانته وجاويشيته وسعاته فزفوا العروس وكان ذلك في مبادئ ظهور الطاعون، فتوعك الشيخ المترجم بالسعال وقصبة الرئة، حتى دعاه داعي الأنام، وفجأة الحمام ليلة الثلاثاء من شهر جمادى الأولى سنة ست ومائتين وألف، وصلي عليه بالأزهر وكان محفل جنازته مجمع الأفاضل:
مضت الدهور وما أتين بمثله
…
ولئن أتى لعجزن عن نظرائه
ودفن بالبستان رحمه الله تعالى، انتهى من كلام الجبرتي مع بعض تغيير.
محمد خليل أبو المودة بن السيد العارف علي بن السيد محمد بن القطب السيد
محمد مراد المعروف بالمرادي
ابن علي الحسيني الحنفي الدمشقي مفتي دمشق الشام أعاد الله علينا من بركاتهم: الإمام السيد السند، والهمام الفهامة المعتمد، فريد عصره ووحيد شامه ومصره، الوارد من زلال المعارف، الصاعد لأعلى ذروة العوارف، نبعة صافيها ومبتدأ معينها، المؤيد بأحكام شريعة جده حتى أبان صبح يقينها، من بيت العلم والجلالة والسيادة، والعز والرياسة والسعادة، ولا ريب أنه كان شامة الشام، وغرة الليالي والأيام، أورق
عوده بالشام وأثمر، ونشأ بها في حجر والده والدهر أبيض أزهر، وقرأ القرآن على الشيخ سليمان الدبركي المصري، وطالع في العلوم والأدبيات واللغة التركية والإنشاء والتوقيع، ومهر وأنجب واجتمعت فيه أشتات الفضائل ومتفرقات الشمائل، مع لطيف خلق يسعى لينظر إليه، ورقيق جمال يقف الكمال متحيراً لديه.
ولما توفي والده المرحوم آل إليه إفتاء الحنفية في الديار الدمشقية، ونقابة الأشراف، واشتهر بين الخاص والعام بحسن الأوصاف، واستوى على العلوم العقلية والنقلية، وملك بنقد ذهنه جواهر المعارف والعوارف السنية، فكانت تتيه على سائر البقاع به بقاع الشام، ويفتخر به عصره على بقية الأعصار والأعوام، فلا تزال تصدح ورق الفصاحة في ناديه، وتسرح إليه وفود روام البلاغة فتباكره وتغاديه، ونور فضله باد، وموائده ممدودة لكل حاضر وباد، كما قيل:
كالشمس في أفق السماء وضوءها
…
يغشى البلاد مشارقاً ومغاربا
وكان رحمه الله تعالى مغرماً بصيد الشوارد، وقيد الأوابد، واستعلام الأخبار وجمع الآثار، وتراجم العصريين، على طريق المؤرخين. وكان يراسل فضلاء البلدان البعيدة، ويواصلهم بالهدايا والرغائب العديدة، ويلتمس من كل منهم تراجم أهل بلاده، وأخبار أعيان أهل القرن الثاني عشر بحسب وسع همته واجتهاده. إلى أن بلغ مطلوبه وحصل مرغوبه، ورقم ما رام فجاء بحمد الله على أتم مرام، وسماه سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر.
وله أيضاً كتاب عظيم أرخ فيه المفتين في دمشق من أيام السلطان سليم، وسماه: عرف البشام فيمن ولي فتوى دمشق الشام
وقد ختمه بترجمة ذاته، فأحببت ذكرها بلفظها لدلالتها على رفيع مقامه وصفاته، فقال رحمه الله تعالى:
لا مزية فتذكر ولا محمدة فتشكر، ولا فضل فيقال، وليست عثرة واحدة فتقال، ولا سيئة واحدة فتغفر، وليس سهم واحد من المعائب يرده من الإغضاء مغفر، ولا طيب خلق ولا جمال، يوضح بيانه بالتفصيل والإجمال، ولا جملة كمالات، ولا محاسن كلمات، يشهد به البادي والحاضر والسامع والناظر، ولا فضائل ولا معارف، تنقدها بيد الإختبار من الأذكياء الصيارف، ولا فواضل ولا أدب ينسل إليه من كل حدب، ولا سماحة بنان وحماسة جنان، ولطافة بيان وعذوبة لسان، يعترف بها كل ماسان، ويقر لها كل إنسان، وتتشنف بسماعها الأذهان، ويرويها فم كل زمان في كل آن. وقد اقترفت الذنوب، وارتكبت العيوب، وغدوت منها ملآن الذنوب، واغترفت الإساءة، واغترفت بالبطالة ورفضت الأصدقا، وجانبت الأودا، وخبطت خبط عشوا، وكنت كخاطب في الليلة الظلما، ووصفت فما أنصفت، وأطلت الكلام وما أفدت، وجنحت للأماني، وتبعت في الأفعال زماني، ونصبت الآمال الكواذب، أشراك الرغبات والمطالب، وجهلت الكريم وعرفت الوضيع، وسامرت الوغد وتركت الرفيع، وجبت الجهل وسلكت حزنه والسهل، وصرفت أوقاتي للإضاعة فقلت البضاعة، وتبعت الأهواء النفسية، وفعلت في أيام شيخوختي أفعال الطفولية، لا أميز الخسيف من الشريف، ولا الربيع من الخريف، ولا الفاضل من المفضول، ولا الناقل من المنقول، ولا الأفيال من الأقيال، ولا الجهد من الجهر، ولا الجمر من الخمر، ولا الحبر من الحبر، ولا الجبر من الجبر، ولا القضا من الفضا، ولا العلا من الغلا، ولا النهار من البهار، ولا الأشجار من الأسحار، ولا العرار من الغرار، ولا الحلال من الخلال، ولا الحمار من الخمار ولا الملاح من الملاح، ولا الصبا
من الصباح، ولا الريا من الرياح، ولا النوى من النواح، ولا الفلا من الفلاح، ولا السما من السماح، ولا القرا من القراح، ولا الربا من الرباح، ولا العقار من العقار، ولا بوح من نوح، ولا الخد من الحد، ولا الجد من الجد، ولا الوجد من الوخد، ولا الشمع من السمع، ولا قابوس من فانوس، ولا الشاعر من المشاعر، ولا القاضي من القاصي، ولا الضد من الصد، ولا الحامد من الجامد، ولا الصائغ من الصانع، ولا الناظر من الباصر، ولا الصابر من الصائر، ولا الجابر من الحاير، ولا المعنى من المغنى، ولا القاصي من القاصر، ولا الزاهي من الزاهر، ولا الوافي من الوافر، ولا الهاجي من الهاجر، ولا الهامي من الهامر، ولا الآمي من الآمر، ولا الراسي من الراسخ، ولا الناسي من الناسخ، ولا الساري من السارق، ولا العالي من العالم، ولا الشاكي من الشاكر، ولا الصابي من الصابر، ولا السالي من السالك.
فكيف أترجم ويذكر حالي المبهم المعجم، وأنعت بمقال وكلام، وتجري بخصوصي مياه الأقلام، ويقال عني مادح نفسه يقريك السلام، وانخرط في سلك من ذكرته، وسمط من وضعته ونشرته، وأصف نفسي لشيء يمحضه التكذيب، وأنشئ مقالاً يصير هدفاً للتعريض والتأنيب، ولا يخفى أن الجهل شلل في يد الرياسة، آفة في رجل الرجولية، صمم في سمع الأريحية، قذى في عين المروءة، بخر في فم الفتوة، فلج في سن السيادة، لكنه في لسان الشهامة، بهق في وجه السعادة، صداع في رأس الكياسة، علة في جسم المعالي، مرض قي قلب المجد والفضل، قوة في قلب السيادة، متانة في يد الفتوة، ابتسام في فم الشهامة، جلاء في عين المعالي، وضاءة في وجه الكياسة والرياسة، فصاحة في لسان السعادة، صحة في جسم الدولة، ونعمة مغبوطة ومنحة بها المفاخر مربوطة، فيا ليتني ارعويت، وما تصديت وادعيت، ولكني وإن كنت
الموصوف بهذه الأوصاف المذكورة، والنعوت الغير المحمودة والمشكورة، فأفتخر بجدي وأبي، وبنجاري ونسبي، لا بأدبي ونشبي، فرونق الأخلاف بالأسلاف، وإن طابت تربة الكرم تحسن السلاف، والذنب اختلاجه بسلامة الرأس، والبناء لا يقوم إلا بالأساس، والأفق الصافي لا يطلع إلا زهرا، والتربة الطيبة لا تنبت إلا زهرا، وبصحو الجو بصحو النهار، ومتى عذبت العيون تصفو الأنهار:
شمس كأن عليه من شمس الضحى
…
نوراً ومن فلق الصباح عمودا
وناهيك بهذا البيت، الخالي عن لو النقائص والليت، فقد خرج منه رجال وأي رجال، يضيق عن حصر أوصافهم كل مجال، خضعت لهم من الأقيال شم الأنوف والمعاطس، وتناولوا من المعالي والمفاخر ما لا تلامسه كف ملامس، أضاء بدر علاهم وأشرق، ونجم نجم هداهم وتألق، إن حرروا حرروا رقاب المعاني، وإن حبروا ذلت لهم أعناق المباني، فمآثرهم حسنات ظاهرة، وأنفاسهم زكية طاهرة، فكم سفر أودعوه حكماً نبوية، وكم من علم حققوا دقائقه اللفظية والمعنوية، لم تخل أناتهم برهة عن طاعة، ولا عن اجتهاد فوق الاستطاعة، رجال لا تلهيهم تجارة، ولا تفي بوصف محاسنهم عبارة، ولا يشق أحد لأحد منهم غباره، أحاطوا بالفضل إحاطة الهالة بالبدر، وافتخر بهم المجد افتخار الليالي بليلة القدر:
قوم إذا ذكروا لم تلق بينهم
…
إلا هماماً تردى المجد واتزرا
صيد غطارفة غر لبابهم
…
تأوي الصناديد والحكام والوزرا
إلى أن قال: وأما إيضاح حالي في إقامتي وترحالي، وذكر شيوخي والأساتذة، ومن تخرجت عليه بالفنون من الجهابذة، وتقلباتي مع الدهر في كل آن وشهر، وذكر تلاعب الأيام بي، وصرفي لردع بوائقها اجتهادي وتعبي، وذكر ما وليت من المناصب العالية، والرتب الشامخة السامية، وما حباني الله به من النعم والدولة، والحشمة والجاه والصولة،
ومؤلفاتي وآثاري، ونظامي ونثاري، وذكر من نظمتني وإياه أيدي الأقدار، في هذه الدار وغيرها من الأجلاء أولي الفضل والمقدار، وما وقع لي وجرى بالإرادة الإلهية، والحكمة الأزلية، فقد يطول ذكره هنا ويتعذر، ويصعب بيانه وشرحه ويتعسر.
وقد ذكرت جميع ذلك في سفر مطول، وأوضحت أمري به فهو عليه المعول، ولما عزل ابن العم عبد الله بن الطاهر من فتوى دمشق الشام، وبقيت البلدة خالية عمن يصونها، ومفتقرة لمن يحرس رباعها وحصونها، ويتولى أمرها، ويطفئ برأيه من البوائق المدلهمة جمرها، وينشر مسائلها، وينقح رسائلها، ويتصدر في دستها السامي الأركان ويتصدى لحل مشكلاتها حسن الإمكان، كنت في قسطنطينية فوليت هذا المنصب بعده برأي رجالها ورؤساء الدولة، وكان مفتيها الحلاحل الغطريف، شيخ الإسلام محمد شريف، وهو العلامة والبحر الزخار، وطود الفضائل والفخار، لا برح السعد يراوح ناديه، وتزاحم القلانس والتيجان على لثم بابه وأياديه، فقد أحلني مكان بنيه، ومن يحنو عليه ويدنيه:
وألبسني ثوب المكارم معلماً
…
وتوجني من فضله وكساني
وكانت توليتي للمنصب المذكور من طرف الدولة في اليوم السابع من شعبان سنة اثنتين وتسعين ومائة وألف، وأنا حينئذ في البلد المذكورة قسطنطينية دار السلطنة العلية، صانها الله من كل آفة وبلية، ثم قدمت مفتياً لبلدتي دمشق ذات النيربين والشرف، التي أكرمها الله تعالى بالبركة والشرف، وأنخت ببقاعها من المسير المطايا وأنا متوكل على مجزل العطايا،
وغافر الذنب والخطايا، ورجوته ودعوته أن يوفقني في هذا الأمر لما يرضاه، ويداركني باللطف فيما قدره وقضاه، إنه خير مجيب لمن دعاه، وأكرم مسؤول لمن رجاه ووعاه، لأني لست من هذه الحمائم، ولا قطرة تلك الغمائم، ولا من نور هذه الكمائم، ولا من درر تلك الأسلاك، ودراري هذه الأفلاك، ولكني أقول متمثلاً بقول من يقول:
لعمر أبيك ما نسب المعلى
…
إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اضمحلت
…
وصوح نبتها رعي الهشيم
وقد أثبت هنا من أشعاري، التي نسجتها يد أفكاري، نبذة حربة بالمحو، لا يستر عوارها إلا الإغضاء والعفو، عارية عن الجزالة والحلاوة، خالية عن البلاغة والطلاوة، فمن ذلك قولي مفتخراً وأنا في الروم:
أما نحن أبناء السراة الأكاسر
…
لنا في الندى والحلم جم المآثر
نجود بما نحوى ونعفو عن السوى
…
ونصفح عن زلات باغ وقاصر
ونحن أناس لا يغير عهدنا
…
تغلب محتال وصولة فاجر
نعف متى نقوى ونغضي تكرما
…
ونظهر في الحالين ما في السرائر
وآباؤنا صيد غطارفة لهم
…
جلابيب مجد نسجها بالمفاخر
هم القوم سادوا منذ شادوا دعائماً
…
من العز منها الركن ليس بدائر
فلا يجد الملهوف غير مقامهم
…
إذا اشتد خطب أو بدا جور جائر
أزاحوا من العدوان ليلاً لقد دجى
…
بصبح من الإيمان أسفر ظاهر
فكم أشهروا يوم الوطيس مهنداً
…
يحز نجوداً سترت بالمغافر
فوارس في الهيجا متى طرفا امتطوا
…
رؤوس العدى تلقاها تحت الحوافر
وإن جردوا عضباً وهزوا أسنة
…
ترى في الوغى يبدو انهزام العساكر
وليدهم يردي الكماة إذا انتحى
…
يذل له خوفاً أشد القساور
وليس خضاب في أنامله بدا
…
ولكنه بالبطش دامي الأظافر
فلم يلف في نعمائهم غير حامد
…
ولم يبق في الدنيا لهم غير شاكر
ففي دستهم أقيال قوم أجلة
…
وفي أفق العلياء هم كالزواهر
وآياتهم جل المصاقع لم تزل
…
ترددها للناس فوق المنابر
متى أمّ من أم القرى وافد قرا
…
سطور القرى والجود غب البشائر
أو اجتازهم راج سماحة جودهم
…
رأى لطف مفضال وهمة ناصر
وفي الشام ما شام الغريب ببابهم
…
أذى حاجب وغد وسطوة ناهر
بهم جلق والروم تسمو وتزدهي
…
ولم يبق ذكر فيهما للأواخر
فيا روم هل تبغين بعد فراقهم
…
كراماً ويا ذي الشام غيرك فاخري
وفي الروم قسطنطينة تبتغيهم
…
وجلق تبغيهم هما كالضرائر
فأي مكان ضمهم كان موئلاً
…
يضم قروماً من خيار أكابر
فلو حاتم أدى المكارم حقها
…
وشاهدهم أضحى كنادم حائر
وفي صمم أذن المناصب بعدهم
…
وقد عميت حزناً عيون المفاخر
فغيثاً لقفر الفقر يهمع جودهم
…
وناديهم مأوى لعائذ زائر
وإني وإن شط المزار وأبعدت
…
منازل من أهوى وكدر خاطري
أخو همة قعسا يؤم ومؤتسى
…
وفرع لأصل بالشرافة طاهر
ولست بمغبون إذا سر حاسدي
…
وصرت قطيناً في نوادي الأصاغر
وإني امرؤ ما ذل يوماً لماجد
…
ولا هاب آلاف الأسود الخوادر
ولم يخش دهراً قد أعز أذلة
…
وما راعه إلا عيون الجآذر
لها موقع في القلب أنى له دوا
…
فوا عجباً من جرح أحور فاتر
ولا يشتكي ضيم الخطوب وإن دهت
…
ويشكو صدوداً من نفور وهاجر
فقل لفخور يحسب المجد هينا
…
ويظهر أرفاداً لباد وحاضر
أتبغي منالاً يشمخر اعتلاؤه
…
ويسمو وأنت اليوم ليس بقادر
أأنت ابن من لولاه لم يك كائن
…
وأول مخلوق وآخر آخر
أأنت ابن من فيه العوالم تزدهي
…
ولم يبق في إرساله شرك كافر
أأنت ابن من في الحشر يرجى ومن أضا
…
به الكون لما كان مثل الدياجر
إليه انتمائي وانتسابي فعلني
…
أفوز بعفو شامل لي وساتر
وليس قريضي محصياً لشمائل
…
حواها وعن ذا ضاق صدر الدفاتر
عليه صلاة الله ثم سلامه
…
وآل وأصحاب كرام أكابر
مدى الدهر ما اشتاق الغريب لألفه
…
وهبت جنوب في رياض أزاهر
وقال رحمه الله
أدر ذكره أن الفؤاد لذو ضنى
…
وإن له ذكر الرسول شفاء
وروح نفوس العاشقين بنعته
…
ففيه لداء العاشقين دواء
وقال
يا رب إن ذنوبي
…
كثيرة ليس تحصر
وفيك كل يقيني
…
بأن عفوك أكثر
وقال
إذا ما دهتك صروف الزمان
…
ووافاك منه سقام وخطب
فداوم على الصبر تلقى المرام
…
وفيه مع الفوز للداء طب
وقال رضي الله عنه مشطراً أبيات ابن عبد ربه
ودعتني بزفرة واعتناق
…
وأثارت لواعج الأشواق
وتهادت عند الفراق عشيا
…
ثم قالت متى يكون التلاقي
وبدت لي فأشرق الوجه منها
…
يتسامى بزائد الإشراق
وارتنى طلوع شمس وبدر
…
بيت تلك النهود والأطواق
يا سقيم الجفون من غير سقم
…
قد فتكت القلوب بالإحداق
فتنة لعاشقين أنت لهذا
…
بين عينيك مصرع العشاق
إن يوم الفراق أصعب يوم
…
أورث القلب زائد الأحراق
كل من في هواك عانٍ ينادي
…
ليتني مت قبل يوم الفراق
انتهى كلامه ملخصاً. وله ديوان شعر، ذو جمال وقدر.
ومن مكاتباته للسيد المرتضى الزبيدي رحمهما الله تعالى قوله كما ذكره الجبرتي: أحمد الله على كل حال، في حالتي المقام والترحال، وأصلي على نبيه وآله الطاهرين، وأصحابه السامين بالفضائل والفواضل والظاهرين، وأهدي السلام العاطر، الذي هو كنفح الروض باكره السحاب الماطر، والتجايا المتأرجة النفحات، الساطعة اللمحات، النافحة الشميم الناشئة من خالص الصميم، وأبدى الشوق الكامن وأبثه، وأسوق ركب الغرام وأحثه، إلى الحضرة التي هي مهب نسائم العرفان والتحقيق، ومصب مزن الإتقان والتدقيق، ومطلع شمس الإفادة والتحرير، ومنبع مياه البلاغة والتقرير، وموئل العائذ، ومطمح اللائذ، وكعبة الطائف، ومنتدى التحف واللطائف، ومجمع مجرى العمل والعلم، وملتقى أنهر الملاطفة والرأفة والحلم، وروض المكارم الوريق الوارف، وحوض العوارف والمعارف، المنهل الصافي، والظل السابغ الضافي، صانها الله من البوائق وحماها، وحرس من الخطب الفادح حماها، ولا برح السعد مخيماً في رباعها، واليمن والأمن مقيمين في بقاعها، هذا وإن عطف مولانا الأستاذ عنان الاستفسار والاستخبار عن حليف آثاره، وأليف نظامه ونثاره، وسمير تذكاره، في ليله ونهاره، والمشتاق لمرآه، والواله بهواه، والمقيم على عهده، والمتمسك بوثيق وده، والمتمسك بعرف نده، والصانع عقود تمداحه، في مسائه وصباحه، فهو بمنه تعالى رهين صحة وعافية، وقرين نعمة وآلاء وافية، يستأنس بأخبارك، ويتوقع ورود رسائلك وآثارك، وقد مضت مدة ولم يجر بين البين ماء محاورة ومراسلة، وأدى هذا الجدب لقحط غلال المواصلة، وعلى كل حال فالقصور من الجانبين، واعتقاد ذلك يحسم مادة العتاب بين المحبين، ثم الباعث لتحرير الأسطار، ونميقة الاعتذار، وإجراء فيض النفس المدرار، تنفقد الأحوال، واستدعاء المراسلة ببليغ تلك الأقوال، وللشغل الشاغل، الذي ما تحته طائل، اقتضى تأخير المراسلة لهذا الحين، والتقصي من الجواب،
عن استنشاق أوراد ورياحين، والله يشهد أن غالب الأوقات، ذكراك نقل وأقوات، وقلبك شاهد على ما أقول، وحجة المحبة ثابتة بأقوى دليل ونقول.
ولقد كنت حرضت الأستاذ لا برح وجوده للسائل نفعا، والدهر لما يقول مجيباً سمعاً، لجمع تراجم المصريين والحجازيين، ومن للأستاذ الوقوف على ترجمته وحاله من أهل الأمصار، من أبناء القرن الثاني عشر، ووعد حفظه الله بالإنجاز، ولسبب الشواغل الطارئة في هذه السنين الموجبة لتكدير الأفكار، ورخص أسعار الأشعار، وأخلاق برد الفضائل وذاك الشعار، أوجب قطع المراسلة وتأخير المطلوب والمأمول، ولم يفز المحب بمرام من ذلك ومسؤول، ولما كنت في الروم قبل ذلك العام، جرى ذكر الأستاذ لدى حضرة أحد رؤسائها الأجلة الصناديد القروم، فأطال بالمدح وأطنب، ثم جرى ذكر التاريخ وفقدانه في هذا الوقت وعدم الرغبة إليه من أبناء الدهر، مع أنه هو المادة العظمى في الفنون كلها، فتأوه تأوه حزين، وكان في مجلسه أحد الأفاضل المولعين باقتناص الأخبار، فقال إن الأستاذ أبا الفيض مرتضى بلغه الله مرامه، وقرن بالنجاح آماله وبالسعود أيامه، قد باشر تأليف تاريخ عظيم بإشارة هذا وأشار إلي، فقلت نعم قد كنت حرضت الأستاذ بجمع ذلك ولا أدري كيف فعل، هل أوقد الطروس تلك المصابيح والشعل، أم عاقه الزمن بأحواله، قال لا بل شعر الوزير الكبير المقتول إسماعيل باشا الرئيس وذكره في ترجمته، ثم إنه أطال على الأستاذ في الثناء، وأطال طرف المدح في حلبة ذلك المجلس إلى المساء، فسرني هذا الخبر الطارئ، من ذلك الرجل الإخباري، وطرت بأجنحة السرور والأماني، وقلت قد صافاني زماني، ولما عدت لبلدتي دمشق دامت معمورة، وبالخيرات مغمورة، وقعت بإشراك الشواغل المتبادرة، وتركت من الفنون كل نادرة، وحرصت على تدبير أمورها
خوف القال والقيل، وصرفت أوقاتي للإضاعة حتى في المقيل، وأروم من واهب النعم، ومسدي الخير ومسدل الكرم، أن يهبني لطفاً في مسعاي والأمور، وعوناً في نظام الجمهور، إنه خبير بصير، وإليه المصير. وكان هذا الشغل الشاغل سبباً أعظم لتأخير المراسلة، والاستخبار من الأستاذ عن إتمام التراجم وتحصيلها، والآن بادرت لنسخ هذه الأسجاع، بيد اليراع، وحررته عجلا، ورقمته خجلاً، فالمأمول تبييض مسودات التراجم، وإرسالها حتى تكمل بها مادة التاريخ، وبحسن توجهاتكم القلبية، مع هذه الأشغال الدنيوية، بلغ من التراجم نحو ثلاث مجلدات ضخام، ونحوها وزيادة باقية في المسودات، هذا ما عدا تراجم أبناء العصر وشعرائه الذين في الأحياء، ومن نظمتني وإياه الأقدار وامتدحني بنظام أو نثار، فتراجمهم وآثارهم مجموعة بمجلد آخر، وعلى كل حال فالأستاذ له الفضل التام، في هذا المقام، وإن شاء الله تعالى بآثاره يتم الكتاب على أحسن نسق ونظام، وجل القصد أن يكون هذا الأود المحب مشمولاً بالأدعية الصالحة، لتنطق بالثنا منه على كل جارحة، والمأمول ستر عواره المتبادر، والإغماض عما أظهره الفكر القاصر، والذهن الفاتر، وألقته أفواه المحابر، على صفحات الدفاتر، ولك الثناء العاطر، والسلام الوافر، والشوق المتكاثر، من القلب والخاطر، ما همى وادق، وذر شارق، وصدح يمام، وناح حمام، وسح ركام، وفاح خزام والسلام. وتاريخه في أواخر ربيع الثاني سنة مائتين وألف. انتهى كلام الرسالة قال الجبرتي رحمه الله تعالى وما أدري ما فعل الدهر