الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- وأما النظر الصحيح فقد ذكره ابن عبد البر فقال: "ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له: أن كل من ثبت له عقد الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذْنب ذنبًا أو تأول تأويلًا فاختلفوا بعدُ في خروجه من الإسلام لم يكن لاختلافهم بعد إجماعهم معني يوجب حجة، ولا يخرج من الإسلام المتفق عليه إلا باتفاق آخر أو سنة ثابتة لا معارض لها"
(29)
.
إذا تبين هذا، فما هو توجيه ما سبق من أحاديث الوعيد؟
في هذا اختلف أهل العلم فتنوعت مسالكهم وتعددت طرقهم في توجيه هذه النصوص.
وقبل ذكر هذه التوجيهات نبيِّن أن أحاديث الوعيد منها ما يتعلق بحكم الدنيا كإطلاق لفظ الكفر على من ارتكب بعض الكبائر أو نفي الإيمان عنه أو البراءة منه.
ومنها ما يتعلق بحكم الآخرة كالوعيد بالنار لمن ارتكب بعض الكبائر أو عدم دخوله الجنة أو لعنه.
وفيما يلى توجيهات أهل العلم لهذه الأحاديث، وسأذكر أولًا التوجيهات التي يمكن اطرادها في جميع الأحاديث
(30)
ثم أُثني بذكر أشهر التوجيهات الخاصة بكل نوع من أنواع أحاديث الوعيد التي تقدم بيانُها:
أولًا: التوجيهات التي يمكن اطرادها في جميع أحاديث الوعيد
وهى على مذهبين:
المذهب الأول: مذهب الجمع
وفيه عدة مسالك هي كالتالي:
(29)
التمهيد (17/ 21).
(30)
وقد لجأت إلى هذا التقسيم حتى لا أضطر إلى تكرار بعض التوجيهات التي قيلت في جميع أنواع أحاديث الوعيد.
1 -
ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وطرده في جميع نصوص الوعد والوعيد المتعلقة بأحكام الآخرة، وهو القول: بحملها على ظاهرها وإطلاقها كما جاءت واعتقاد أن هذا العمل سبب لاستحقاق الوعيد
(31)
المرتب عليه، لكن لا يحكم على معين باستحقاقه لهذا الوعيد حتي تتوفر فيه الشروط وتنتفي عنه الموانع، ويقوم به المقتضي الذي لا معارض له.
قال رحمه الله: "نصوص الوعيد من الكتاب والسنة كثيرة جدًّا، والقول بموجبها واجب على وجه العموم والإطلاق من غير أن يعيَّن شخص من الأشخاص فيُقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه أو مستحق للنار لا سيما إن كان لذلك الشخص فضائل وحسنات فإن من سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجوز عليهم الصغائر والكبائر مع إمكان أن يكون ذلك الشخص صديقًا أو شهيدًا أو صالحًا، لما تقدم أن موجب الذنب يتخلف عنه بتوبة أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو بمحض مشيئة الله ورحمته"
(32)
.
وقال أيضًا: "لعن المطلق لا يستلزم لعن المعيَّن الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له، وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق، ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطًا بثبوت شروط وانتفاء موانع، فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين"
(33)
.
2 -
أن الوعيد في هذه النصوص إنما يكون في حق المستحل لهذه المعاصي
(31)
ومراده باستحقاق الوعيد: استحقاق العذاب، وليس مراده الخلود في النار أو عدم دخول الجنة مطلقًا، كما أنّ استحقاق العذاب لا يعني أنّه لابد من وقوعه، وإنما المراد أنّ هذا الشخص مستحق لإنزال العقوبة المذكورة عليه، فقد تقع لاستحقاقه لها، وقد لا تقع بسبب عفو ورحمة صاحب الشأن المقرر للعقوبة وهو الله تعالى.
(32)
رفع الملام عن الأئمة الأعلام (92).
(33)
مجموع الفتاوى (10/ 329 - 330) وانظر (28/ 500 - 501) لوامع الأنوار (1/ 371).