الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شكر، فكما كنت عائلا فقيرا، فأغناك الله، فتحدث بنعمة الله عليك، كما
جاء في الدعاء النبوي المأثور: «واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين عليها، قابليها، وأتمها علينا» .
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يشكر الله من لا يشكر الناس» .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
أقسم الله بالضحى، أي بالنهار، وبالليل إذا سكن، على أنه ما ترك نبيه وما أبغضه منذ أحبه. قال ابن جريج: احتبس عنه الوحي اثني عشر يوما. وقال ابن عباس: خمسة عشر يوما. وقيل: خمسة وعشرين يوما. وقال مقاتل: أربعين يوما.
قال الرازي: هذه الواقعة تدل على أن القرآن من عند الله، إذ لو كان من عنده لما امتنع
(1)
. كما تقدم.
2 -
بشر الله نبيه ببشارتين عظيمتين: الأولى-أنه جعل أحواله الآتية خيرا له من الماضية، ووعده بأنه سيزيده كل يوم عزا إلى عز، وجعل ما عنده في الآخرة حين مرجعه إليه، خيرا له مما عجل له من الكرامة في الدنيا.
والثانية-أنه سيعطيه غاية ما يتمناه ويرتضيه في الدنيا بالنصر والتفوق وغلبة دينه على الأديان كلها، وفي الآخرة بالثواب والحوض والشفاعة.
روى الخطيب أنه صلى الله عليه وسلم، لما نزلت هذه الآية:{وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى} قال: «إذن لا أرضى وواحد من أمتي في النار» ، كما تقدم.
(1)
تفسير الرازي: 210/ 31
والخلاصة: آية {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ..} . عدة كريمة شاملة لما أعطاه الله عز وجل في الدنيا من كمال النفس وعلوم الأولين والآخرين، وظهور الأمر وإعلاء الدين بالفتوحات وانتشار الدعوة في المشارق والمغارب، ولما ادخر له عليه السلام في الآخرة من الكرامات التي لا يعلمها إلا هو عز وجل.
3 -
عدد الله تعالى نعمه ومننه على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر منها في السورة ثلاثا هي الإيواء بعد اليتم، والهدى بعد الغفلة، والإغناء بعد الفقر.
أما الإيواء فقد تكفله بعد موت أبيه وأمه جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب فكفله وآزره، ودفع عنه الأذى.
وأما الهدى فهو بيان القرآن والشرائع، فهداه الله إلى أحكام القرآن وشرائع الإسلام، بعد الجهل بها والغفلة عنها. وليس معنى الضلالة الكفر أو كونه على دين قومه؛ لأن الأنبياء معصومون عن ذلك. واتفق جمهور العلماء على أنه صلى الله عليه وسلم ما كفر بالله لحظة واحدة. وقالت المعتزلة: هذا غير جائز عقلا، لما فيه من التنفير.
وأما الإغناء فهو الإمداد بالفضل والمال والرزق بالتجارة في مال خديجة رضي الله عنها. وفي زمان الرسالة أغناه بمال أبي بكر، ثم بمال الأنصار بعد الهجرة، ثم بالغنيمة.
والحكمة في اختيار اليتم له: أن يعرف قدر اليتامى، ويقوم بحقهم وصلاح أمرهم. ثم إن اليتم والفقر نقص في حق الناس عادة، فلما صار محمد عليه الصلاة والسلام نبيا ورسولا، وأكرم الخلق، مع هذين الوصفين، كان ذلك قلبا للعادة، فكان من جنس المعجزات.
4 -
أدّب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بأن يتعامل مع الخلق مثل معاملة الله معه، فأمره بألا يظلم اليتيم، ويدفع إليه حقه، ويذكر أنه كان يتيما مثله. ودلت الآية على طلب اللطف باليتيم وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: كن لليتيم كالأب الرحيم.
وروي عن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه، فقال:«إن أردت أن يلين، فامسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين»
وفي الصحيح الذي رواه البخاري وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
«أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين» وأشار بالسبابة والوسطى.
ونهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن زجر السائل وعن إغلاظ القول له، وأمره بأن يردّه ببذل يسير، أو ردّ جميل، وأن يتذكر فقره.
روي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمنعن أحدكم السائل، وأن يعطيه إذا سأل، ولو رأى في يده قلبين
(1)
من ذهب».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضا: «ردّوا السائل ببذل يسير، أو ردّ جميل، فإنه يأتيكم من ليس من الإنس ولا من الجن، ينظر كيف صنيعكم فيما خوّلكم الله»
(2)
.
(1)
القلب: السوار.
(2)
تفسير القرطبي: 101/ 20
وأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بشكر نعمة الله عليه وهي النبوة والرسالة، وإنزال القرآن الكريم عليه. ويكون الشكر بنشر ما أنعم الله عليه، والتحدث بنعم الله، والاعتراف بها شكر لها.
ويلاحظ أنه تعالى نهاه عن شيئين وأمره بواحد: نهاه عن قهر اليتيم جزاء لما أنعم به عليه في قوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى} . ونهاه عن نهر السائل في مقابلة قوله: {وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى} . وأمره بتحديث نعمة ربه، وهو في مقابلة قوله:{وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى} .
قال العلماء المحققون: التحديث بنعم الله تعالى جائز مطلقا، بل مندوب إليه إذا كان الغرض أن يقتدي به غيره، أو أن يشيع شكر ربه بلسانه، وإذا لم يأمن على نفسه الفتنة والإعجاب، فالستر أفضل.
وإنما أخر التحديث تقديما لمصلحة المخلوقات على حق الله؛ لأن الله غني وهم المحتاجون، ولهذا رضي لنفسه بالقول فقط.
وروي عن الشافعي أنه رأى التكبير سنة في خاتمة {وَالضُّحى} إلى آخر القرآن؛ لأنه حين انقطع الوحي كما تقدم، وأنزلت السورة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر» تصديقا لما أتى به القرآن.
وهذا التكبير ليس بقرآن؛ لأنه لم ينقل كالقرآن نقلا متواترا بسورة وآياته وحروفه، دون زيادة ولا نقصان. وقال العلماء: لا نقول: إنه لا بد لمن ختم أن يفعله، ولكنه من فعل فقد أحسن، ومن ترك فلا حرج.
ولفظ التكبير إما بأن يقول: «الله أكبر» أو يقول: «لا إله إلا الله والله أكبر» .