الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخبر عنه أيضاً هذا الرجل الصالح أن المترجم جاء يوماً إلى أستاذه المرقوم، يخبره بوفاة أخ له في الله من مكة من رجال الغيب الكرام، ويستأذنه في التوجه إلى بيت الله الحرام، للصلاة عليه وتشييع جنازته، وحضور دفنه في تربته، فأذن له فغاب، وبعد برهة رجع وآب.
وطلب منه مرة بعض أصحابه زيارة الشيخ الأكبر والدعاء بالمرغوب في فسيح رحابه، فقال له: الرجل هو الذي يجتمع بالولي عند الوقوف بحضرته، وبعد انتقال المترجم إلى الدار الآخرة جاء بعض أولاده لزيارة جده والد والدته وشيخ المترجم المذكور الشيخ محمد المهدي، وفي يده كتاب الابريز في مناقب الشيخ الدباغ عبد العزيز، فأمره أن يسمعه منه شيئاً، فقرأ عليه جملة من كراماته وعلومه المستجادة، فقال له: لو سطر أحد مآثر والدك ومناقبه لبلغت هذا المبلغ وزيادة، وحدث ولده أنه كان يوماً عند الأمير السيد عبد القادر الجزائري، وعنده رجل من أهل فاس يسمى الشيخ عمر بن سودة، فقال له الأمير: إن والد هذا الشاب كان في المجاهدة من أضراب أبي يزيد البسطامي، وأبي سليمان الداراني. وبالجملة لو أردت أن أستقصي أحوال هذا السيد الجليل لأدى المقام إلى الإسهاب والتطويل، وما ذكرته يدل على بعض مقامه، وعلى رفيع رتبته ووجوب احترامه، مات رحمه الله تعالى سنة تسع وستين ومائتين وألف، ودفن في سفح قاسيون في جوار نبي الله ذي الكفل، على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام.
الشيخ محمد العطار بن....بن الشيخ إبراهيم الحسيبي جد بني الحسيبي
عالم عامل وهمام فاضل، قد أجمع الناس على طيب أصله وصحة كماله وفضله، قد اتصف بصفات من سلف وساد في معالي شمائله فيمن خلف،
وارتفع مقامه وعلا قدره واحترامه، وصار مقصوداً في مشكلات المسائل وموروداً في أخذ الفضائل.
ولد سنة ألف ومائة ونيف وثلاثين، واشتغل في العلم والعبادة والتقوى والزهادة، إلى أن برع وفاق واشتهر في الآفاق. تولى القضاء بمدينة غزة هاشم، وكان في أحكامه تقياً بعيداً عن المحارم، وكان السيد محمد التافلاتي قاضي القدس الشريف، فوقع بينهما في مسألة من المسائل اغبرار اقتضى اللوم والتعنيف، فكتب السيد محمد التافلاتي رسالة في تعنيفه وأرسلها إليه، فغب وصولها شرحها وردها من غير مهلة عليه، وابتداء هذه الرساله قوله: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم " لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم " جناب الأخ الأمجد الشيخ محمد التافلاتي حفظه الله تعالى، وصلت مكاتبتك إلينا ولم يسبقها منا إليك كتاب، وابتدأتنا بمخاطبتك ولم يتقدم في هذه المدة منا إليك خطاب، فتلقيناها تلقي الأحباب بالسعة والترحاب، وحين رأيناها نزلت منا منزلة الأضياف، عجلنا قراها بما يجب لها عند أهل الإنصاف:
سوداء شمطاء اللمم
…
وافت بتيه وعجب
لما علمت جهلها
…
أنكحتها فحل الأدب
فما مكثت إلا بمقدار ما يمكث الطيف، ولا لبثت إلا كم تلبث سحابة الصيف، حتى نهضت:
مسرعة تقول قطني قطني
…
مهلاً رويداً قد ملأت بطني
وألبستها خلعاً حكت قطعاً من الليل مظلماً، كما يليق ذلك بشأنها فلم تكفر لنا أنعما، فالرجاء إذا وصلت أيها الشيخ إليك، وألفيت بكراً عذراء، بين يديك، أن تتقبلها بقبول حسن، وأن تكفلها وتهجر لأجلها الوسن، وإذا نسبتها فقل عربية قرشية، شامية قدسية، رملية
غزية. وإياك أن تنسبها لأمها الغريبة ذات اللامة التي أكسبتك فوق ما اكتسب ببغلته أبو دلامة، وأزرت بك في الشرق والغرب، إزراء الطيلسان بابن حرب، وستشتهر بها عند كل قريب وبعيد، كما اشتهر بشاته سعيد، فإذا ورد عليك بذلك الخبر، فلا تلم سواك في البشر. وتذكر ما أنشده سيدي عمر:
ولقد أقول لمن تحرش في الهوى
…
عرضت نفسك للبلا فاستهدف
وأنت حيث فتحت هذا الباب، وابتدأت هذا الخطاب، تكرمت عليك بالجواب، لئلا تحقر نفسك إذا لم تجاب، واعلم بأنني كما قيل:
ولست بمفراح إذا الدهر سرني
…
ولا جازع من صرفه المتقلب
ولا مبتغ للشر والشر تاركي
…
ولكن متى أحمل على الشر أركب
ولا يظن أحد أن إقدامك على هذا الأمر لجرأة في الخلد، فالعير كما لا يخفى تقدم من خوف على الأسد، ولولا ما أرشدنا سبحانه وتعالى إليه بقوله عز وجل:" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه " وخشية ما قيل:
إذا المرء لم يكرم كريماً ولم يهن
…
لئيماً ولم يبرز إلى من يجاوبه
فذاك الذي إن عاش لا يعتنى به
…
وإن مات لا تبكي عليه أقاربه
لما فوقت من قسي الملام نحوك سهماً، ولا أفدتك من شهب الكلام رجما، على أنني أتيقن الملامة، وأتحقق على ذلك الندامة، إذا طاشت السهام في ظلك الزائل فلم تر فيه مرمى، وتساقطت شهب ثواقب الكلام عليك فلم تجد لك رسما، غير أني أخلص بقوله تعالى في محكم التنزيل " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل " هذا
وإن كان يقع لا على شيء منك الفند، لأنك ما تحت الواحد في العدد، فالوهم يصورك وتشير إليك الأفكار، ليعتبر بذلك غيرك من ذوي الأبصار، وقد حملني على ذلك قول من تقدم: ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يتهدم، وكيف لا أناضل المناضل، وأنازل المنازل، وقد أعددت بحمد الله للكفاح أتم عدة وأمضى سلاح، ولكن أحببت أن أوضح لكل واقف على هذا المجال، ما حصل عليه وبسببه هذا الجدال، ليظهر لمتأمله حقيقة الحال، ويعلم أن الرجال تعرف بالحق ولا يعرف الحق بالرجال، فأقول: ملخص ذلك أن الشيخ المذكور، هو مفتي القدس التافلاتي المشهور، ضاقت عليه في بيت المقدس الأحوال، واشتد الضنك عليه بها واستطال، فنزل إلى أسكلة يافا ليقرع باب الفرج وصار يدرج بها مع من درج، فما ترك باباً يتوهم منه حصول رزق حتى عالجه، ولا وجد إنساناً يظن خيره إلا خالطه ومازجه، فلما أعيته المطالب واستحالت عليه المآرب واستدت في وجهه المسالك وتقطعت أحبال ما نصب من الشبائك، ولم يصطد عقعقاً ولا بوما واصبح من كل خير محروما، فعزم على الرجوع بخفي حنين وهو بهمومه أشغل من ذات النحيين وقد كان آلى أن يجيب كل من يستفتيه على وفق ما يرضيه، وأقسم أن لا يرد سائلاً يأتيه ولو ألقاه الجواب في التيه، فسمع إنساناً يذكر حادثة على سبيل المحادثة فسقط عليه سقوط الذباب، ووقع دونه وقوع الغراب، فجعل يفتيه قبل أن يسأله، ويقلب له الأجوبة عساه أن يوافق ما أمله، وكان الرجل عن جميع أجوبته مستغنيا، ولم يكن على حالة من الأحوال مستفتيا، ولكن فهم حاله فرثى إليه، واستطلع مرامه فعطفته الرحمة عليه،
فاستفتاه بحادثة واقعة في غزة، بما ملخصه في بكر بالغة تزوجها غير كفؤ برضاها، وولدت منه ولداً فقام وليها يطلب فسخ النكاح هل يجاب إلى ذلك، فأجاب الكفاءة شرط صحة انعقاد النكاح، وهذا النكاح المشروح في السؤال لم ينعقد أصلاً كما هو المختار للفتوى، كما صرح به قاضي خان، وصاحب التنوير، واتفقت عليه فتاوى المتأخرين، لفساد الزمان، وإذا طلب الولي الفسخ أم لم يطلبه رضيت المرأة أم لم ترض فالفسخ واقع لعدم انعقاد النكاح من أصله ولو ولدت أولاداً، والنقل به مستفيض لم يخل منه كتاب من كتب المذهب، والله سبحانه وتعالى أعلم، فأخذها السائل وأرسلها للولي بغزة هاشم وحرضه على إجراء ما فيها من الأحكام، فأخذها واستكتب مفتي غزة فكتب عليها، ثم عرضها على هذا العبد الضعيف، لكونه انتصب لفصل الأحكام بين كل وضيع وشريف، وكان الزوج غائباً، فأجبته أنك تحتاج إلى خصم لتثبت عليه عدم الكفاءة، فاستفتى علماء غزة فأجابوه كما أجبت، غير أن مفتيها قال ليس لذلك سبيل إلا بنصب مسخر، ولكن ينبغي أن تنظر في الصور، في الصور التي يجوز فيها نصب المسخر، فأجبت بأن هذه الصورة ليست منها فانفصل المجلس على أن المفتي والعلماء يراجعون كتب المذهب، وحرر الولي ذلك إلى يافا وأخبره المستفتي بما حصل وصدر في طرفنا، فاستشاط من الغضب وامتلأ من الغيظ، وصار وجهه كالمسافر في أشهر القيظ، ثم كتب سؤالاً آخر كالأول ولكن زاد فيه ونقص، وما أراد بذلك إلا إرضاء السائل ليطيب من عيشه ما تنغص، تم كتب جواباً غير الأول وبسط فيه المقال، وأكثر من نقل الأقوال، وذكر رواية الحسن ونقل ترجيحها والعمل بها عن أئمة أعلام، وساق أسماء من عول عليها واعتمدها من العلماء العظام، ثم قال: والحاصل أن هذا النكاح لم ينعقد من أصله وهو باطل، والباطل يجب إعدامه، ثم قال في آخرها: هذا
خلاصة مذهب الإمام النعمان، نعوذ بالله من الحظوظ الموجبة لغضب الرحمن، كأنه يشير إلى توقفنا وتوقف علماء غزة أنه من الحظوظ الموجبة لغضب الرحمن، ويدل على كونه أرادنا بذلك أنه حرر مكاتبة للولي، وأرسل له فتوى أخرى ثالثة داخل تلك المكاتبة، والفتوى صورة سؤالها في نكاح فاسد باطل، لكون الزوج غير كفؤ للزوجة، هل للزوجة أن تفسخ هذا النكاح ولو بعد الدخول، ولو كان زوجها غائباً، وهل يجب على القاضي التفريق والفسخ ولو
كان الزوج غير حاضر؟ والحاصل أنه اتسعت دائرة القيل والقال، وتفاقم أمر الجدال، وتعددت الرسائل اتخذت الوسائل، وطال الكلام في هذا المقام، وكثرت المخاطبة واللوم والمجاوبة، وانتقل مركز القضية لغير هذه الكيفية، ومن جملة ما قاله المترجم: كان الزوج غير حاضر؟ والحاصل أنه اتسعت دائرة القيل والقال، وتفاقم أمر الجدال، وتعددت الرسائل اتخذت الوسائل، وطال الكلام في هذا المقام، وكثرت المخاطبة واللوم والمجاوبة، وانتقل مركز القضية لغير هذه الكيفية، ومن جملة ما قاله المترجم:
يا أيها الشيخ الذي
…
بزخرف القول اشتهر
خف عالم الأسرار أن
…
يبدي الذي منك استتر
فلتصبحن عبرة
…
مشتهراً بين البشر
ومن قوله
إذا أنت ضيعت الصنيع ولم تكن
…
تقابله إلا بسوء فلا عجب
فقد جاء في معنى الحديث الذي رووا
…
ولا يصلح المعروف إلا لذي حسب
وقال أيضاً في رسالته المذكورة:
ألا أيها الشيخ الذي أكثر الدعوى
…
كذبت وايم الله في السر والنجوى
أما تستحي أن قلت ما ليس فاعلاً
…
فأكبر به مقتاً وأعظم بها بلوى
وقال بها أيضاً:
أعد نظراً فيما كتبت ولا تكن
…
بشقشقة للأفضلين منازعا
فحسبك ما تهذي به لك زاجراً
…
وحسبك أن تخزى ويكفيك رادعا
وقال أيضاً:
يا للشريعة من مفت لقد فتنا
…
وضل إذ فارق المفروض والسننا
أراد يكتم ما تحوي طويته
…
فضاق ذرعاً وعن أثقاله وهنا
وقد تردى بما أخفت سريرته
…
فأصبح الكتم منها للورى علنا
وقد استشهد بهذه الأبيات الثلاثة:
عجوز تمنت أن تكون فتية
…
وقد يبس الجنبان واحدودب الظهر
وأضحت بلا عقل يصون حجابها
…
فباحت بما في السر وانكشف الستر
وجاءت إلى العطار تبغي تحسنا
…
وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر
وقال أيضاً:
فتباً لشيخ يزعم الحق باطلاً
…
وباطل ما يأتيه يزعمه حقا
فبعداً له من مفسد ما أضره
…
على الملة الزاهرا وسحقاً له سحقا
وقال أيضاً:
ولو نسب الزمان لتافلات
…
تغير وجهه وبدا القتام
وأصبح صبحه ليلاً بهيماً
…
ودام على أهاليه الظلام
وقال أيضاً:
لو أن طينة آدم
…
مزجت بتربة تافلات
ما كان في أولاده
…
أهل التقى والمكرمات
ولا أتاه الصالح
…
ون بنسله والصالحات
ول أردت أن أذكر رسالة التافلاتي وشرحها للمترجم العريض الطويل، لأدى المقام إلى الإطناب والتطويل. مات المترجم في الأستانة سنة تسع ومائتين وألف ودفن هناك رحمة الله عليه.