الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني مذاهب العلماء تجاه هذا التعارض
مما لا ريب فيه أن الرؤيا جزء من النبوة، كما نطقت بذلك الأحاديث، ولكن كم عدد أجزاء النبوة التي منها هذه الرؤيا؟
في هذا اختلف أهل العلم فسلكوا ثلاثة مذاهب:
أحدها مذهب الجمع، والثاني مذهب النسخ، والثالث الترجيح، وإليك بيان ذلك:
أولًا: مذهب الجمع:
وإليه ذهب أكثر أهل العلم، ولكنهم اختلفوا في طريقة الجمع على عدة أقوال إليك أشهرها:
القول الأول: ما ذهب إليه الطبري
(1)
وابن عبد البر
(2)
ومال إليه ابن الجوزي
(3)
وهو أن الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي، فرواية السبعين عامة في كل رؤيا صادقة من كل مسلم، ورواية الست والأربعين خاصة بالمؤمن الأدق الألح، وأما ما بين ذلك
(4)
فبالنسبة لأحوال المؤمنين.
(1)
انظر المعلم للمازري (3/ 118) إكمال المعلم للقاضي عياض (7/ 213) المفهم (6/ 15) مسلم بشرح النووي (15/ 26) فتح الباري (12/ 365).
(2)
انظر التمهيد (1/ 283).
(3)
انظر كشف المشكل (3/ 77).
(4)
ورد في غير الصحيحين عدة روايات مرفوعة، وأخرى موقوفة فيها تحديد العدد بغير ما ذكر -كالأربعين والأربع والأربعين والخمسين والست والعشرين وغير ذلك- ولكن أغلب هذه الروايات ضعيفة، انظرها في فتح الباري (12/ 363) طرح التثريب (8/ 208 - 209).
قال ابن عبد البر: "اختلاف آثار هذا الباب في عدد أجزاء الرؤيا من النبوة ليس ذلك عندى باختلاف تضاد وتدافع -والله أعلم- لأنه يحتمل أن تكون الرؤيا الالحة من بعض من يراها على ستة وأربعين جزءًا، أو خمسة وأربعين جزءًا، أو أربعة وأربعين جزءًا، أو خمسين جزءًا، أو سبعين جزءًا، على حسب ما يكون الذي يراها، من صدق الحديث، وأداء الأمانة، والدين المتين، وحسن اليقين، فعلى قدر اختلاف الناس فيما وصفنا تكون الرؤيا منهم على الأجزاء المختلفة العدد -والله أعلم- فمن خلصت له نيته في عبادة ربه ويقينه وصدق حديثه، كانت رؤياه أصدق وإلى النبوة أقرب"
(5)
.
القول الثاني: ما ذهب إليه ابن بطال رحمه الله تعالى وهو: أن الاختلاف في العدد يكون على حسب حال الرؤيا فقال رحمه الله تعالى: الرؤيا تنقسم إلى قسمين: أحدهما: رؤيا ظاهرة جليَّة، كمن رأى في المنام أنه يُعطى تمرًا، فأُعطي تمرًا مثله في اليقظة، فهذه الرؤيا لا إغراب في تأويلها، ولا رمز في تفسيرها.
والقسم الثاني: رؤيا مرموزة بعيدة المرام، فهذا القسم لا يقوم به حتى يعبره الأحاذق، لبعد ضرب المثل فيه، فيكون هذا القسم من السبعين، ويكون القسم الأول من الستة والأربعين، لأنه إذا قلَّت الأجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق، وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها بخلاف ما إذا كثرت
(6)
.
وعبر بعض أهل العلم عن هذا الرأي بقوله: "إن المنامات دلالات، والدلالة منها خفي ومنها جلي، فما ذكر فيه السبعون أُريد به أنه الخفي منها، وما ذكر فيه الستة والأربعون أُريد به الجلي منها"
(7)
.
(5)
انظر التمهيد (1/ 283).
(6)
انظر فتح الباري (12/ 365).
(7)
المعلم (3/ 118) وانظر: فتح الباري (12/ 365).
القول الثالث: ما ذكره القاضي عياض وهو أنه: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طُرق الوحي، إذ منه ما سُمع من الله بلا واسطة، ومنه ما جاء بواسطة الملك، ومنه ما أُلقي في القلب من الإلهام، ومنها ما جاء به الملك وهو على صورته أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف، ومنه ما أتاه به في النوم، ومنه ما أتاه به في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه، إلى غير ذلك من الأحوال التى كانت تختلف على النبي صلى الله عليه وسلم في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت انتهت إلى سبعين
(8)
.
القول الرابع: ما ذهب إليه بعض أهل العلم وهو أن مدة نبوته صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثًا وعشرين سنة منها ثلاث عشرة سنة بمكة وعشر سنين بالمدينة، وكان صلى الله عليه وسلم قبل ذلك -في أول الأمر- يوحى إليه في منامه ستة أشهر -أي نصف سنة- فإذا نُسبت هذه المدة إلى مدة نبوته صلى الله عليه وسلم صارت جزءًا من ستة وأربعين جزءًا من النبوة
(9)
.
وممن ذهب إلى هذا القول ابن الأثير رحمه الله فقال: "كان عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في أكثر الروايات الصحيحة ثلاثًا وستين سنة، وكانت مدة نبوته منها ثلاثًا وعشرين سنة، لأنه بُعث عند استيفائه أربعين سنة، وكان صلى الله عليه وسلم في أول أمره يرى الوحي في المنام، ودام كذلك نصف سنة، ثم رأى الملك في اليقظة، فإذا نسبت المدة التي أُوحي إليه فيها في النوم -وهى نصف سنة- إلى مدة نبوته -وهى ثلاث وعشرون سنة- كانت نصف جزء من ثلاثة وعشرين جزءًا، وذلك جزء من ستة وأربعين جزءًا، وقد تعاضدت الروايات في أحاديث الرؤيا
(8)
انظر: إكمال المعلم (7/ 214) المفهم (6/ 16) فتح الباري (12/ 366).
(9)
انظر: معالم السنن (4/ 129) المعلم (3/ 117) كشف المشكل (2/ 77).