الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{أَفْلَحَ} فاز ونجا وأدرك المطلوب. {مَنْ زَكّاها} طهرها من الذنوب، وهذّبها ونمّاها بالعلم والعمل، وهو جواب القسم. {خابَ} خسر. {دَسّاها} أهمل تهذيبها، والتدسية:
النقص والإخفاء، فمن فعل الشر والمعصية، أنقص نفسه عن مرتبة الكمال، وأخفاها بالذنوب والمعاصي، وهي ضد التزكية.
التفسير والبيان:
أقسم الله تعالى في مطلع هذه السورة بسبعة أشياء، فقال:
1 -
2 - {وَالشَّمْسِ وَضُحاها، وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها} أي أقسم بالشمس المضيئة نفسها، سواء غابت أم طلعت؛ لأنها شيء عظيم أبدعها الله، وأقسم بضوئها وضحاها وهو وقت ارتفاع الشمس بعد طلوعها إذا تم ضوؤها؛ لأنه مبعث حياة الأحياء.
وأقسم بالقمر المنير إذا تبع الشمس في الطلوع بعد غروبها، وبخاصة في الليالي البيض: وهي الليالي الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة وقت امتلائه وصيرورته بدرا بعد غروب الشمس إلى الفجر. وهذا قسم بالضوء وقت الليل كله.
3 -
4 - {وَالنَّهارِ إِذا جَلاّها، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها} أي وأقسم بالنهار إذا جلّى الشمس وكشفها وأظهر تمامها، ففي اكتمال النهار كمال وضوح الشمس، وأقسم بالليل إذا يغشى الشمس ويغطي ضوءها بظلمته، فيزيل الضوء وتغيب الشمس، وتظلم الدنيا في نصف الكرة الأرضية، ثم تطلع في النصف الآخر.
وفي هذا التبدل والتغير رد على المشركين الذين يؤلهون الكواكب، والثنوية الذين يقولون بأن للعالم إلهين اثنين: النور والظلمة؛ لأن الإله لا يغيب ولا يتبدل حاله.
وبعد التنويه بعظم هذه الأشياء الكونية، ذكر الله تعالى صفات حدوثها، فقال:
5 -
6 - {وَالسَّماءِ وَما بَناها، وَالْأَرْضِ وَما طَحاها} أي وأقسم بالسماء وبناء الله تعالى لها بالكواكب، كأن كل كوكب لبنة في سقف أو قبّة تحيط بالأرض وأهلها. وأقسم بالأرض كوكب الحياة البشرية والذي بسطها من كل جانب، وجعلها ممهدة موطأة للسكنى مثل قوله تعالى:{وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها} [النازعات 30/ 79] أي بسطها، والطحو كالدحو وهو البسط، ثم مكّن الناس من الانتفاع بها ظاهرا بالنبات، وباطنا بالمعادن والثروات. ونظير الآية:{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً، وَالسَّماءَ بِناءً} [البقرة 22/ 2].
وختم الأشياء المحلوف بها بالنفس البشرية التي خلقت هذه الأشياء من أجلها، وكونها أداة الانتفاع بها ووسيلة ترقي الحياة وتقدمها، فقال:
7 -
{وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} أي وأقسم بالنفس الإنسانية، والذي خلقها سوية، مستقيمة، على الفطرة القويمة، وتسويتها:
إعطاء قواها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن، وهي الحواس الظاهرة والباطنة، والقوى الطبيعية، أي تعديل أعظائها، وتزويدها بطاقات وقوى ظاهرية وباطنية متعددة، وتحديد وظيفة لكل عضو فيها.
ثم إنه تعالى عرّف هذه النفس وأفهمها ما هو شر وفجور، وما هو خير وتقوى، وما فيهما من قبح وحسن، لتمييز الخير من الشر، كما قال تعالى:
{وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد 10/ 90] أي علمناه وعرفناه سلوك طريقي الخير والشر. ويعضده ما بعده: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها} .
وهذا قول المعتزلة، وقال أهل السنة: الضميران في قوله تعالى: {فَأَلْهَمَها} وقوله: {وَهَدَيْناهُ} لله تعالى، والمعنى: قد سعدت نفس زكاها الله تعالى،
وخلقها طاهرة، وخابت نفس دسّاها الله، وخلقها كافرة فاجرة
(1)
.
والظاهر التفسير الأول، بدليل ما قال ابن كثير:{فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} : أي فأرشدها إلى فجورها وتقواها، أي بيّن لها ذلك، وهداها إلى ما قدّر لها
(2)
. وقال ابن عباس: {فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} بيّن لها الخير والشر
(3)
. وهذا دليل على مبدأ الاختيار للإنسان.
ثم ذكر الله تعالى جزاء ما تختاره النفس، فقال:
{قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها} أي قد فاز بكل مطلوب، وظفر بكل محبوب من زكى نفسه فهذبها ونمّاها وأعلاها بالتقوى والعمل الصالح، وقد خسر من أضل نفسه وأغواها وأهملها وأخملها، ولم يهذبها، ولم يتعهدها بالطاعة والعمل الصالح. وهذا جواب القسم الذي افتتحت به السورة.
روى الطبراني عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرّ بهذه الآية:
{وَنَفْسٍ وَما سَوّاها، فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} وقف وقال: «اللهم آت نفسي تقواها، أنت وليها ومولاها، وخير من زكاها» .
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ:
{فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} : قال: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة: أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم من مضجعه، فلمسته بيدها، فوقعت عليه، وهو ساجد، وهو يقول:«رب أعط نفسي تقواها، وزكّها أنت خير من زكّاها، أنت وليها ومولاها» .
(1)
وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومقاتل والكلبي.
(2)
تفسير ابن كثير: 516/ 4
(3)
المرجع السابق، وهذا أيضا قول مجاهد وقتادة والضحاك والثوري.