الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- أم يُسلك مذهب الترجيح فيُرجح حديث ابن مسعود رضي الله عنه لأمور منها:
1 -
أنه حديث متفق عليه.
2 -
أن حديث أنس رضي الله عنه قد وافقه وهو أيضًا حديث متفق عليه.
3 -
أنه لم تختلف ألفاظه.
بينما حديث حذيفة بن أسيد من أفراد مسلم، وألفاظه فيها اختلاف؟ في الحقيقة لم يظهر لي شىء يمكن الجزم به في حديث حذيفة رضي الله عنه فالله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
مسألة:
وقع فِى إحدى روايات حذيفة بن أسيد رضي الله عنه ما ظاهره أن التصوير والتخليق يقع بعد الأربعين الأولى وفي أول الأربعين الثانية مع أن المعروف والمعهود أن التصوير إنما يكون في الأربعين الثالثة أى في مدة المضغة كما دلَّ عليه قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا .. } الآية
(2)
.
ونص هذه الرواية -كما تقدم-: "إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكًا فصوَّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى.".
وقد أجاب أهل العلم عن هذه الرواية بما يلي:
- ذهب القاضي عياض وكذا ابن الصلاح وغيرهم إلى أن حمل هذا
(2)
سورة المؤمنون. الآيات (12 - 14).
الحديث على ظاهره لا يصح لأن التصوير بإثر النطفة وأول العلقة وفي الأربعين الثانية غير موجود ولا معهود، وإنما التصوير في الأربعين الثالثة في مدة المضغة كما في قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ .. } إلى آخر الآيات.
وعلى هذا فيكون معنى قوله: "فصورها .. إلخ" أي كتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر بدليل قوله بعد: "أذكر أم أنثى؟ "
(3)
.
- وذهب ابن رجب: إلى أن هذا قد يكون في بعض الأجنة دون بعض
(4)
.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "غاية ما يُقال فيه إنه يقتضي أنه قد يخلق في الأربعين الثانية قبل دخوله في الأربعين الثالثة، وهذا لا يخالف الحديث الصحيح ولا نعلم أنه باطل، بل قد ذكر النساء: أن الجنين يخلق بعد الأربعين، وأن الذكر يخلق قبل الأنثى، وهذا يقدم على قول من قال من الفقهاء: إن الجنين لا يخلق في أقل من واحد وثمانين يومًا، فإن هذا إنما بنوه على أن التخليق إنما يكون إذا صار مضغة، ولا يكون مضغة إلا بعد الثمانين، والتخليق ممكن قبل ذلك، وقد أخبر من أخبر من النساء، ونفس العلقة يمكن تخليقها"
(5)
.
(3)
انظر إكمال المعلم (8/ 127) مسلم بشرح النووي (16/ 432) فتح الباري (11/ 484).
(4)
انظر جامع العلوم والحكم (47).
(5)
مجموع الفتاوى (4/ 242) وفي موضع آخر استثنى شيخ الإسلام اللحم والعظم فجعل خلقهما لا يكون حتى تكون مضغة فقال رحمه الله: "ومعلوم أنَّها لا تكون لحمًا وعظامًا حتى تكون مضغة" مجموع الفتاوى (4/ 240).
وهذا موافق لما ذكره ابن رجب من أنه يكون في بعض الأجنة دون بعض، وحاصله: حمل الحديث على ظاهره وعدم تأويله، وأن التصوير يمكن أن يكون في الأربعين الثانية.
وقد أشار إلى هذا القول ابن حجر في الفتح ثم قال: "ولكن بقي في حديث حذيفة بن أسيد أنه ذكر العظم واللحم وذلك لا يكون إلا بعد أربعين العلقة، فيقوى ما قال عياض ومن تبعه"
(6)
.
وقال أيضًا: "والراجح أن التصوير إنما يقع في الأربعين الثالثة"
(7)
.
وقال ابن القيم: "لا ريب أن التصوير المحسوس وخلق الجلد والعظم واللحم إنما يقع في الأربعين الثالثة، ولا يقع عقيب الأولى، هذا أمر معلوم بالضرورة، فإما أن يكون المراد بالأربعين في هذه الألفاظ: الأربعين الثالثة وسمَّى المضغة فيها نطفة اعتبارًا بأول أحوالها وما كانت عليه.
أو يكون المراد بِها الأربعين الأولى، وسمَّى كتابة تصويره وتقديره تخليقًا اعتبارًا بما يؤول، فيكون قوله:"صورها وخلق سمعها وبصرها" أي قدَّر ذلك وكتبه وأعلم به، ثم يفعله بعد الأربعين الثالثة
(8)
.
أو يكون المراد به -أي الأربعين- الأربعين الأولى وحقيقة التصوير فيها، فيتعيَّن حمله على تصوير خفي لا يدركه إحساس البشر، فإن النطفة إذا جاوزت الأربعين انتقلت علقة وحينئذ يكون أول مبدأ التخليق، فيكون مع هذا المبدأ: مبدأ التصوير الخفي الذي لا يناله الحس، ثم إذا مضت الأربعون الثالثة صُوِّرت التصوير المحسوس المشاهد.
(6)
فتح الباري (11/ 484)
(7)
المرجع السابق (11/ 485)،
(8)
وهذا هو الذى ذهب إليه القاضي عياض وابن الصلاح كما تقدم ص (550).
فأحد التقديرات الثلاثة يتعيَّن ولابد، ولا يجوز غير هذا البتة، إذ العلقة لا سمع فيها ولا بصر ولا جلد ولا عظم.
وهذا التقدير الثالث أليق بألفاظ الحديث وأشبه وأدلُّ على القدر، والله أعلم بمراد رسوله.
غير أنَّا لا نشك أن التخليق المشاهد والتقسيم إلى الجلد والعظم واللحم إنما يكون بعد الأربعين الثالثة"
(9)
.
* * *
(9)
طريق الهجرتين (146).