الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثالث الترجيح
الذي يظهر رجحانه -والله تعالى أعلم- مذهب الجمع وذلك بإثبات الرؤية الفؤادية ونفي الرؤية البصرية فتُحمل الروايات المطلقة في الرؤية عن ابن عباس على الروايات المقيدة عنه بالفؤاد، ويُحمل إنكار عائشة رضى الله عنها على نفى الرؤية البصرية، وبِهذا تجتمع الأدلة ويزول ما قد يُتوهم بينها من التعارض.
سبب الترجيح:
- أما عن سبب نفي الرؤية البصرية:
1 -
فلأنه صلى الله عليه وسلم عندما سأله أبو ذر رضي الله عنه: هل رأيت ربك؟ قال: "نور أنى أراه" وهذا صريح في نفي الرؤية البصرية لأنها هي المسئول عنها.
وأما دعوى ابن خزيمة الانقطاع بين عبد الله بن شقيق وأبي ذر
(1)
فغير مسلَّمة لأن عبد الله بن شقيق قد صرح بالتحديث عن أبي ذر كما عند مسلم رحمه الله.
وأما ما ذهب إليه ابن الجوزي رحمه الله من أن أبا ذر رضي الله عنه يحتمل أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسراء فأجابه بالنفى ولو سأله بعد الإسراء لأجابه بالإثبات
(2)
، فقد قال عنه ابن كثير رحمه الله: "هذا ضعيف جدًّا، فإن عائشة أم
(1)
انظر التوحيد لابن خزيمة (2/ 511).
(2)
انظر كشف المشكل (1/ 372).
المؤمنين رضى الله عنها قد سألت عن ذلك بعد الإسراء ولم يُثبِت لها الرؤية"
(3)
.
2 -
أن التصريح بالرؤية البصرية لم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم بل قد نقل الدارمي إجماع الصحابة على أنه صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة المعراج
(4)
، وأما استثناء بعضهم لابن عباس رضي الله عنهما فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية:"ليس ذلك بخلاف في الحقيقة فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه"
(5)
.
وقال ابن كثير: "ومن روى عنه
(6)
بالبصر فقد أغرب فإنه لا يصح في ذلك شىء عن الصحابة رضى الله عنهم"
(7)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة، ولا في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدل كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه".
(8)
ولو كان قد أراه نفسه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
وكذلك قوله: {أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى} {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} ولو كان رآه بعينه لكان ذكر ذلك أولى.
(3)
تفسير ابن كثير (4/ 391).
(4)
انظر مجموع الفتاوى (6/ 507) شرح العقيدة الطحاوية (224).
(5)
مجموع الفتاوى (6/ 507).
(6)
يعني ابن عباس رضي الله عنهما.
(7)
تفسير ابن كثير (4/ 387).
(8)
سورة الإسراء. آية (1).
وليس في شيء من أحاديث المعراج الثابتة ذكر ذلك ولو كان قد وقع ذلك لذكره كما ذكر ما دونه"
(9)
.
وقال القاضي عياض: "وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضًا ولا نص"
(10)
.
وقال الذهبي: "ولم يأتنا نص جلي بأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه"
(11)
.
3 -
أن مستند القائلين بالرؤية البصرية تفسير ابن عباس رضى الله عنهما لآيات سورة النجم كقوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} حيث جعل المرئي فيها هو الله تعالى، وهذا غير صحيح لأن عائشة رضي الله عنها رفعت تفسير هذه الآية إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن المرئى هو جبريل عليه السلام ووافقها على ذلك أبو هريرة وابن مسعود رضي الله عنهما في بقية الآيات -كما تقدمت الرواية عنهم- وأما ابن عباس رضي الله عنهما فإنه يُخبر عن اعتقاده ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن المرفوع مقدم على الموقوف.
- وأما استدلال عائشة رضى الله عنها على نفي الرؤية بالآيتين وهما: قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ .. } وقوله {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ .. } فغير مسلَّم.
أما الآية الأولى فلأن المعنى فيها: لا تحيط به الأبصار، فالإدراك فيها بمعنى الإحاطة، وهى قدر زائد على الرؤية، وبالتالي فإن نفى الإدراك لا يلزم منه نفي الرؤية، فإن الشيء قد يُرى ولا يدرك كما يقول الرجل: رأيت السماء وهو صادق مع أنه لم يحط بصره بكل السماء ولم يدركها، ويقول: رأيت البحر،
(9)
مجموع الفتاوى (6/ 509، 510).
(10)
الشفا (1/ 265).
(11)
سير أعلام النبلاء (2/ 167).
ولم يدرك بصره كل البحر، ويقول: رأيت الشمس وهو عاجز عن الإحاطة بِها على ما هى عليه، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته، وعلى هذا فإن الله تعالى يُرى لكن لا يُدرك ولا يحاط به لعظمته تعالى، ونظير جواز وصفه بأنه يُرى ولا يدرك: جواز وصفه بأنه يعلم ولا يُحاط بعلمه كما قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ}
(12)
فلم يكن في نفيه عن خلقه أن يحيطوا بشيء من علمه إلا بما شاء: نفى عن أن يعلموه، فهو تعالى يُعلم ولا يحاط به علمًا ويُرى ولا يحاط به لكمال عظمته عز وجل.
وهذا التفسير للآية ذكره الطبري عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي
(13)
ونسبه البغوي لسعيد بن المسيب وعطاء ومقاتل
(14)
وهو قول جمع من أهل العلم كالطبري والآجري والبغوي والقرطبي والنووي وابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز وابن حجر ومحمد الأمين الشنقيطي
(15)
وغيرهم.
وهو قول أهل اللغة أيضًا قال الزجاج في معنى الآية "أي لا يُبلغ كُنه حقيقته، كما تقول أدركت كذا وكذا"
(16)
.
وقال أيضًا: "معنى هذه الآية إدراك الشيء والإحاطة بحقيقته"
(17)
.
وبِهذا يتضح أن الآية ليست نصًّا صريحًا في نفى الرؤية، وإنما هو استنباط
(12)
سورة البقرة. آية (255).
(13)
انظر تفسير الطبري (5/ 294).
(14)
انظر معالم التنْزيل (2/ 120).
(15)
انظر: تفسير الطبري (5/ 294 - 295) والشريعة للآجري (2/ 1048) وتفسير البغوي (2/ 120) والمفهم (1/ 404) ومسلم بشرح النووي (3/ 9) وحادي الأرواح (370) وتفسير ابن كثير (2/ 258) وشرح العقيدة الطحاوية (215) وفتح الباري (8/ 607) ودفع إيهام الاضطراب عن آي الكتاب للشنقيطي (92).
(16)
معاني القرآن الكريم للنحاس (2/ 467).
(17)
انظر: تَهذيب اللغة للأزهري (12/ 178) ولسان العرب (4/ 64) كلاهما مادة: (بصر).
من عائشة رضي الله عنها خالفها فيه ابن عباس وغيره كما تقدم.
وأما الآية الثانية: فلأنه لا يلزم من إثبات الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وغاية ما تفيده الآية هو نفى كلام الله لأحدٍ من خلقه على غير هذه الأحوال الثلاثة
(18)
.
وأما عن سبب إثبات الرؤية الفؤادية:
1 -
فلأنَّها ثبتت عن ابن عباس وأبي ذر رضي الله عنهما وقال بها جمع من المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم.
وكل أصحاب الفريق الأول من مذهب الترجيح -إلا من صرح منهم بإثبات الرؤية البصرية
(19)
- محمول كلامهم في إثبات الرؤية على الرؤية الفؤادية لأن الروايات عنهم إما مطلقة وإما مقيدة برؤية الفؤاد، وقد بينا عدم صحة إثبات الرؤية البصرية فوجب حمل المطلق من الروايات عنهم على المقيد منها بالفؤاد.
ومما يحسن التنبيه عليه هنا: أنه لو كان المعوَّل عليه في إثبات الرؤية الفؤادية قول ابن عباس رضى الله عنهما فقط لما توجه القول به، لأن قوله رضى الله عنه مبني على تفسير الآيات في سورة النجم وقد ثبت -بما سبق بيانه- أن المراد بِها جبريل عليه السلام.
2 -
ومما يؤيد حمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة بالفؤاد في ما ورد عن ابن عباس: أن نفس الآيات التي ورد عن ابن عباس في تفسيرها إطلاق الرؤية هى بعينها الآيات التي ورد عن ابن عباس في تفسيرها تقييد الرؤية
(18)
انظر: التوحيد لابن خزيمة (2/ 558) كتاب الإيمان من إكمال المعلم للقاضي عياض (2/ 744) المفهم للقرطبي (1/ 404) مسلم بشرح النووي (3/ 9) فتح الباري (8/ 609).
(19)
وقد تقدم بيانُهم ص (309).