الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومجدهم. والرحلة: ارتحال القوم، بشد الرحال للمسير. {الْبَيْتِ} الكعبة. {أَطْعَمَهُمْ} وسّع لهم في الرزق. {مِنْ جُوعٍ} {مِنْ خَوْفٍ} أي من أجل جوع وخوف. {وَآمَنَهُمْ} جعلهم في أمن وسلامة في الأموال والأنفس. {مِنْ خَوْفٍ} خوف أصحاب الفيل، أو التخطف في بلدهم ومسايرهم. وكان يصيبهم الجوع لعدم الزرع بمكة، وخافوا جيش الفيل.
سبب النزول:
نزول الآية (1):
أخرج الحاكم وغيره عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضّل الله قريشا بسبع خصال» الحديث المتقدم، وفيه:
نزلت فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم: {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} .
التفسير والبيان:
{لِإِيلافِ قُرَيْشٍ، إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ} أي فلتعبد قريش ربها، شكرا له، لأجل إيلافهم (أي جعلهم يألفون، ويسّر لهم ذلك) رحلتين: رحلة إلى اليمن شتاء لجلب العطور والبهارات الآتية من الهند والخليج، وكونها في الشتاء؛ لأنها بلاد حارّة، ورحلة إلى الشام في الصيف، لجلب الحبوب الزراعية، وكونها في الصيف؛ لأنها بلاد باردة، وكانت قريش في مكة تعيش بالتجارة، ولولا هاتان الرحلتان لم يتمكنوا من المقام بها، ولولا الأمن بجوار البيت، لم يقدروا على التصرف، وكانوا لا يغار عليهم؛ لأن العرب يقولون: قريش أهل بيت الله عز وجل. وكل هذا الاحترام والإجلال لقريش أهل مكة من الله عز وجل الذي هيأه لهم بواسطة البيت الحرام، فكان عليهم الإقرار بهذه النعمة، وإفراد الله بالعبادة والتعظيم.
وصريح محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن هذه السورة متعلقة
بما قبلها؛ لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل، وأهلكنا أهله لإيلاف قريش، أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وعلى كل حال فهاتان نعمتان: نعمة صد أصحاب الفيل، ونعمة جوار البيت الحرام والائتلاف فيه، فإن لم يعبدوا الله لسائر نعمه، فليعبدوه لهاتين النعمتين. وقد عرّفهم سبحانه بأنه ربّ هذا البيت، بالرغم من أوثانهم التي يعبدونها حول الكعبة، فميّز نفسه عنها، وبالبيت تشرفوا على سائر العرب، وهم يدركون هذا ويقرّون به. وكانت الإشارة إلى البيت في السورة لإفادة التعظيم.
قال الرازي رحمه الله عند قوله تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ} : اعلم أن الإنعام على قسمين: أحدهما-دفع الضرر، والثاني-جلب النفع، والأول أهم وأقدم، ولذلك قالوا: دفع الضرر عن النفس واجب، أما جلب النفع، فإنه غير واجب، فلهذا السبب بيّن الله تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل، ونعمة جلب النفع في هذه السورة، ونظرا لهاتين النعمتين العظيمتين أمرهم ربهم بعبادته والعبودية له وأداء الشكر على ذلك:{فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ}
(1)
.
والعبادة: هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون، وهي تحقق معنى العبودية.
ثم ذكر الله تعالى نعما أخرى على قريش، وصف بهما رب هذا البيت، فقال:
- {الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ} أي هو ربّ البيت، وهو الذي أطعمهم من جوع ووسّع لهم في الرزق ويسّر لهم سبيله، بسبب هاتين الرحلتين، فخلّصهم من جوع شديد كانوا فيه قبلهما.
(1)
تفسير الرازي: 107/ 32