الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أبو بكر باشا الطرابلسي والي مصر من طرف الدولة العثمانية وكانت ولايته
من سنة إحدى عشرة ومائتين وألف
كان وزيراً عاقلاً إلا أنه لم تساعده يد الإقبال، ولم تلاحظه عين العناية في تسديد الأقوال والأفعال، وذلك لاستطالة المماليك على الأراضي المصرية، ونفوذ كلمتهم بها على كلمة الوزارة العثمانية، فكان ما كان من خروجه ودخول الأجانب، وتسلطها على بلاد مصر وإيقاعها في المعاطب، وبيان ذلك مع التفصيل، المقتضي عدم التطويل، قال في الفتوحات الإسلامية، المنسوبة للحضرة الأحمدية الدحلانية: كانت مصر قبل أن تتملكها الدولة العثمانية بيد ملوك الجراكسة، وكان لهم كثير من المماليك الذين هم أيضاً من الجراكسة ومن غيرهم من الترك، فلما تملكت الدولة العثمانية مصر لم تزل المماليك باقين وفي كل وقت يزدادون حتى بلغوا غاية الكثرة، وكان منهم أمراء ورؤساء، فصارت لهم عصبية قوية، فتغلبوا على الأملاك والأراضي والأطيان والمحصولات والخراجات والجمارك، وكانوا إذا جاء الباشا المتولي على مصر من الدولة العلية ينقادون له في الظاهر وفي الباطن هم متغلبون، فكانوا يبقونه إذا أرادوا ويعزلونه إذا أرادوا، ولا يصل إلى الدولة من محصولات مصر إلا القليل والباقي بأيديهم، وكان لهم رؤساء، وعلى الجميع أمير كبير تحت أمر الوزير المتولي من السلطنة صورة وظاهراً فقط، فلما تغلبوا هذا التغلب كثر منهم الظلم والعدوان على المسلمين وغيرهم من طوائف النصارى واليهود، فيتعدون كثيراً عليهم لاسيما على تجارهم، وكانت الدولة العلية مشتغلة عنهم بكثرة الحرب مع النصارى، فطمع الفرنسيس في تملك مصر وإبعاد هؤلاء المماليك المتغلبين، وأوهموا على المسلمين أنهم إنما يريدون تخليص مصر منهم وبقاء الحكم فيها للدولة العلية، فجهز الفرنسيس عليها جيوشه بالسر والكتمان من غير اطلاع
أحد على ذلك وجاءوهم بغتة فتملكها على الوجه الآتي ذكره، وكان ذلك في شهر المحرم سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف، وكان الوزير المتولي على مصر من السلطنة العلية في تلك السنة هو المترجم المرقوم أبو بكر باشا الطرابلسي، وكانت ولايته من سنة إحدى عشرة ومائتين وألف، وكان للماليك المتغلبين على مصر أميران رئيسان على جميعهم وهما إبراهيم بك ومراد بك، كان تحت طوعهما جميع الصناجق والعساكر، فلما شاعت الأخبار بقدوم الفرنسيس للاستيلاء على مصر خرج الوزير المتولي من السلطنة العلية وهو أبو بكر باشا المتقدم ذكره من مصر وتوجه إلى غزة، ثم منها إلى دار السلطنة، وكان توجهه من مصر يوم السبت سابع شهر صفر من السنة المذكورة، وبقيت مصر بيد غبراهيم بك ومراد بك وصناجقهما والأمراء والعساكر التي تحت أيديهما، وكان أهل مصر عند خروج أبي بكر باشا من مصر وقبل خروجه بأيام يسمعون إشاعات عن مسير الفرنسيس إلى تملك مصر، ولم يقفوا على حقيقتها، فلما كان العشرون من المحرم من سنة ثلاث عشرة ومائتين وألف وصلت مراكب الفرنسيس مشحونة بالعساكر وآلات الحرب، فتقاتل من كان فيها من العساكر مع أهل الاسكندرية، ولم يكن أهل الاسكندرية مستعدين لقتالهم فلم يقدروا على دفعهم، لاسيما وقد جاءوهم بغتة فقاتلوهم قليلاً ثم طلبوا الأمان منهم، فأمنوهم ودخلوا الاسكندرية وملكوها، فلما جاء الخبر إلى مصر أخذ إبراهيم بك ومراد بك بالاستعداد لهم، وأبرزا جيشاً من العسكر إلى موضع يقال له الجسر الأسود، وأخرجوا المدافع وآلات الحرب واضطربت الناس في مصر، وكثر الهرج والمرج، وتقطعت الطرق وارتفع السعر وكثر السراق، ثم جاءهم مكتوب من الفرنسيس فيه بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه، وبعد ذلك كلام كثير من جملته: إني
أعبد الله وأحترم نبيه والقرآن العظيم وأنهم مسلمون يعنون أنفسهم مخلصون، وإثبات ذلك أنهم نزلوا في رومية الكبرى وخربوا فيها كرسي البابا الذي كان دائماً يحث النصارى على محاربة أهل الإسلام، ثم قصدوا مدينة مالطة وطردوا منها الذين كانوا يزعمون أن الله تعالى يطلب منهم مقاتلة أهل الإسلام، وكل ذلك من الكلام الذي يوهمون به على أهل الإسلام أنهم موحدون لله تعالى، وأنهم يحبون أهل الإسلام ويحبون سلطانهم، وأنهم إنما جاءوا لنصرة سلطان الإسلام، وإبعاد المماليك المتغلبين على ممالكه، ودفع ظلمهم عن الرعية، ومن جملة ما في ذلك الكتاب خطاباً للمسلمين: وما جئتكم لإزالة دينكم، وإنما قدمت إليكم لأخلص حقكم من يد الظالمين الصناجق المماليك
الذين يتسلطون في البلاد المصرية، ويعاملون الملة الفرنساوية بالذل والصغار، ويظلمون تجارهم ويؤذونهم بأنواع الإيذاء والتعدي، ويأخذون أموالهم ويفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها مثله، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم بانقضاء دولتهم، وإني أعبد الله سبحانه أكثر من المماليك، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بأحسن ما فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العلية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء منهم سيديرون الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك. يتسلطون في البلاد المصرية، ويعاملون الملة الفرنساوية بالذل والصغار، ويظلمون تجارهم ويؤذونهم بأنواع الإيذاء والتعدي، ويأخذون أموالهم ويفسدون في الإقليم الحسن الأحسن الذي لا يوجد في كرة الأرض كلها مثله، فأما رب العالمين القادر على كل شيء فإنه قد حكم بانقضاء دولتهم، وإني أعبد الله سبحانه أكثر من المماليك، واحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا لهم إن جميع الناس متساوون عند الله تعالى، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو العقل والفضائل والعلوم فقط، وبين المماليك والعقل والفضائل تضارب، فماذا يميزهم عن غيرهم حتى يستوجبوا أن يتملكوا مصر وحدهم ويختصوا بأحسن ما فيها من الجواري الحسان والخيل العتاق والمساكن المفرحة، ولكن رب العالمين رؤوف وعادل وحليم، ولكن بعونه تعالى من الآن فصاعداً لا ييأس أحد من أهالي مصر عن الدخول في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العلية، فالعلماء والفضلاء والعقلاء منهم سيديرون
الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، وسابقاً كان في الأراضي المصرية المدن العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما أزال ذلك كله إلا الظلم والطمع من المماليك.
أيها المشايخ والقضاة والأئمة وأعيان البلد، قولوا لأمتكم أن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون، ومع ذلك فالفرنساوية في كل وقت من الأوقات صاروا محبين مخلصين لحضرة السلطان العثماني، وأعداء أعدائه أدام الله ملكه، ومع ذلك إن المماليك امتنعوا من إطاعة السلطان غير ممتثلين لأمره فما أطاعوا أصلاً إلا لطمع أنفسهم، طوبى ثم طوبى لأهالي مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير، فيصلح حالهم وتعلو مراتبهم، طوبى أيضاً للذين يقعدون في مساكنهم غير ماثلين لأحد الفريقين المتحاربين، فإذا عرفونا بالأكثر تسارعوا إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يعتمدون على المماليك في محاربتنا، فلا يجدون بعد ذلك طريقاً إلى الخلاص ولا يبقى منهم أثر، وإن جميع القرى الواقعة في دائرة قريبة بثلاث ساعات عن المواضع التي يمر بها عسكر الفرنساوية، فواجب عليها أن ترسل للسر عسكر من عندها وكلاء كيما يعرف المشار إليه أنهم أطاعوا، وأنهم نصبوا علم الفرنساوية الذي هو أبيض وأكحل وأحمر، وأن كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار، وأن كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي أيضاً تنصب صناجق السلطان العثمان محبنا دام بقاؤه، والواجب على المشايخ والعلماء والقضاة والأئمة أنهم يلازمون وظائفهم، وعلى كل أحد من أهالي البلدان أن يبقى في مسكنه مطمئناً، وتكون الصلاة تامة في الجوامع على العادة، والمصريون بأجمعهم ينبغي أن يشكروا الله تعالى على انقضاء دولة المماليك قائلين بصوت عال أدام الله إجلال السلطان العثماني، أدام الله جلال العسكر الفرنساوي، لعن الله المماليك وأصلح حال الأمة المصرية، وعلى المشايخ في كل بلد يختموا حالاً على جميع الأرزاق والبيوت والأملاك التي للمماليك، وعليهم الاجتهاد التام أن لا يضيعوا أدنى شيء منها.
وفي التاسع والعشرين من المحرم قدموا إلى مصر فاستقبلهم عسكر مصر عند الرحمانية وهزموا إلى الجيزة، والتقوا عند بشقيل وحصلت مقتلة عظيمة، وقدر الله أن المسلمين هزموا ففر مراد بك ومن معه إلى الصعيد، وفر إبراهيم بك ومن معه في البر الشرقي إلى الشام، وقيل لم يقع قتال كثير وإنما هي مناوشة من طلائع العسكر بحيث لم يقتل إلا القليل من الفريقين، وكانت مراكب في البحر لمراد بك فاحترقت بما فيها من الجبخانه والآلات الحربية، واحترق بها رئيس الطبجية، واحترق من فيها من المحاربين، فلما عاين ذلك مراد بك دخله الرعب وولى منهزماً، وترك الأثقال والمدافع التي في البر، وتبعته العساكر، وركب إبراهيم بك إلى ساحل بولاق طرف البر الشرقي، ورجع الناس منهزمين طالبين مصر، فاجتمع الباشا والعلماء ورؤوس الناس يتشاورون في هذا الحادث العظيم، فاتفق رأيهم على عمل متاريس من بولاق إلى شبرا، ويتولى افقامة ببولاق إبراهيم بك وكشافه ومماليكه، وقد كانت العلماء عند ابتداء هذا الحادث تجتمع بالأزهر كل يوم ويقرؤون البخاي وغيره من الدعوات، وكذلك مشايخ الطرائق وأتباعهم، وكذا أطفال المكاتب، ويذكرون الاسم اللطيف وغيره من الأسماء. ويوم الاثنين حضر مراد بك إلى بر امبابه وشرع في عمل متاريس هناك ممتدة إلى بشقيل، وتولى ذلك هو وصناجقه وأمراؤه، وكان معه في ذلك علي باشا الطرابلسي ونصوح باشا، وأحضروا المراكب الكبار والغلايين التي أنشأها بالجيزة وأوقفها على ساحل أمبابه، وشحنها بالعساكر والمدافع والمتاريس والخيالة والمشاة، ومع ذلك فقلوب الأمراء لم تطمئن بذلك، فإنهم من وصول الخبر الأول لهمم من الاسكندرية شرعوا في نقل أمتعتهم من البيوت الكبار المشهورة المعروفة، إلى البيوت الصغار التي لا يعرفها أحد، واستمروا طول الليالي ينقلون الأمتعة ويوزعونها عند معارفهم وثقاتهم، وأرسلوا البعض منها لبلاد الأرياف، وأخذوا أيضاً في تشهيل الأحمال واستحضار دواب للشيل
وأسباب الارتحال، فلما رأى أهل البلد منهم ذلك داخلهم الخوف الكثير والفزع، واستعد الأغنياء وأهل المقدرة للهرب، ولولا أن الأمراء منعوهم من ذلك لما بقي بمصر منهم أحد، وفي يوم الثلاثاء نادوا بالنفير العام وخروج الناس للمتاريس، فأغلق الناس الدكاكين والأسواق، وخرج الجميع لبولاق، فكانت كل طائفة من طوائف أهل الصناعات يجمعون الدراهم من بعضهم وينصبون لهم خياماً ويجلسون في مكان خراب أو مسجد، ويرتبون أمرهم فيمن يصرف لهم ما يحتاجون غليه من الدراهم التي جمعوها، ويجعلون عليهم قيماً يباشر ذلك، وبعض الناس يتطوع على بعض في الإنفاق، ومن الناس من يجهز جماعة من المغاربة والشوام بالسلاح والأكل وغير ذلك، بحيث أن جميع الناس بذلوا وسعهم وفعلوا ما في قوتهم وطاقتهم، وسمحت نفوسهم بإنفاق أموالهم فلم يشح أحد في ذلك الوقت بشيء يملكه، ولكن لم يسعفهم الدهر، وخرجت الفقراء وأرباب الأشائر بالطبول والزمر والأعلام والكاسات، وهم يضجون ويصيحون بأذكار مختلفة، وصعد السيد عمر مكرم نقيب الأشراف إلى القلعة فأخرج بيرقاً كبيراً سمته العامة بيرق النبي صلى الله عليه وسلم، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح ومعهم الطبول والزمور، وغير ذلك وأما مصر فإنها صارت خالية الطرق لا تجد بها سوى النساء في البيوت، وضعفاء الرجال الذين لا يقدرون على الحركة، وغلا سعر البارود والرصاص جداً بحيث بيع الرطل البارود بستين نصفاً، والرصاص بتسعين نصفاً، وغلا جنس أنواع السلاح وقل وجوده، وخرج معظم الرعايا بالنبابيت والعصي والمسارق، وجلس مشايخ العلماء بزاوية علي بيك ببولاق يدعون ويبتهلون إلى الله تعالى بالنصر، وأقام غيرهم من الرعايا بالبيوت والزوايا والخيام. ومحصل الأمر أن جميع من بمصر من الرجال تحول إلى بولاق،
وأقام بها من حين نصب إبراهيم بيك العرضي هناك إلى وقت الهزيمة، سوى القليل من الناس الذين لا يجدون لهم مكاناً ولا مأوى فيرجعون إلى بيوتهم يبيتون بها ثم يصبحون إلى بولاق، وأرسل إبراهيم بيك إلى العربان المجاورة لمصر ورسم لهم أن يكونوا من المقدمة بنواحي شبرا وما والاها، وكذلك اجتمع عند مراد بيك الكثير من عرب البحيرة والجيزة والصعيد والخبيرية والقبعان وأولاد علي
والقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوماً فيوماً لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوساً أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو. لقناوبة وغيرهم، وفي كل يوم يتزايد الجمع ويعظم الهول، ويضيق الحال بالفقراء الذين يحصلون أقواتهم يوماً فيوماً لتعطل الأسباب واجتماع الناس كلهم في صعيد واحد، وانقطعت الطرق وتعدى الناس بعضهم على بعض لعدم التفات الحكام واشتغالهم بما دهمهم، وكذلك العرب أغارت على الأطراف والنواحي، وقامت الأرياف على ساق يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، وصار قطر مصر من أوله إلى آخره في قتل ونهب وإخافة طريق وقيام شر وغارة على الأموال وإفساد المزارع وغير ذلك من أنواع الفساد الذي لا يحصى، وطلب أمراء مصر تجار الإفرنج الذين بمصر وحبوهم في القلعة، وفي بعض أماكن غير القلعة من بيوت الأمراء، وصاروا يفتشون في الإفرنج على الأسلحة وغيرها، وكذلك بيوت النصارى الشوام والأقباط والأروام والكنائس على الأسلحة، والعامة لا ترضى إلا أن يقتلوا النصارى واليهود فيمنعهم الحكام عنهم، ولولا ذلك المنع لقتلهم العامة وقت هذه الفتنة، ثم في كل يوم تكثر الإشاعة بقرب الفرنسيس إلى مصر، وتختلف الناس في الجهة التي يجيئون منها، فمنهم من يقول أنهم واصلون من البر الغربي، ومنهم من يقول من الشرقي، ومنهم من يقول بل يأتون من الجهتين، وليس لأحد من الأمراء همة أن يبعث جاسوساً أو طليعة تناوشهم القتال قبل قربهم ووصولهم إلى فناء مصر، بل كل من إبراهيم بيك ومراد بيك جمع عساكره ومكث في مكانه لا ينتقل عنه ينتظر ما يفعل بهم، وليس هناك قلعة ولا حصن ولا معقل، وهذا من سوء التدبير وإهمال أمر العدو.
ولما كان يوم الجمعة سادس شهر صفر وصل الفرنسيس إلى الجسر الأسود، وأصبح يوم السبت فوصل أم دينار، فعندها اجتمع العالم العظيم من الجند والرعايا والفلاحين والمجاورة بلادهم، ولكن الأجناد متنافرة قلوبهم، منحلة عزائمهم، مختلفة آراؤهم، حريصون على حياتهم وتنعمهم ورفاهيتهم، مختالون في ريشهم مغترون بجمعهم، محتقرون شأن عدوهم، مرتبكون في رؤيتهم مغمورون في غفلتهم، وهذا كله من أسباب ما وقع من خذلانهم وهزيمتهم. وقد كان الظن بالفرنسيس أن يأتوا من البرين بل أشيع ذلك، فلم يأتوا إلا من البر الغربي، ولما كان وقت القيلولة ركب جماعة من العساكر التي بالبر الغربي، وتقدموا إلى ناحية بشقيل بلد مجاروة لأنبابه، فتلاقوا مع مقدمة الفرنسيس فكروا عليهم بالخيول، فضربهم الفرنسيس ببنادقهم المتتابعة الرمي وأبلى الفريقان، وقتل أيوب بيك الدفتر دار وكثير من كشاف محمد بيك الألفي ومماليكهم، تبعهم طابور من الإفرنج نحو الستة آلاف، وكان رئيسهم الكبير بونابارته لكنه لم يشهد الوقعة، بل حضر بعد الهزيمة، وكان بعيداً عن هؤلاء بكثير، ولما قرب طابور الفرنسيس من متاريس مراد بيك ترامى الفريقان بالمدافع، وكذلك العسكر المحاربون البحرية، وحضر عدة وافرة من عساكر الأرناؤوط من دمياط، وطلعوا إلى أنبابه وانضموا إلى المشاة وقاتلوا معهم في المتاريس، فلما عاين وسمع عسكر البر الشرقي في القتال ضج العامة والغوغاء من الرعية وأخلاط الناس بالصياح، ورفعوا الأصوات بقولهم يا رب يا لطيف، ويا رجال الله ونحو ذلك وكأنهم يقاتلون ويحاربون بصياحهم، فكان العقلاء من الناس يأمرونهم بترك ذلك، ويقولون لهم إن الرسول والصحابة والمجاهدين إنما كانوا يقاتلون بالسيف والحراب وضرب الرقاب، لا برفع الصوت والصراخ
والنباح، فلا يستمعون ولا يرجعون عما هم فيه، ومن يقرأ ومن يسمع؟ وركب طائفة كبيرة من الأمراء والأجناد من العرضي الشرقي ومعهم إبراهيم بيك الوالي، وشرعوا في التعدية إلى البر الغربي في المراكب، فتزاحموا على المعادي لكون التعدية من محل واحد والمراكب قليلة جداً، فلم يصلوا إلى البر الآخر حتى وقعت الهزيمة على المحاربين، هذا والريح العاصفة قد اشتد هبوبها وأمواج البحر في قوة اضطرابها والرمال يعلو غبارها وتنسفها الريح في وجوه المصريين، فلا يقدر أحد أن يفتح عينيه مع شدة الغبار وكون الريح من ناحية العدو، وذلك من أعظم أسباب الهزيمة كما هو منصوص عليه.
ثم إن الطابور الذي تقدم لقتال مراد بك انقسم على تراتيب معلومة عندهم في الحرب وتقارب من المتاريس، بحيث صار محيطاً بالعسكر من خلفه وأمامه، ودق طبوله وأرسل بنادقه المتتابعة والمدافع ترمي، واشتد هبوب الريح وانعقد الغبار، وأظلمت الدنيا من دخان البارود وغبار الريح، وصمت الأسماع من توالي الضرب، بحيث خيل للناس أن الأرض تزلزت والسماء عليها سقطت، واستمر الحرب والقتال نحو ثلثي ساعة ثم كانت الهزيمة على العسكر الغربي، فغرق الكثير من الخيالة في البحر لإحاطة العدو بهم وظلام الدنيا، والبعض وقع أسيراً في يد الفرنسيس وملكوا المتاريس، وفر مراد بك ومن معه إلى الجيزة فصعد إلى قصره وقضى بعض أشغاله في نحو ربع ساعة، ثم ركب وذهب إلى الجهة القبلية، وبقيت القتلى والثياب والأمتعة والأسلحة والفرش ملقاة على الأرض ببر أنبابه، وألقى كثير نفسه في البحر، ولما انهزم العسكر الغربي تحول الفرنسيس بالمدافع والبنادق على البر الشرقي وضربوها وتحقق أهل البر الآخر الهزيمة، فقامت فيهم ضجة عظيمة، وركب في الحال إبراهيم بك والأمراء والعسكر والرعايا وتركوا جميع الأثقال والخيام كما هي لم يأخذوا منها شيئاً،
فأما إبراهيم بك والأمراء فساروا إلى جهة العادلية، وأما الرعايا فهاجوا وماجوا ذاهبين جهة المدينة ودخلوها أفواجاً أفواجاً، وهم جميعاً في غاية الخوف والفزع وترقب الهلاك، وهم يضجون بالعويل والنحيب، ويبتهلون إلى الله تعالى من شر هذا اليوم الوصيب، والنساء يصرخن بأعلى أصواتهن من البيوت، وقد كان ذلك قبل الغروب، فلما استقر إبراهيم بيك بالعادلية أرسل يأخذ حريمه، وكذلك من معه من الأمراء، فأركبوا النساء على الخيول والبغال والحمير والجمال، والبعض ماش كالجواري والخدم، واستمر معظم الناس طول الليل خارجين من مصر، البعض بحريمه والبعض ينجو بنفسه ولا يسأل أحد عن أحد، بل كل واحد مشغول بنفسه عن أبيه وابنه، فخرج تلك الليلة معظم أهل مصر، البعض لبلاد الصعيد والبعض لجهة الشرق وهم الأكثر، وأقام بمصر كل مخاطر بنفسه لا يقدر على الحركة ممتثلاً للقضاء متوقعاً للمكروه، وذلك لعدم قدرته وقلة ذات يده وما ينفقه على حمل عياله وأطفاله ويصرفه عليهم في الغربة، فاستسلم للمقدور ولله عاقبة الأمور، والذي أزعج قلوب الناس بالأكثر أن في عشاء تلك الليلة شاع في الناس أن الافرنج عدوا إلى بولاق وأحرقوها، وكذلك الجيزة، وأن أولهم وصل إلى باب الحديد يحرقون ويقتلون ويفجرون بالنساء، وكان السبب في هذه الإشاعة أن بعض عسكر مراد بيك الذين كانوا في الغليون لمرسى أنبابة لما تحقق الكسرة أضرم النار في الغليون الذي هو فيه، وكذلك مراد بيك لما رحل من الجيزة أمر بانجرار الغليون الكبير من قبالة قصره ليصحبه معه إلى الجهة القبلية، فمشوا به قليلاً فوقف في الطين لقلة الماء وكان به عدة وافرة من آلات الحرب والجيخانه فأمر بحرقه أيضاً، فلما صعد لهيب النار من جهة الجيزة وبولاق ظنوا بل أيقنوا أنهم أحرقوا البلدين، فماجوا واضطربوا زيادة عما هم فيه من الفزع والروع والجزع، وخرج أعيان الناس وأفندية الوجاقات وأكابرهم ونقيب الأشراف
وبعض المشايخ القادرين، فلما عاين العامة والرعية ذلك اشتد ضجرهم وخوفهم وتحركت عزائمهم للهرب واللحاق بهم، والحال أن الجميع لا يدرون أي جهة يسلكون وأي طريق يذهبون وأي محل يستقرون، فتلاحقوا وتسابقوا وخرجوا من كل حدب ينسلون، وبيع الحمار الأعرج والبغل الضعيف بأضعاف ثمنه، وخرج أكثرهم ماشياً أو حاملاً متاعه على رأسه وزوجته حاملة طفلها، ومن قدر على مركوب أركب زوجته أو ابنته ومشى هو على أقدامه، وخرج غالب النساء ماشيات حاسرات وأطفالهن على أكتافهن يبكين في ظلمة الليل، واستمروا على ذلك بطول ليلة الأحد وصبحها، وأخذ كل إنسان ما قدر على حمله من مال ومتاع، فلما خرجوا من باب البلد وتوسطوا الفلاة تلقتهم العربان والفلاحون، فأخذوا متاعهم ولباسهم وأحمالهم بحيث لم يتكروا لمن صادفوه ما يستر به عورته أو يسد جوعته، فكان ما أخذته العرب شيئاً كثيراً يفوق الحصر بحيث أن الأموال والذخائر التي خرجت من مصر في تلك الليلة أضعاف ما بقي فيها بلا شك، لأن معظم الأموال عند الأمراء والأعيان وحريمهم، وقد أخذوه صحبتهم، وغالب مساتير الناس وأهل المقدرة أخرجوا أيضاً ما عندهم، والذي
أقعده العجز وكان عنده ما يعجز عليه حمله من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين، فذهب ذلك جميعه، وربما قتلوا من قدروا على قتله أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والأعيان، فمنهم من رجع عن قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين، ومنهم من جاز متكلاً على كثرته وعزوته وخفارته فسلم أو عطب، وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين، قال الشاهد فما راء كمن سمع. أقعده العجز وكان عنده ما يعجز عليه حمله من مال أو مصاغ أعطاه لجاره أو صديقه الراحل، ومثل ذلك أمانات وودائع الحجاج من المغاربة والمسافرين، فذهب ذلك جميعه، وربما قتلوا من قدروا على قتله أو دافع عن نفسه ومتاعه، وسلبوا ثياب النساء وفضحوهن وهتكوهن وفيهم الخوندات والأعيان، فمنهم من رجع عن قريب وهم الذين تأخروا في الخروج وبلغهم ما حصل للسابقين، ومنهم من جاز متكلاً على كثرته وعزوته وخفارته فسلم أو عطب، وكانت ليلة وصباحها في غاية الشناعة، جرى فيها ما لم يتفق مثله في مصر، ولا سمعنا بما شابه بعضه في تواريخ المتقدمين، قال الشاهد فما راء كمن سمع.
ولما أصبح يوم الأحد المذكور
والمقيمون لا يدرون ما يفعل بهم ومتوقعون حلول الفرنسيس ووقوع المكروه، ورجع الكثير من الفارين وهم في أسوأ حال من العري والفزع، فتبين أن الإفرنج لم يعدوا إلى البر الشرقي وإن الحريق كان في المواكب المتقدم ذكرها، فاجتمع في الأزهر بعض العلماء والمشايخ وتشاوروا فاتفق رأيهم على أن يرسلوا مراسلة إلى الإفرنج وينتظروا ما يكون من جوابهم، ففعلوا ذلك، وأرسلوا صحبة شخص مغربي لا يعرف لغتهم وآخر صحبته، فغابا وعادا وأخبرا أنهما قابلا كبير القوم وأعطياه الرسالة فقرأها عليه ترجمانه ومضمونها الاستفهام عن قصدهم، فقال على لسان الترجمان: وأين عظاؤكم ومشايخكم لم تأخروا عن الحضور لدينا لنرتب لهم ما يكون فيه الراحة؟ وطمنهم وبش في وجوههم. فقالا: نريد أماناً منكم، فقال: قد أرسلنا لكم سابقاً، يعنون الكتاب المذكور فيما تقدم، فقالا: وأيضاً نريد أماناً لأجل اطمئنان الناس، فكتبوا لهم ورقة أخرى مضمونها أننا أرسلنا لكم في السابق كتاباً فيه الكفاية، وذكرنا لكم أننا ما حضرنا إلا بقصد إزالة المماليك الذين يستعملون الفرنساوية بالذل والاحتقار، وأخذ مال التجار ومال السلطان، ولما حضرنا إلى البر الغربي خرجوا إلينا فقابلناهم بما يستحقونه، وقتلنا بعضهم وأسرنا بعضهم ونحن في طلبهم حتى لم يبق منهم أحد بالقطر المصري، وأما العلماء والمشايخ وأصحاب المرتبات والرعية فيكونون مطمئنين وفي مساكنهم مرتاحين ونحو ذلك من الكلام، ثم قال لهم لابد أن المشايخ والشربجية يأتون إلينا لنرتب لهم ديواناً ننتخبه من سبعة أشخاص عقلاء يدبرون الأمور. ولما رجع الجواب بذلك اطمأن الناس، وركب الشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي وآخرون إلى الجيزة، فتلقاهم وضحك لهم، وقال أنتم المشايخ الكبار، فأعلموه أن المشايخ الكبار خافوا وهربوا، فقال لأي شيء يهربون اكتبوا لهم بالحضور ونعمل لكم ديواناً لأجل راحتكم وراحة الرعية وإجراء الشريعة
فكتبوا لهم عدة مكاتيب بالحضور والأمان، ثم انفصلوا من معسكرهم بعد العشاء وحضروا إلى مصر، واطمأن برجوعهم الناس، وكانوا في وجل وخوف على غيابهم، وأصبحوا فأرسلوا الأمان إلى المشايخ، فحضر شيخ السادات والشيخ الشرقاوي والمشايخ ومن انضم إليهم من الناس الفارين من ناحية المطرية، وأما عمر أفندي نقيب الأشراف فإنه لم يطمئن ولم يحضر، وكذلك الروزنامجي والأفندية. وفي ذلك اليوم اجتمعت الجعيدية وأوباش الناس ونهبوا بيت إبراهيم بيك ومراد بيك وحرقوهما، ونهبوا أيضاً عدة بيوت من بيوت الأمراء وأخذوا ما فيها من فرش ونحاس وأمتعة وغير ذلك وباعوه بأبخس الأثمان. وفي يوم الثلاثاء دخلت الفرنساوية إلى مصر وسكن بونابارتة بيت محمد بيك الألفي بالأزبكية الذي أنشأه الأمير المذكور في السنة الماضية، وزخرفه وصرف عليه أموالاً عظيمة وفرشه بالفرش الفاخرة، وعند تمامه وسكناه حصلت هذه الحادثة، فما دخلوه بل تركوه بما فيه فكأنه إنما كان يبنيه لأمير الفرنسيس، وكذلك حصل في بيت حسن كاشف بالناصرية. ولما دخل كبيرهم وسكن بالأزبكية كما ذكر استمر غالبهم بالبر الآخر ولم يدخل المدينة إلا القليل منهم، ومشوا في الأسواق من غير سلاح ولا تعد، بل صاروا أيضاً يحاكون الناس ويشترون ما يحتاجون إليه بأغلى ثمن، فيأخذ أحدهم الدجاجة ويعطي صاحبها في ثمنها ريالاً فرانسي، ويأخذ البيضة بنصف فضة قياساً على أسعار بلادهم وأثمان بضائعهم فلما رأى منهم العامة ذلك أنسوا بهم واطمأنوا لهم، وخرجوا إليهم بالكعك وأنواع الفطير والخبز والبيض والدجاج وأنواع المأكولات، وغير ذلك مثل السكر والصابون والدخان واللبن، وصاروا يبيعون إليهم بما أحبوا من الأسعار، وفتح غالب السوقة الحوانيت والقهاوي، واطمأن الناس لذلك وهدأت الخواطر وطابت الأفكار، وغلب الأمان على الخوف وراج أمر البيع والشراء. وفي يوم الخميس
ثالث عشر شهر صفر أرسلوا يطلبون المشايخ والوجاقلية عند قائم مقام سر عسكر، فلما حضروا تشاور معهم في تعيين عشرة أنفار من المشايخ للديوان وفصل الحكومات، فوقع الاتفاق على الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ خليل البكري والشيخ مصطفى الصاوي والشيخ سليمان الفيومي والشيخ محمد المهدي والشيخ موسى السرسي والشيخ مصطفى الدمنهوري والشيخ أحمد العريشي والشيخ يوسف الشبرخيتي والشيخ
محمد الدواخلي، وحضر ذلك المجلس أيضاً مصطفى كتخدا والقاضي، وقلدوا محمد آغا السلماني اغاة مستحفظات، وعلي آغا الشعراوي والي الشرط وحسن آغا أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك، فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا بيك كتخدا بونابارته، وسأل أربا الديوان المذكورين عما وقع من النهب للبيوت، فقالوا هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه، وإنما ذلك وظيفة الحكام، ثم أمروا بالنداء بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، فلم يسمعوا ولم ينتهوا واستمر غالب الأسواق والدكاكين معطلة، والناس غير مطمئنين. وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة التي للأمراء ودخلوها، وأخذوا منها أشياء وخرجوا منها وتركوها مفتوحة، فعندما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية يستأصلون ما فيها، ثم إن معسكرهم صارت تدخل المدينة شيئاً فشيئاً حتى امتلأت منها الطرقات، وسكنوا في البيوت ولم يشوشوا على الناس، ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وبعد أيام طلبوا سلفة خمسماية ألف ريال من التجار، فأخذوا في تحصيلها بعد مراجعتهم في تخفيفها فلم يفعلوا ونادوا بالأمان لنساء الأمراء، وأمروا كل من عندها شيء من متاع زوجها تأتي به، وصالحت زوجة مراد بيك عن نفسها وأتباعها من نساء الأمراء بماية وعشرين ألف ريال، واستخرجوا من الخبايا شيئاً كثيراً، ثم طلبوا من أهل الحرف والأسواق مبلغاً من المال يعجزون عنه، فاستغاثوا بالمشايخ فتشفعوا عندهم فلطفوها لهم. ولما جاء وقت مولد النبي صلى الله عليه وسلم أمروا بصنعه على المعتاد وأعطوا من عندهم إعانة على ذلك ثلاثمائة ريال، وصنعوا شنكاً ليلة المولد، وجاءت مراكب الإنكليز وحاربت مراكب الفرنسيس، وأحرقوا لهم مركباً كبيراً، واستمر أياماً ثم ذهبوا، وأما إبراهيم بك ومراد بيك فذهبوا إلى غزة ثم رجعوا إلى جهة الفيوم. وفي شهر ربيع الثاني طلبوا من الناس حجج أملاكهم وقيدوها عندهم، ووضعوا عليها قدراً معلوماً من الدراهم، وأمروا المشايخ أن يكتبوا للسلطان كتاباً مضمونه الثناء عليهم وحسن سيرتهم، وأنهم من المحبين للسلطان، وأنهم محترمون للقرآن والإسلام ففعلوا، وفي عاشر جمادى الأولى جمعوا الناس وقرروا على الأملاك أموالاً زيادة عما كان قبل ذلك، وهاج عامة الناس ونادوا بالجهاد، ووقع قتال قتل فيه خلق كثير، ثم صار النداء بالأمان، ثم تتبعوا كثيراً ممن كان قائماً في تلك الفتنة فقتلوه. وأما كيفية مجالسهم وبقية الترتيب في نظامات دولتهم فهو طويل لا حاجة لذكره، وكذا ما كان يجري من الحوادث. ولما جاءت أخبار دخول الفرنسيس مصر إلى الحجاز قام شيخ عالم مغربي بمكة يقال له محمد الجيلاني واستنفر الناس للجهاد، فاجتمع معه خلق كثير ووصلوا إلى الصعيد وقاتلوا من وجدوه من الفرنسيس، ولم يقدروا على استخلاص الأقطار المصرية منهم، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم ورجع القليل منهم. د الدواخلي، وحضر ذلك المجلس أيضاً مصطفى كتخدا والقاضي، وقلدوا محمد آغا السلماني اغاة مستحفظات، وعلي آغا الشعراوي والي الشرط وحسن آغا أمين احتساب، وذلك بإشارة أرباب الديوان فإنهم كانوا ممتنعين من تقليد المناصب لجنس المماليك، فعرفوهم أن سوقة مصر لا يخافون إلا من الأتراك، ولا يحكمهم سواهم، وهؤلاء المذكورون من بقايا البيوت القديمة الذين لا يتجاسرون على الظلم كغيرهم، وقلدوا ذا الفقار كتخدا بيك كتخدا بونابارته، وسأل أربا الديوان المذكورين عما وقع من النهب للبيوت، فقالوا هذا فعل الجعيدية وأوباش الناس، فقال لأي شيء يفعلون ذلك وقد أوصيناكم بحفظ البيوت والختم عليها، فقالوا هذا أمر لا قدرة لنا على منعه، وإنما ذلك وظيفة الحكام، ثم أمروا بالنداء بالأمان وفتح الدكاكين والأسواق والمنع من النهب، فلم يسمعوا ولم ينتهوا واستمر غالب الأسواق والدكاكين معطلة، والناس غير مطمئنين. وفتح الفرنسيس بعض البيوت المغلقة التي للأمراء ودخلوها، وأخذوا منها أشياء وخرجوا منها وتركوها مفتوحة، فعندما يخرجون منها يدخلها طائفة الجعيدية يستأصلون ما فيها، ثم إن معسكرهم صارت تدخل المدينة شيئاً فشيئاً حتى امتلأت منها الطرقات، وسكنوا في البيوت ولم يشوشوا على الناس، ويأخذون المشتروات بزيادة عن ثمنها، وبعد أيام طلبوا سلفة خمسماية ألف ريال من التجار، فأخذوا في تحصيلها بعد مراجعتهم في تخفيفها فلم يفعلوا
ونادوا بالأمان لنساء الأمراء، وأمروا كل من عندها شيء من متاع زوجها تأتي به، وصالحت زوجة مراد بيك عن نفسها وأتباعها من نساء الأمراء بماية وعشرين ألف ريال، واستخرجوا من الخبايا شيئاً كثيراً، ثم طلبوا من أهل الحرف والأسواق مبلغاً من المال يعجزون عنه، فاستغاثوا بالمشايخ فتشفعوا عندهم فلطفوها لهم. ولما جاء وقت مولد النبي صلى الله عليه وسلم أمروا بصنعه على المعتاد وأعطوا من عندهم إعانة على ذلك ثلاثمائة ريال، وصنعوا شنكاً ليلة المولد، وجاءت مراكب الإنكليز وحاربت مراكب الفرنسيس، وأحرقوا لهم مركباً كبيراً، واستمر أياماً ثم ذهبوا، وأما إبراهيم بك ومراد بيك فذهبوا إلى غزة ثم رجعوا إلى جهة الفيوم. وفي شهر ربيع الثاني طلبوا من الناس حجج أملاكهم وقيدوها عندهم، ووضعوا عليها قدراً معلوماً من الدراهم، وأمروا المشايخ أن يكتبوا للسلطان كتاباً مضمونه الثناء عليهم وحسن سيرتهم، وأنهم من المحبين للسلطان، وأنهم محترمون للقرآن والإسلام ففعلوا، وفي عاشر جمادى الأولى جمعوا الناس وقرروا على الأملاك أموالاً زيادة عما كان قبل ذلك، وهاج عامة الناس ونادوا بالجهاد، ووقع قتال قتل فيه خلق كثير، ثم صار النداء بالأمان، ثم تتبعوا كثيراً ممن كان قائماً في تلك الفتنة فقتلوه. وأما كيفية مجالسهم وبقية الترتيب في نظامات دولتهم فهو طويل لا حاجة لذكره، وكذا ما كان يجري من الحوادث. ولما جاءت أخبار دخول الفرنسيس مصر إلى الحجاز قام شيخ عالم مغربي بمكة يقال له محمد الجيلاني واستنفر الناس للجهاد، فاجتمع معه خلق كثير ووصلوا إلى الصعيد وقاتلوا من وجدوه من الفرنسيس، ولم يقدروا على استخلاص الأقطار المصرية منهم، فقاتلوا حتى قتل أكثرهم ورجع القليل منهم.
ثم جهز الفرنسيس جيشاً لمحاربة أحمد باشا الجزار في عكا، فملكوا كثيراً من قرى الشام وحاصروا أحمد باشا في عكا ثم عجزوا عن أخذها، فارتحلوا عنها. وأجروا ما يعتاده أهل مصر من مولد السيد أحمد البدوي وغيره على حسب المعتاد، وكذا إخراج المحمل والحج، وحصل بينهم
وبين أهل الأرياف محاربات كثية حتى ملكوهم كلهم، وصاروا يتبعون الأمراء من المماليك ويقتلون من ظفروا به، وحضرت مراكب إلى السويس فيها أموال وبضائع للشريف غالب، فمسحوا عن عشورها وحصل بينه وبينهم مكاتبات ومهاداة بهدايا عندهم، ووضعوا الشيخ العريشي قاضياً للمسلمين يحكم بالشرع، وتوجه بانوبارته إلى بلاد الفرنسيس سنة أربع عشرة وجعل ساري عسكرهم نائباً عنه بمصر، ثم ترقى بونابارته حتى صار ملكاً على كافة الفرنسيس. وفي شهر رجب من سنة أربع عشرة جاء جيش من السلطان سليم يقوده يوسف باشا ومعه نصوح باشا جعلوه والياً على مصر، وهو الذي يقال له أيضاً ناصف باشا، وسار من جهة الشام حتى وصلوا إلى العريش، فاستعد الفرنسيس لقتالهم وخرج بجنوده إلى الصالحية، ثم توسط الإنكليز بالصلح على شروط كثيرة، منها أن الفرنسيس يتنحى عن الديار المصرية بعد ثلاثة أشهر، ففي تلك المدة صار الناس يحتقرونهم يسخرون بهم، ويقول بعضهم لبعض سنة مباركة ويوم سعيد بذهاب الكلاب الكفرة، كل ذلك بمشاهدة الفرنسيس وهم يحقدون ذلك عليهم، وكشف همج الناس نقاب الحياء معهم بالكلية، وتطاولوا عليهم بالسب واللعن والسخرية ولم يفكروا في عواقب الأمور، حتى إن فقهاء الأطفال كانوا يجمعون الأطفال ويمشون فرقاً وطوائف وهم يجهرون ويقولون كلاماً مقفى بأعلى أصواتهم يلعن النصارى وأعوانهم وأفراد رؤسائهم، كقولهم ينصر الله السلطان ويهلك فرط الرمان. ولم يملكوا لأنفسهم صبراً، حتى تنقضي الأيام المشروطة، على أن ذلك لم يثمر إلا الحقد والعداوة التي تأسست في قلوب الفرنسيس، وأخذ الفرنساوية في أهبة الرحيل، وشرعوا في بيع أمتعتهم وما فضل من سلاحهم ودوابهم، وسلموا غالب الثغور والقلاع كالصالحية وبلبيس ودمياط والسويس. ثم إن العثمانيين تدرجوا في دخول مصر وصار كل يوم يدخل منهم جماعة
بعد جماعة، ووصل الوزير يوسف باشا إلى بلبيس والتقى بالأمراء المصريين وأخلى الفرنساوية قلعة الجبل وباقي القلاع التي أحدثوها ونزلوا منها، فلم يطلع إليها أحد من العثمانيين، وطلع كثير من العلماء والتجار للسلام على الوزير في مدينة بلبيس في رمضان، فقابلوه وقابلوا والي مصر نصوح باشا وخلع عليهم خلعاً وانصرفوا.
ثم في شهر شوال وقعت حادثة كانت سبباً للنقض، وذلك أن جماعة من عسكر العثمانيين تشاجروا مع جماعة من عسكر الفرنسيس فقتل بينهم شخص فرنساوي، فثار من ذلك فتنة، ثم قتلوا ستة أنفار كانوا سبب الفتنة فسكنت، لكن لم تطب نفوس الفرنسيس، ثم إن الفرنساوية طلبوا ثمانية أيام مهلة زيادة على المهلة السابقة لما قرب تمامها، فأعطوهم الثمانية أيام ونصبوا وجاق عسكرهم وخيامهم بساحل البحر متصلاً بأطراف مصر ممتداً إلى شبرا وترددوا إلى القلاع وهي لم يكن بها أحد، وشرعوا باجتهاد في رد الجبخانة والذخيرة وآلات الحرب والبارود والقلل والمدافع، واجتهدوا في ذلك ليلاً ونهاراً والناس يتعجبون من ذلك، وأشيع أن الوزير اتفق مع الانكليز على الإحاطة بالفرنساوية إذا صاروا بظاهر البحر، وكان الفرنساوية عندما تراسلوا وترددوا إلى جهة العرضي تفرسوا في عرضي العثمانيين وعسكرهم وأوضاعهم، وتحققوا حالهم فعلموا ضعفهم عن مقاومتهم، فلما حصل ما ذكر تأهبوا للمقاومة ونقض الصلح والمحاربة، وردوا آلاتهم إلى القلاع، فلما تمموا أمر ذلك وحصنوا الجهات وأبقوا من أبقوه بها من عساكرهم، خرجوا بأجمعهم إلى ظاهر المدينة جهة قبة النصر، وانتشروا في النواحي ولم يبق في المدينة إلا من كان داخل القلاع.
فلما كان اليوم الثالث والعشرون من شوال ركب السر عسكر الفرنساوي بعدده وعدده صباحاً ومال على العساكر المصرية من كل جانب
فشتت شملهم وفرق جمعهم، ولم تزل العساكر المصرية فارة من عدوها حتى دخلت مصر، مع وقت العصر، ولما دخل نصوح باشا صار يقول للعامة اقتلوا النصارى وجاهدوا فيهم فعج الناس وهاجوا، وخرجوا من عقولهم وماجوا، ومروا مسرعين يقتلون من يصادفونه من نصارى القبط والشام وساروا إلى حارات النصارى يقتلون وينهبون ويأسرون فتحزبت النصارى ولا يزالون يتقاتلون إلى آخر النهار، وبات الناس في هذه الليلة خلف المتاريس، فلما أظلم الليل أطلق الفرنساوية المدافع والكرات على البلد من القلاع، ووقع الناس في هذه الليلة من الكرب والمشقة والخوف ما لا يوصف، وأحاط الفرنساويون بالبلد إحاطة السوار بالمعصم، وأكثروا من الرمي بالمدافع على البيوت من القلاع، وعدمت الأقوات، وانسدت عن الجلب الطرقات، وهلكت البهائم، وليس للناس من مجير ولا راحم، ثم هجموا في ليلة شاتية على البلد من كل ناحية، فقتلوا الرجال، وسبوا الحريم ونهبوا الأموال، وأحرقوا البلاد، وأذاقوا الناس كؤوس الإهانة فوق المراد، ووضعوا أيديهم على البيوت والحوانيت وسائر الأموال، وملكوا النساء والصبيان والرجال.
وفي أوائل ذي الحجة سنة خمس عشرة ومائتين وألف خرج العثمانيون من مصر، واستولى الفرنساويون على سائر آلاتهم ومدافعهم وعددهم وتم لهم أمر الاستيلاء على مصر، وأمنوا الناس، ثم إنه قرر على أهل مصر يدفعون عاجلاً تأديباً لهم زيادة على ما وقع منه عشرة آلاف ألف ألف فرنك، وسافر السر عكسر وأقام مكانه يعقوب القبطي يفعل بالمسلمين ما يشاء، ودارت العساكر للتحصيل، فباعت الناس أمتعتها الجليل منها