الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
لم يتجاوز أهل العلم في هذه المسألة مذهب الجمع، ولكنهم اختلفوا في
طريقة الجمع على عدة أقوال يمكن حصرها في مسلكين:
المسلك الأول: أن العمر يزيد وينقص:
والقائلون بِهذا حملوا الزيادة في العمر الواردة في النصوص على الحقيقة.
وإلى هذا ذهب عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وكعب وأبو وائل رضي الله عنهم
(1)
وجمع كثير من أهل العلم كالطحاوي وابن حزم
(2)
وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن أبي العز وابن حجر والشوكاني وغيرهم عليهم رحمة الله.
وقال هؤلاء إن الله تعالى قدر السبب والمسبب، فقدر أن هذا يصل رحمه فيزيد عمره بهذا السبب، ولو لم يصل رحمه لما زاد عمره، فبهذا كانت صلة الرحم سبب في زيادة العمر، فمن علم الله منه صلة الرحم زاد في عمره ومن علم منه خلاف ذلك نقص في عمره.
وقال بعضهم: إن الزيادة والنقصان تكون في الصحف التي في أيدي الملائكة وذلك أن الله تعالى يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.
(1)
انظر تفسير الطبرى (7/ 400 - 401) إرشاد ذوى العرفان لما للعمر من الزيادة والنقصان لمرعي ابن يوسف (54)
(2)
انظر الفصل فى الملل والأهواء والنحل (2/ 114).
قالوا: والمكتوب غير المعلوم، فما علمه الله تعالى من نِهاية العمر لا يتغيَّر، وما كتبه قد يمحى ويثبت، وعلى هذا يُحمل قول عمر رضى الله عنه وغيره:"اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها، وإن كنت كتبت عليَّ الذنب والشِّقوة فامحُني وأثبتني في أهل السعادة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب"
(3)
.
قال الطحاوي رحمه الله بعدما ذكر شيئًا من النصوص السابقة: "هذا مما لا اختلاف فيه إذ كان يحتمل أن يكون الله عز وجل إذا أراد أن يخلق النسمة جعل أجلها إن برت كذا وكذا وإن لم تبر كذا وكذا لما هو دون ذلك .. ويكون ذلك مما يُثبت في الصحيفة الى لا يُزاد على ما فيها ولا ينقص منه"
(4)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة، فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب .. والله سبحانه عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فهو يعلم ما كتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونِها وبعد كونِها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإِثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به فلا محو فيه ولا إثبات"
(5)
.
وقال أيضًا: "والأجل أجلان: (أجل مطلق) يعلمه الله،
(6)
(وأجل مقيد) وبِهذا يتبين معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له
(3)
أخرجه ابن جرير الطبرى في التفسير (7/ 401).
(4)
مشكل الآثار (4/ 118).
(5)
مجموع الفتاوى (14/ 490، 491، 492).
(6)
أى يعلمه الله وحده.
في أثره فليصل رحمه" فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلًا وقال: إن وصل رحمه زده كذا وكذا، والملك لا يعلم أيزداد أم لا، لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر، فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر"
(7)
.
وقال ابن أبي العز تعليقًا على كون صلة الرحم تزيد في العمر: "أي: هى سبب طول العمر، وقد قدَّر الله أن هذا يصل رحمه، فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية، ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية، ولكن قدَّر هذا السبب وقضاه، وكذلك قدَّر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا"
(8)
.
وقال ابن حجر رحمه الله: "والحق .. أن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمى فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات، والعلم عند الله"
(9)
.
وقال الشوكاني رحمه الله: "وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة لسبق القضاء، وأنه فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنَّها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء، فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وتحمل الأحاديث الأخرى: على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم، أو التسبب
(7)
مجموع الفتاوى (8/ 517) وانظر (8/ 540).
(8)
شرح العقيدة الطحاوية (129) وانظر (131).
(9)
فتح البارى (11/ 488) وانظر (11/ 489)(10/ 416).
بأسباب الشر"
(10)
.
وقال أيضًا: "نقول إن الله سبحانه قد علم في سابق علمه أن فلانًا يطول عمره إذا وصل رحمه وأن فلانًا يحصل له من الخير كذا أو يقع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها وهذه المشروطات مقيدة بحصول شروطها"
(11)
.
واستدل أصحاب هذا المسلك بما يلي:
1 -
قوله تعالى: { .. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ}
(12)
.
حيث حملوا الآية على العموم فقالوا: إنَّها عامة في كل شىء يقتضيه ظاهر هذا اللفظ
(13)
.
وقالوا: (المراد بالمحو والإثبات هنا إنما هو في الصحف التي في أيدي الملائكة وقوله تعالى: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} المراد به اللوح المحفوظ كما يدل عليه سياق الآية وهو قوله: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} ثم قال: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} أي من ذلك الكتاب {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ"
(14)
.
قال السعدي رحمه الله: " {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ} من الأقدار
(10)
تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل (29).
(11)
المرجع السابق (41) وانظر لزامًا: منهج الإمام الشوكاني في العقيدة (232) وما بعدها للدكتور عبد الله نومسوك.
(12)
سورة الرعد. آية: (38، 39).
(13)
انظر إرشاد ذوى العرفان (55) تنبيه الأفاضل للشوكاني (20) تفسير القرطبي (9/ 329) تفسير الطبري (7/ 400) وفيه ذكر الطبرى رحمه الله خمسة أقوال في معنى الآية زيادة على هذا القول.
(14)
انظر شرح العقيدة الطحاوية (131).
{وَيُثْبِتُ} ما يشاء منها وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل، {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: اللوح المحفوظ
(15)
الذي ترجع إليه سائر الأشياء فهو أصلها وهى فروع وشعب، فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتِها أسبابًا، ولمحوها أسبابًا، لا تتعدى تلك الأسباب ما رُسم في اللوح المحفوظ، كما جعل الله البر والصلة والإِحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصى سببًا لمحق بركة الرزق والعمر.
فهو الذي يدبر الأمور بحسب قدرته وإرادته، وما يدبره منها لا يُخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ"
(16)
.
2 -
قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ}
(17)
.
أي: لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ
(18)
.
واستشهدوا على ذلك بما رواه سعيد بن المسيب قال: "لما طعن عمر بن الخطاب قال كعب: لو دعا الله عمر لأخر في أجله، فقال الناس: سبحان الله؟ !
(15)
ذكر الطبرى رحمه الله في تفسيره (7/ 404 - 405) أربعة أقوال في المراد بأم الكتاب هنا.
(16)
تفسير السعدى (4/ 116).
(17)
سورة فاطر آية (11).
(18)
انظر إرشاد ذوى العرفان (56) تنبيه الأفاضل (20).
تنبيه: هل ما في اللوح المحفوظ يقع فيه المحو والإثبات أم لا؟ في هذا اختلف أصحاب هذا المسلك على قولين والذى عليه الأكثر أنه لا يقع فيه المحو والإثبات. انظر تفسير الطبري (7/ 405) فتح البارى (10/ 416) إرشاد ذوى العرفان (56، 70) تنبيه الأفاضل (20) تفسير السعدي (4/ 116، 117).
أليس قد قال الله: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}
(19)
؟ ! قال كعب: وقد قال: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} قال الزهري -الراوي عن سعيد-: فنُرى أنه إذا حضر أجله فلا يؤخر ساعة ولا يقدم، وما لم يحضر أجله فإن الله يؤخر ما شاء ويقدم ما شاء، وليس من أحد إلا وله عمر مكتوب"
(20)
.
3 -
قوله صلى الله عليه وسلم: "من سرَّه أن يُبسط له في رزقه أو يُنسأ له في أثره فليصل رحمه"
(21)
.
4 -
قوله صلى الله عليه وسلم فِى حديث ثوبان رضى الله عنه: "لا يزيد في العمر إلا البر ولا يرد القدر إلا الدعاء، وإن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يُصيبه"
(22)
.
5 -
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن رجح هذا المسلك: "ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراهم إياهم، فرأى فيهم رجلًا له بصيص
(23)
، فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنة، قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنة، قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنة، فكتب عليه كتاب، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي
(19)
سورة الأعراف. آية (34).
(20)
أخرجه الفريابي في كتاب القدر (247) ح (442).
(21)
تقدم تخريجه ص (467).
(22)
أخرجه ابن ماجه (2/ 1334) ح (4022) والإمام أحمد في مسنده (6/ 373) ح (21881) والحاكم في مستدركه (1/ 670) ح (1814) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبى وابن حبان في صحيحه (3/ 153) ح (872) والطحاوي في مشكل الآثار (4/ 117) ح (3340) والبغوي في شرح السنة (13/ 6) وراجع سلسلة الأحاديث الصحيحة (1/ 236) ح (154) وصحيح سنن ابن ماجه (3/ 317) ح (3264).
(23)
أي بريقًا ولمعانًا انظر النهاية لابن الأثير (1/ 132) لسان العرب (7/ 6) مادة (بصص).
من عمري ستون سنة، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك، فأخرجوا الكتاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فنسي آدم فنسيت ذريته وجحد آدم فجحدت ذريته"
(24)
وروي أنه كمل لآدم عمره ولداود عمره
(25)
.
فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ثم جعله ستين
(26)
، وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال:"اللهم إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني واكتبني سعيدًا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت"
(27)
"
(28)
.
وأجاب أصحاب هذا المسلك عن الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر كقوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}
(29)
وقوله عز وجل: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}
(30)
وقوله تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ}
(31)
، أجابوا عن هذه الآيات وما في معناها: بأنَّها مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره.
قالوا: ويؤيد هذا أنَّها جاءت مقيدة بذلك كما في الآيات السابقة فإنه تعالى قال: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ} { .. إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ} .
وعلى هذا فيمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر
(24)
أخرجه الترمذى من حديث أبي هريرة (تحفة 8/ 457) ح (5072) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحاكم في مستدركه (2/ 355) ح (3257) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وأخرجه الفريابي في كتاب القدر (40، 41) ح (19، 20).
(25)
انظر كتاب القدر للفريابي (32) ح (4).
(26)
هكذا في مجموع الفتاوى، ولعل مراده رحمه الله أنه زاده ستين سنة والله أعلم.
(27)
تقدم تخريجه ص (469).
(28)
مجموع الفتاوى (14/ 491).
(29)
سورة النحل. آية (61).
(30)
سورة المنافقون. آية (11).
(31)
سورة نوح. آية (4).