الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مع عشق بالله وهيام، وولوع ومحبة وغرام، قد شرب من صافي الشراب، فسكر وعن الأغيار غاب. مات رحمه الله سنة ثمان وستين ومائتين وألف ودفن في مقبرة باب الصغير وقبره ظاهر.
الشيخ عبد المجيد بن الشيخ محمد بن الشيخ محمد الخاني النقشبندي
همام حظه من الأدب وافر، وإمام وجه أمانيه طلق سافر، ما زال من الرفعة في أعذبها شرعة، ومن الحظوة في أسوغها جرعة، له في اللطائف والطرائف من الروضان روضان، ومن بداعة النظم والنثر من المرجان مرجان.
ولد في حدود الستين والمائتين والألف. وبعد أن أتم القرآن وجوده قرأ النحو والصرف، وحضر جملة من العلوم على سادة لهم اليد الطولى في المنطوق والمفهوم، منها الأمير الكبير، والفاضل الشهير السيد عبد القادر الجزائري، ومنهم علامة الشام الشيخ محمد الطنطاوي، ومنهم والده، واشتغل في علم الأدب إلى أن حاز على الأرب. وفي
عام ألف وثلاثمائة وأربعة عشر سافر إلى الآستانة وكان لجده معاش مقداره ألف وخمسمائة قرش في كل شهر، وبعد موت جده انتقلت لأبيه وما زالت تتناقص إلى أن صارت تسعمائة وخمسين قرشاً، فأراد المترجم إرجاعها إلى أصلها فلم يمكن، غير أنهم وجهوا على والده ثلاثمائة قرش قيد حياة، فجاء المترجم إلى الشام بعد ما مكث في الآستانة نحواً من سنتين، ولم يمض مدة بعد حضوره إلا وقد توفي والده، فانقطعت الثلاثمائة، وأما المعاش الأول فإنه تخاصم مع عمه الشيخ أحمد عليه، وكل منهما يدعيه لنفسه وأنه أحق به، وطال الخصوم إلى أن أصلح بينهما مفتي الشام صالح أفندي قطنا مناصفة، فيه وفي مشيخة التكة النقشية.
وللمترجم نظم ونثر كثير، ومن ذلك قصيدته الرائية المؤرخة في كل شطر، التي بارك بها لسمو خديوي مصر، بمسند الخديوية. ومطلعها:
اللطف في أرجاء مصر يشير
…
أني بتوفيق العزيز بشير
1296 1296 - وما أرشق ما قال منها:
دانت إليه الآصفية منصباً
…
ودنا سروراً منبر وسرور
1296 1296 - ومن القصائد الحماسية، قصيدته البهية البائية، ومطلعها:
تجلى من العلم الإلهي كواكبه
…
لنا وبنا سارت إلينا مواكبه
ونحن وإن جر الخمول ذبوله
…
علينا فإنا للوجود مناقبه
وما الكون إلا شاعر وصفاتنا
…
مشارقه تشدو بها ومغاربه
وما أعلى ما قال منها:
توهم أهل الجهل إدراك شأونا
…
ومن نال هذا الفضل تسمو مراتبه
وهب أنهم قد أمطروا منه قطرة
…
فمن بعد ما انهلت علينا سحائبه
ومن ذلك قصيدته الغراء الرائية ومطلعها:
نحن الملوك على الأسره
…
في دولة الفقر المسرة
م ساح في ساحاتنا
…
نحمي من الأغيار سره
أو غاب عن غاباتنا
…
حرم الحماة من المعرة
ومن غزلياته وحسن اقتباساته:
أما وليال من ذوائبها عشر
…
وما نسخت بالفرق من صورة الفجر
وما كتبت بالمسك في وجناتها
…
فخالاتها تختال بالشفع والوتر
وسين جبين فوق نون حواب
…
على قمر والليل فيه إذا يسري
وما نفثت بالسحر من لحظاتها
…
وذا قسم لا ريب فيه لذي حجر
إذا كان من أهواه عني راضياً
…
فلا رضيت عني الأنام إلى الحشر
ومن موشحاته وطيب رشحاته:
سلم الله غزالاً سلما
…
بعيون كحلت بالنعس
وفم أتقنه الله فما
…
فيه عيب غير طيب اللعس
دور
ربرب ربي في وادي زرود
…
ما لوى الجيد إلى ماء اللوا
لو رآه البدر يهوى للسجود
…
وهو لا يعلم ما معنى الهوى
ذو محيا خاله فوق الخدود
…
ملك الزنج على العرش استوى
كل من علمه منع اللما
…
جاهل قدر حياة الأنفس
ما له من مشبه نفسي وما
…
لي فدا ذاك الرضاب الأنفس
ومن مقطفاته ما كتب به إلى أحد الفضلاء الكرام، وقد ذهب إلى بيت المقدس ووعده بالعود إلى دمشق الشام:
أسرت بآية الإسراء عبداً
…
تلهى بالعهود إذا تلاما
وما قالوا له إيه إذا ما
…
تحدث عنك إلا قال آها
ومن ذلك وقد عارض صاحب العقد الفريد في قوله:
إن يوم الفراق أفظع يوم
…
ليتني مت قبل يوم الفراق
فقال:
من تمنى الممات قبل الفراق
…
ما له في شرع الهوى من خلاق
كيفما كان قد تصبر حتى
…
ذاق يوف الفراق بين الرفاق
لو يكن صادق المحبة مثلي
…
مات خوفاً من ذكر يوم الفراق
ومن تطريزه في كل كلمة ما كتب إلى رئيس كتاب ولاية سورية الجليلة:
سلام على أقمار دهر ترى لهم
…
وضاءة حسن ساطع يوم تلمح
حرقت لهم مستعطفاً يوم أقبلوا
…
فؤادي نداً دائماً يتفوح
ومن ذلك ما أنشده عند دخوله إلى بيروت مقرظاً جرائدها السبع عام ثلاثمائة وألف فقال:
ثمرات مقتطف الجنان بشيرها
…
بلسان مصباح التقدم قائل
ظل المعارف وارف في روض بيروت وحزب الفضل فيه قائل
وكان والده رحمه الله يقرأ في كل يوم ثلاثا وجمعة صحيح البخاري صباحاً في حجرته في جامع السويقة وبعد موته جلس المترجم في مكانه. ثم بعد موت عمه الشيخ أحمد سافر المترجم إلى الدار العلية لتكون المشيخة والمعاش له بمفرده فلم ينجح ووجهت المشيخة على الجامع والمعاش على عمه الشيخ عبد الله، وتوفي المترجم في الآستانة وذلك سنة ألف وثلاثمائة وخمس عشرة.