الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيخ علي الخاتمي الأدلبي الشاعر المشهور
أديب قد تحلى كلامه بقلائد العقيان، ونظامه ببلاغة قس وفصاحة سحبان، وأريب جرت في بحوره سفن الأذهان فلم تدرك قراره، وعجزت أفكار النظراء والبلغاء عن أن يدركوا تياره، فلا ريب أنه الفصيح الذي إن تكلم أجزل وأجز، وأسكت كل ذي لسان ببلاغته وأعجز، ما برز في موطن شعر إلا وكان فارس ميدانه، ولا في محفل إنشاء نثر إلا وكان المشار إليه في بديعه وبيانه، فهو للأدب حدقة الإنسان ومن رآه علم أنه ليس الخبر كالعيان، كيف لا وهو الفريد الذي تلألأت بمعاني بيانه السطور والطروس، واهتزت لبديع براعته وعبارته الأعطاف والرؤوس.
ولد سنة ألف ومائتين وست عشرة. وكان جواداً كريماً، مهاباً بين الناس عظيماً، جميل المعاملة والإحسان، كثير التودد للأحباب والإخوان. ومن نظمه هذا الموشح، الذي تردى بكل جمال وبكل حسن توشح، وهو:
طالع الإسعاد باد عندما
…
ضم شمس الحسن برج الأطلس
وجلا صبح جبين أنجما
…
فوق بدر تحت فرع حندس
دور
راحة الأرواح في أيدي الصباح
…
قهوة الراح كأقداح الصبوح
في رياض باغتباق واصطباح
…
للشجي راح وريحان وروح
هاتها بكراً إذا ما الفجر لاح
…
عتقت في دنها من قبل نوح
بنت شمس زوجت ماء السما
…
ولدت منه الجواري الكنس
فانتشائي كان منهما مغنما
…
وبذكراها نديمي مؤنسي
دور
حي من صافي الحميا يا نديم
…
وامل بدر الكأس من شمس المدام
وانشد الألحان بالصوت الرخيم
…
واترك العذال تهذى بالملام
إنها العيش الرغيد المستقيم
…
غادة تمحي شموساً في الظلام
مزجها الصهباء من عذب اللما
…
تنهل الصب حياة الأنفس
فابسطن للجيد منها معصما
…
عندما تسهو عيون الحرس
دور
والثمن أنفاس عطر يستطاب
…
من خديد خاله المسكي طيب
وتنزه ناظراً تحت النقاب
…
جنة تزهو على رغم الرقيب
واغتنم وقتاً من الهجران تاب
…
حبذا وقت إلى الوصل منيب
واغتباق الغيد فيه خيما
…
في ربا ضم القدور الميس
نم هنيئاً في حراس حيثما
…
حاجب الهيفاء رام عن قسى
دور
لذ في العذراء لي خلع العذار
…
واطراحي في خبا ذات الخدور
منشدي في الحان ألحان الهزار
…
في رياض نجمها زهو الزهور
وردها يروي حديث الاحمرار
…
عن شقيق الخد عن بسم الثغور
طرف حور العين أمسى مغرما
…
في رباها في عيون النرجس
عنبرت نفح الشذا بل إنما
…
عطرت من عرف عطر النفس
وله أيضاً رحمه الله، وحباه في دار الرضوان مرامه ومناه.
حتى م يا ظبي الكناس
…
احنو إليك وأنت ناسي
أغريت بي سقم الجفو
…
ن فحل منى كل آس
ونسيت عهداً لم أكن
…
أبداً له وأبيك ناسي
مولاي لا تمتد في
…
هجري فقد عجز المواسي
مرني فأمرك بالذي
…
تهوى على عيني وراسي
هذي الرياض قد انجلت
…
في حلتي ورد وآس
فاجل المدام أخا الهلا
…
ل وحيني منها بكاس
واستنطق الوتر الرخيم عن الفؤاد وما يقاسي
وله أيضاً:
يا صاحبي عج بالمطي على الحمى
…
فعسى تلوح لناظري شموسه
فهناك يستملي ابن مقلة فضة
…
مني فيكتب والخدود طروسه
وأريك شوقاً لو يقاس بغيره
…
بتوقد الجمرات كنت تقيسه
بان الخليط فلا تسل عن حالتي
…
ما حال من قد بان عنه أنيسه
ودعته ورجعت عنه كأنني
…
ذو نشوة دارت علي كؤوسه
لم أنس إذ غنى له الحادي ضحى
…
وتراقصت تحت الهوادج عيسه
ورمى ابن عم الظبي لي بإشارة
…
أخذ الفؤاد بها فهاج رسيسه
وله:
يا وردة من فوق بانه
…
سر الأحبة من أبانه؟
أخفيته جهدي وقد
…
علقت في قلبي مكانه
وكتمت أمر صبابتي
…
وسدلت أستار الصيانه
ما كنت أحسب أن يكو
…
ن الدمع يوماً ترجمانه
لولا وضوح الأمر ما
…
أغرى بنا الواشي لسانه
ولوى عنانك عن شج
…
شوقاً إليك لوى عنانه
يا ظبية البان الذي
…
عند القلوب لها مكانه
قد أسكرتني مقلتا
…
ك كأن في الخمار حانه
وكرعت من ماء الصبا
…
ففضحت لين الخيزرانه
أجريت ذكرك بالحمى
…
وقد اجتلى طرفي جنانه
فلوى القضيب معاطفاً
…
نظم الندى فيها جمانه
واحمر خد شقيقها
…
وافتر ثغر الأقحوانه
وله:
قد نضى طرفه الكحيل حسامه
…
فسل الله يا فؤادي السلامه
فاتك قد سطا بألحاظ ريم
…
بلغته من القلوب مرامه
ناقض للعهود ليس يراعي
…
ذمة للذي يراعي ذمامه
قد تعشقته بديع جمال
…
يملأ العين بهجة ووسامه
ما تذكرت عيشه الغض إلا
…
أهطلت أدمعي عليه غمامه
يا نسيماً من عنبر اللطف أهدى
…
طيب أنفاسه إلينا شمامه
هي عني أقاح تلك الروابي
…
ثم قبل ثغوره البسامه
وألو عطف القضيب نحو أخيه
…
ليطيل اعتناقه والتثامه
واقتطف من حديقة الحسن ورداً
…
نقطت فوقه من المسك شامه
وارتشف من خلال تلك الروابي
…
قاطر الشهد قطرته مدامه
واعتنق في منمنم البرد خوطا
…
رنحت خمرة الشباب قوامه
ثم لاعب له ذؤابة شعر
…
قد تدلت فقبلت أقدامه
وله:
يا زورة سمح الخيا
…
ل بها فبات معانقي
خاض الدجنة طارقاً
…
أكرم به من طارق
وأتم ساحة عاشق
…
في جنح ليل غاسق
وأتى يجدد بالصبا
…
بة عهد صب شائق
فجرت لطائف بين معشوق هناك وعاشق
وخلالها قبل تلذ ورشف ريق رائق
وسألت ذاك الريم عن
…
سبب الصدود السابق
فانهل منه ما يريك الطل فوق شقائق
وافتر لي ياقوته
…
عنه لؤلؤ متناسق
وصفا هنالك مورد
…
بين العذيب وبارق
وله:
بروحي ساق قد جلا تحت فرعه
…
جبيناً كبدر التم عند شروقه
سقاني بنجلاويه كأساً من الهوى
…
فأسكرني أضعاف سكر رحيقه
وقال افترع بكر الأماني تغزلاً
…
فلي منظر يهديك نحو طريقه
فوجهي مثل الروض باكره الحيا
…
جني أقاحيه وغض شقيقه
وإن أشبه التفاح خدي حمرة
…
فلي نونة تحكي مناط عروقه
النونة طابع الحسن ويسمى أيضاً جب يوسف.
وله:
رشق الفؤاد بأسهم لا تخطه
…
ريم يشوق الريم مهوى قرطه
من ذا عذيري من هوى متلاعب
…
قد راح يمزج لي رضاه بسخطه
أعطيته قلبي وقلت يصونه
…
فأضاعه يا ليتني لم أعطه
وثناه عن محض المحبة رهطه
…
فعناء قلبي في الهوى من رهطه
وقد اشترطنا أن ندوم على الوفا
…
ما كنت أحسبه يخل بشرطه
كيف الخلاص ركب بحراً من هوى
…
شوقاً إليه فشط بي عن شطه
علقته ريان من ماء الصبا
…
كالروض أخضله الغمام بنقطه
غض الشباب وهذه وجناته
…
قد كاد يقطر ماؤها من فرطه
يجلو عليك صحائفاً وردية
…
رقم الجمال بها بدائع خطه
وتريك هاتيك المعاطف بانة
…
تهتز ليناً في منمنم مرطه
وتخامر الألباب منه فكاهة
…
تلهي حليف الكأس عن اسفنطه
لو بت أستملي لطائفه التي
…
ضاهت برونقها جواهر سمطه
لدهشت إعجاباً بلؤلؤ لفظه
…
ومددت كفك طامعاً في لقطه
وله:
لا تكن ويك طامعاً في سلوي
…
فالهوى قد نما أشد نمو
شفني ذلك الشويدن حباً
…
ورماني بسهم ذاك الرنو
قمر في ابتدائه تم حسناً
…
وسما في الكمال أوفى سمو
وقضيب غض النبات رطيب
…
عل من خمرة الشباب وروى
حبه خط في فؤادي سطراً
…
أمد الدهر ليس بالممحو
يمزج الصد بالوصال دلالاً
…
فترى منه قسوة في حنو
وهواه ما زال يوري لهيباً
…
بين جنبي ما له من خبو
يا سقى الله عهدنا في ليال
…
قد جنينا بها ثمار الدنو
جمعت شملنا بكأس سلاف
…
هي أصفى من دمعة الممحو
كلما قلت يا بن ودي خذها
…
قال لي هات يا عدو عدوي
وفي سنة ألف ومائتين وإحدى وأربعين امتدح المترجم متسلم حمص محمد آغا خير الله، وكان رجلاً كريماً حسن السيرة جميل الشهرة، إلا أنه لم يجازه عليها، فبحسب التقدير لم يمض على ذلك مدة حتى قتل الممدوح في شوارع البلد، وأما المادح فإنه قد تمرض وتحول فمه والعياذ بالله تعالى. وهذه القصيدة التي مدح بها الممدوح المرقوم أعلاه مضاهياً بها بانت سعاد لكعب بن زهير الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه:
أسيف لحظيك تجلوه الصياقيل
…
أم مشرفي ابن خير الله مسلول
منه رأينا لديك الأسد صاغرة
…
منهم حلا لك بعد العز تذليل
لله ريم بدا من ليل طرته
…
بدر تلالا به بشرى وتهليل
حكى الغزالة منه الالتفات حكت
…
منه المحيا سناماً فيه تأفيل
كم من كمي له ما بين معترك ال
…
أحداق والقلب متبول ومبتول
ما السحر والخمر بالألباب أفتك من
…
فنان طرف به هاروت مشغول
فرح معافى سليم القلب من حرق
…
والجفن من قرح فالحب قتيل
ولا تعرض إذا هز القوام رشا
…
من شك أحشاءه الخطي مقتول
ودم خلياً وإن تعشق فدم هدفاً
…
لناقد فسهام الطرف مرسول
إليك نصحي ولكن من وعاه فبا
…
م لإنعام يزدان عندي فيه تمثيل
بآية النور من صبح الجبين إلى
…
رب المحاسن لي بالليل تبتيل
إلى أن قال متخلصاً إلى المدح:
كأنه موج هندي يهز به
…
محمد ودجى الهيجاء مسدول
لعضبه ومض برق والغبار حكى
…
مزناً وقطر دم العاصين مهطول
يلقى الكماة ابن خير الله يتركهم
…
بلها ولب عميد الجيش مذهول
بغير درع يلاقي الدارعي ولا
…
تهوله بعواليها الجحافيل
فصاله فصل الأكباد فيه وما
…
ردت مضاربه تلك السرابيل
عليه ما شق أن يلقى الألوف به
…
وشق قلب خميس فهو مغلول
بالبيض صلت ظباه عندما ركعت
…
فأسجدت هامها الشم البهاليل
فيهم يذكرنا أقوام أبرهة
…
لما رمتهم مراميها الأبابيل
صدورهم في لظى من نار لهزمة
…
من حرها فلهم بالويل تعويل
برد وسمر القنا جمر وقائعه
…
سود لها في بياض الطرس تسجيل
بهامهم أسمرت لما استقت بدم
…
فهامهم لعواليه أكاليل
كأن عنتر يعني في مقالته
…
هذا الأمير ما في الصدق تأميل
له النفوس وللطير اللحوم وللوحش العظام وللفرسان ما نيلوا
إلى آخرها، وهي قصيدة طويلة ولولا سآمة خطها المنقول عنه مع تحريفها لنقلتها بتمامها وكمالها هذا وإني لم أقف على تاريخ موت المترجم رحمه الله تعالى؟