الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سبب النزول:
نزول الآية (5):
{فَلْيَنْظُرِ} : أخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ} قال: نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي، كان يقوم على الأديم (الجلد)، فيقول: يا معشر قريش: من أزالني عنه فله كذا، ويقول:
إن محمدا يزعم أن خزنة جهنم تسعة عشر، فأنا أكفيكم وحدي عشرة، واكفوني أنتم تسعة.
التفسير والبيان:
{وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ، وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟ النَّجْمُ الثّاقِبُ} أي قسما بالسماء البديعة، والكوكب النير البادي ليلا، وما أعلمك ما حقيقته؟ إنه النجم المضيء الشديد الإضاءة، كأنه يخرق بشدة ضوئه ظلمة الليل البهيم.
والحلف بالسماء والكواكب والشمس والقمر والليل والنهار التي أكثر الله تعالى في كتابه الحلف بها؛ لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة، وفيها دلالة على أن لها خالقا مدبرا ينظم أمرها. وقوله:{وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ؟} يراد به التهويل والتفخيم، كأن هذا النجم البعيد في آفاق السموات لا يمكن لبشر إدراكه ومعرفة حقيقته، قال سفيان بن عيينة: كل شيء في القرآن: {ما أَدْراكَ} فقد أخبر الله الرسول به، وكل شيء فيه {ما يُدْرِيكَ} لم يخبره به، كقوله:{وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ} [الشورى 17/ 42].
والطارق: اسم جنس، وسمي طارقا؛ لأنه يطرق بالليل، ويخفى بالنهار، وكل ما أتاك ليلا فهو طارق.
وفسّره بقوله: {النَّجْمُ الثّاقِبُ} أي هو طارق عظيم الشأن، رفيع القدر، وهو الذي يضيء ظلمة الليل، ويهتدي به في ظلمات البر والبحر، وتعرف به أوقات الأمطار وغيرها من أحوال المعايش، وهو الثريا عند الجمهور، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: هو عام في سائر النجوم؛ لأن طلوعها بليل، وكل من أتاك ليلا فهو طارق. والظاهر أن المراد جنس النجم الذي يهتدى به في ظلمات البر والبحر.
ويؤيد ذلك
ما جاء في الحديث الصحيح: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله طروقا، أي يأتيهم فجأة بالليل.
وفي حديث آخر مشتمل على الدعاء:
«أعوذ بك من شرّ طوارق الليل والنهار، إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن» .
ثم ذكر الله تعالى المقسم عليه أو جواب القسم بقوله:
{إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ} أي قسما بالسماء وبالنجم الثاقب، ما كل نفس إلا عليها من الله حافظ، يحرسها من الآفات، وهم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشرّ، كما قال تعالى:{لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ} [الرعد 11/ 13]. والحافظ على الحقيقة هو الله عز وجل، وحفظ الملائكة: من حفظه؛ لأنه بأمره.
ولم تبين الآية من هو الحافظ، فقال بعض المفسرين: إن ذلك الحافظ هو الله تعالى، وقال آخرون: إن ذلك الحافظ هم الملائكة، كما قال:{وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً} [الأنعام 61/ 6]، وقال:{وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ، كِراماً كاتِبِينَ} [الانفطار 10/ 82 - 11]، وقال:{عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق 17/ 50 - 18]، وقال:{لَهُ مُعَقِّباتٌ..} . الآية المتقدمة.
قال أبو أمامة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وكّل بالمؤمن
مائة وستون ملكا يذبّون عنه ما لم يقدر عليه، من ذلك البصر، سبعة أملاك يذبون عنه، كما يذبّ عن قصعة العسل الذباب، ولو وكّل العبد إلى نفسه طرفة عين، لا لاختطفته الشياطين».
ثم نبّه الإنسان إلى مبدأ الخلق ليكون ذلك دليلا على إمكان المعاد، فقال:
{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ} أي فعلى الإنسان أن يتفكر في كيفية بدء خلقه، ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من البعث، إنه خلق من ماء مدفوق مصبوب في الرحم، وهو ماء الرجل وماء المرأة، وقد جعلا ماء واحدا لامتزاجهما، وإنه ماء يخرج من ظهر الرجل في النخاع الشوكي الآتي من الدماغ، ومن بين ترائب المرأة، أي عظام صدرها أو موضع القلادة من الصدر، والولد يتكون من اجتماع الماءين، ثم يستقر الماء المختلط في الرحم، فيتكون الجنين بإرادة الله تعالى، كما قال تعالى:
{وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الحج 50/ 22].
ومعنى خروجه من بين الصلب والترائب: أن أكثره ينفصل من هذين الموضعين لإحاطتهما بسور البدن، والماء في الحقيقة يشترك في تكوينه جميع أجزاء البدن، ويتبلور في الخصية والمبيض في بدء التكوين، وكلاهما يجاور الكلى، ويقع بين الصلب، والترائب، أي ما بين منتصف العمود الفقري تقريبا ومقابل أسفل الضلوع، وكل ذلك آثار عضوية مولدة من الدماغ، والنخاع قناة الدماغ، وهو في الصلب، وله شعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن، وهو الترائب جمع تريبة.
وبعد السؤال والجواب عنه لمعرفة المبدأ الذي هو مقدمة لمعرفة المعاد، والذي ناسب أن يبدأ الله به، ذكر تعالى النتيجة المترتبة على ذلك وهي بيان القدرة على الإعادة، فقال: