الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الظباء في المغار، فكل من {بِالْخُنَّسِ} و {الْكُنَّسِ} يختفي بعد ظهوره. والأصح أن معناها النجوم، لذكر الليل والصبح بعد هذا.
{عَسْعَسَ} أقبل بظلامه، أو أدبر، فهو من ألفاظ الأضداد. {تَنَفَّسَ} أضاء وظهر نوره. {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ} أي إن هذا المقسم عليه وهو القرآن لقول منقول نازل من رسول كريم عزيز على الله تعالى وهو جبريل عليه السلام، أضيف القول إليه، لنزوله به، وقوله عن الله تعالى. {ذِي قُوَّةٍ} شديد القوى، حافظ. {عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ} الله تعالى. {مَكِينٍ} ذي مكانة وجاه عند ربّه، يعطيه ما سأل. {مُطاعٍ} تطيعه ملائكة السماء. {ثَمَّ} هنالك.
{أَمِينٍ} على الوحي والرسالة.
{وَما صاحِبُكُمْ} محمد صلى الله عليه وسلم، {بِمَجْنُونٍ} كما زعمتم. {وَلَقَدْ رَآهُ} رأي محمد صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته التي خلق عليها. {بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} الأفق الواضح، وهو مطلع الشمس الأعلى.
{وَما هُوَ} محمد صلى الله عليه وسلم. {الْغَيْبِ} الوحي وخبر السماء. {بِضَنِينٍ} ببخيل مقصر بالتعليم والتبليغ، فينتقص منه شيئا، وقرئ:«بظنين» ، أي بمتهم. {وَما هُوَ بِقَوْلِ} أي القرآن.
{شَيْطانٍ} مسترق السمع. {رَجِيمٍ} مرجوم ملعون مطرود من رحمة الله. {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} أيّ طريق تسلكون بعد إنكاركم القرآن وإعراضكم عنه، وقد قامت الحجة عليكم؟ {إِنْ هُوَ} ما هو. {إِلاّ ذِكْرٌ} عظة وعبرة. {لِلْعالَمِينَ} الإنس والجن. {أَنْ يَسْتَقِيمَ} على الطريق الواضح باتباع الحق. {وَما تَشاؤُنَ} الاستقامة على الحق. {إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ} إلا وقت أن يشاء الله استقامتكم. {رَبُّ الْعالَمِينَ} مالك الخلق كلهم.
سبب النزول:
نزول الآية (29):
{وَما تَشاؤُنَ.} .: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سليمان بن موسى قال: لما أنزلت {لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} قال أبو جهل: ذاك إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله:{وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ} .
التفسير والبيان:
{فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ} أي أقسم بجميع الكواكب التي
تخنس أي تختفي بالنهار تحت ضوء الشمس، والتي تجري في أفلاكها، وتكنس بالليل، أي تظهر بالليل في أماكنها، كما تظهر الظباء من كنسها، أي بيوتها، وهي جمع كناس: وهو الذي يختفي فيه الوحش. وقوله: {فَلا أُقْسِمُ} يراد بها القسم في أسلوب العرب، ويراد بها تأكيد الخبر، كأنه في ثبوته وظهوره لا يحتاج إلى قسم. وإنما أقسم سبحانه بهذه الكواكب، لما في تبدل أحوالها من الظهور والخفاء من الدلالة على قدرة مبدعها ومصرّفها.
ويرى الجمهور: أن المراد بها الكواكب السيارة كلها، ويرى بعضهم أنها ما عدا الشمس والقمر.
{وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ} أي والليل إذا أقبل بظلامه، لما فيه من الرهبة، وهذا هو الأولى، أو أدبر وولى، لما في إدباره من كشف الغمة. والصبح إذا اقبل وأضاء بنوره الأفق؛ لأنه يقبل بروح نشطة ونسيم عليل.
قال ابن كثير: {عَسْعَسَ} : أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضا، لكن الإقبال هاهنا أنسب، كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى:{وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى، وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى} [الليل 1/ 92 - 2] وقال تعالى: {وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى} [الضحى 1/ 93 - 2] وقال تعالى: {فالِقُ الْإِصْباحِ، وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً} [الأنعام 96/ 6]، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة {عَسْعَسَ} تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم
(1)
.
(1)
تفسير ابن كثير: 479/ 4
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} هذا هو المقسم عليه، أي إن القرآن تبليغ رسول كريم، ومقول قاله جبريل عليه السلام الشريف الكريم العزيز عند الله، ونزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، فليس القرآن من كلام البشر، وإنما وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل الذي تلقاه عن ربّه عز وجل.
{ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} هذه أوصاف أربعة أخرى لجبريل عليه السلام، فهو شديد القوى في الحفظ التام والتبليغ الكامل، وذو رفعة عالية، ومكانة سامية عند الله سبحانه، ومطاع بين الملائكة، يرجعون إليه ويطيعونه، فهو من السادة الأشراف، مؤتمن على الوحي والرسالة من ربّه، وعلى غير ذلك. وإنما قال:{ثَمَّ} أي عند الله، وقرئ «ثم» تعظيما للأمانة وبيانا لأنها أفضل صفاته المعدودة.
ووصف جبريل بالأمين تزكية عظيمة من الله لرسوله الملكي وعبده جبريل، كما زكى عبده ورسوله البشرى محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله:{وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} .
وبعد بيان أوصاف الرسول الملك، ذكر تعالى وصف المرسل إليه، فقال:
{وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} أي وليس محمد صلى الله عليه وسلم يا أهل مكة بمجنون، كما تزعمون.
وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وبأنه أعقل الناس وأكملهم.
ونظير الآية قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأعراف 184/ 7]، وقوله:{قُلْ: إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ، إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ} [سبأ 46/ 34]، وقوله:{أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَقالُوا: مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [الدخان 13/ 44 - 14].
{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ} أي قد رأى محمد جبريل على صورته الأصلية، له ست مائة جناح، في مطلع أو أفق الشمس الأعلى من قبل المشرق، بحيث
حصل له علم ضروري (بدهي) بأنه ملك مقرب يطمأن لنزوله بالوحي عليه، لا شيطان رجيم. وهذا كما جاء في سورة النجم:{ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى، أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى} [11 - 14].
وهذه الرؤية بعد رؤيته في بدء الوحي عند غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض في صورته، له ست مائة جناح. وقيل: هي الرؤية التي رآه فيها عند سدرة المنتهى، وسمي ذلك الموضع أفقا مجازا، وقد كانت له عليه السلام رؤية ثانية بالمدينة، وليست هذه
(1)
.
{وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ} أي ليس محمد صلى الله عليه وسلم على ما أنزله الله عليه من الوحي وخبر السماء ببخيل مقصر في التعليم والتبليغ، بل يعلّم الخلق كلام الله وأحكامه دون أي انتقاص، وهو ثقة مؤتمن لا يأتي بشيء من عند نفسه، ولا يبدل ولا يغير أي حرف أو معنى فيه.
{وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ} أي وما القرآن بقول شيطان يسترق السمع، مرجوم بالشهب، فالقرآن ليس بشعر ولا كهانة، كما قالت قريش، وهذا كقوله تعالى:{وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ، وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ، إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء 210/ 26 - 212].
{فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} أي: أيّ طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بيّنت لكم؟ وأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه وبيان كونه حقا من عند الله تعالى؟ {إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ، لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم بما ينفعهم، وتحذير لهم عما يضرهم، لمن
(1)
البحر المحيط: 434/ 8 - 435