الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صغار، وجعلهم كعصف مأكول، أي كبقايا الزرع بعد الحصاد الذي تأكله الماشية، وتعصف به الريح في كل مكان.
أضواء من التاريخ على قصة أصحاب الفيل:
كان على اليمن قائد من قبل أصحمة النجاشي (ملك الحبشة) واسمه أبرهة بن الصباح الأشرم جدّ النجاشي الذي عاصر النّبي صلى الله عليه وسلم قد بنى كنيسة عظيمة سمّاها «القلّيس» ليصرف إليها حج العرب، فقام رجل من كنانة وتغوط فيها ليلا، فأغضبه ذلك، وأقسم ليهدمن الكعبة، مستغلا هذا الحادث، ومريدا في الواقع فتح مكة لربط اليمن ببلاد الشام، وتوسيع بلاد النصرانية.
فجهز جيشا عظيما، مصحوبا بفيلة كثيرة قيل: اثنا عشر، وقيل: ألف، زيادة في الإرهاب والتخويف، وسار حتى وصل إلى «المغمّس» موضع قرب مكة، فأرسل إلى أهل مكة يخبرهم أنه لم يأت لحربهم، وإنما جاء لهدم الكعبة، فاستعظموا الأمر، وفزعوا له، وأرادوا محاربته، فرأوا ألا طاقة لهم بأبرهة وجنوده، واعتصموا بالجبال ينظرون ماذا يحدث، واثقين بأن للبيت ربّا يحميه.
ولما اقترب الجيش من مكة أمر أبرهة بنهب أموال العرب، وكان فيها إبل لعبد المطلب بن هاشم جدّ النّبي صلى الله عليه وسلم، فاستاقها الجند، وكان عددها مائتي بعير، وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وأمره أن يأتيه بأشرف قريش وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تصدّوه عن البيت، فجاء حناطة، فدلوه على عبد المطلب بن هاشم، وبلّغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فو الله ما عندنا دفع عنه، فقال له حناطة: فاذهب معي إليه، فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجلّه، وكان عبد المطلب رجلا جسيما حسن المنظر، فنزل أبرهة عن سريره،
وأجلسه معه على البساط، وسأله عن حاجته، فقال: حاجتي أن يردّ عليّ الملك مائتي بعير أصابها لي.
فتعجب أبرهة، وقال: أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك، قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب: إني أنا ربّ الإبل، وإن للبيت ربّا سيمنعه عنك، قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك
(1)
. وكان قد عرض عبد المطلب ومن معه من أشراف العرب على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عن البيت، فأبى عليهم، وردّ أبرهة على عبد المطلب إبله، ثم رجع وأتى باب البيت ومعه نفر من قريش، وأخذوا بحلقة باب الكعبة يدعون الله، ويستنصرونه على أبرهة وجنده.
ثم زحف الجيش نحو البيت ودخلوا مكة، وكان معه فيل عظيم اسمه «محمود» كلما وجهوه إلى جهة الحرم، برك ولم يبرح، وإذا وجهوه إلى جهة اليمن أو إلى سائر الجهات هرول.
وفي اليوم التالي وبينما عبد المطلب يدعو، التفت، فإذا هو بطير من نحو اليمن جهة البحر، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي بنجدية ولا تهامية.
وكان مع كل طائر أحجار تحملها بمناقيرها وأرجلها، فألقتها عليهم، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك. وفرّ الجيش هاربين نحو اليمن، يتساقطون في الطريق، وأصيب أبرهة في جسده، وبدأت أنامله تسقط أنملة أنملة، ولحمه يتساقط، حتى قدموا به «صنعاء» فمات شرّ ميتة
(2)
.
(1)
سيرة ابن هشام: 49/ 1 وما بعدها.
(2)
المرجع السابق: 43/ 1 - 57