الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وألحق بهم بعض الدروايش من البكطاشية لكونهم يميلون إليهم ويساعدونهم ويفعلون في تكياتهم أفعالاً شنيعة محرمة وبدعا مسترذلة، فأمر السلطان بقتل أكثرهم وهدم تكياتهم، وأخذت الدولة في تكثير العساكر النظامية والجد في تعليمهم، وأبطلت وجاق الانقشارية، وفي أثناء تلك المدة غير السلطان محمود لبسه، ونزع العمامة والجبة، وتزيا بزي العسكر الجديد على هيئة الأوروباويين، وبالطربوش الصغير، ولم يبال بأقوال المعترضين.
ذكر القتال مع الروسية
وفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين وألف، زحفت العساكر الروسية لمحاربة الدولة العلية عند نهر الطونة، وسار جيش إلى جهة الأناطول، فأرسلت الدولة عساكر لمصادمتهم تحت قيادة الصدر الأعظم سليم باشا، فوقع بين الفريقين حرب شديدة، وتغلبت عساكر الروسية وهزموا عساكر الدولة، واستولوا على جملة أماكن، وتقدمت عساكرهم إلى شوملة، وأقاموا الحصار على سليسترة واستولوا على مدينة وارنة، فعزل السلطان الصدر الأعظم سليم باشا وأمر بنفيه، وأقيم في الصدارة محمد عزت باشا، وسارت بعض عساكر الدولة إلى جبل البلقان، فتركت الروسية محاصرة شوملة، وكانوا قد استولوا على سليسترة، وكانت عساكر الروسية التي في الأناطول تتقدم، فملكوا القرص وبايزيد وطبراق وأرض روم، واستأسروا صالح باشا، وجاء جيش الروسية فيه مائة وستون ألف مقاتل وحاصروا أدرنة حصاراً شديداً، إلى أن استولوا عليها، ولما اشتد الأمر على رجال الدولة وعلى السلطان محمود اضطربت الأمور اضطراباً كثيراً، إلا أن السلطان محمود أظهر الثبات وقوة الجنان في وسط تلك الأخطار المحدقة به وبدولته،
ثم تداخلت دول أوربا في الصلح، وأتموه بشروط، سنة خمس وأربعين ومائتين وألف، ومآل تلك الشروط استقلال الأروام وتنازل الدولة عن إقليم السرب والأفلاق والبغدان لملوك من أهل تلك البلاد، تحت نظارة ملك الروسية، وعن بعض جزائر عند فم نهر طونة، وعن بعض أراض في الأناطول مع غرامة حربية قدرها مائة وعشرة ملايين فرنك، قال بعض مؤرخي الفرنج: وربما استغرب القارئ كيف أن الدولة التي سادت على أغلب ممالك العالم وأوقعت الرعب في قلوب جميعهم، لم تسمر في نموها وتقدمها، حتى التزم سلاطينها إلى أن يرتضوا هذه الشروط، فإذا نظر إلى هذا الأمر بعين خالية عن الغرض يحق الاستغراب من وجه آخر، وهو: كيف أمكن هذه الدولة أن تحتمل هذه الصدمات الشديدة والمقاومات المريعة من أعدائها مع وجود الخلل في داخليتها، بسبب أصحاب البغي والفساد وقلة الأموال، ولم تتزعزع أركانها بل استمرت في سلك الثبات العجيب، ولم تستطع قوة أو سبب آخر أن يثنيها، وإذا ضممنا إلى هذه الأسباب الخلل الذي أوقعه وجاق الانقشارية، وعدم تمام انتظام الترتيب العسكري الجديد، وعدم تمرن الجيوش بفنون الحرب وملاقاة الأهوال، لربما حق العجب كيف لم تنقرض هذه الدولة أصلاً، واستطاعت أن تناضل إلى هذه الدرجة، مستهينة بكل الموانع التي تعرضت لها، فهذا أعظم برهان على عظمها وسطوتها، انتهى كلامه.