الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً} أي أبصرت الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين الله الذي بعثك به، جماعات فوجا بعد فوج، بعد أن كانوا في بادئ الأمر يدخلون واحدا واحدا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام.
{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوّاباً} أي إذا فتحت مكة وانتشر الإسلام، فاشكر الله على نعمه، بالصلاة له، وبتنزيهه عن كل ما لا يليق به، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به بالنصر، واقرن الحمد بالتسبيح، أي اجمع بينهما، فإن ذلك النصر والفتح يقتضي الحمد لله على عظيم منّته وفضله، وما منحك من الخير.
واطلب أيضا من الله المغفرة لك تواضعا لله، واستقصارا لعملك، وتعليما لأمتك، وكذا اسأله المغفرة لمن تبعك من المؤمنين ما كان منهم من القلق والخوف لتأخر النصر، فإن الله سبحانه من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم، وهو كثير القبول لتوبة عباده، حتى لا ييأسوا ويرجعوا بعد الخطأ.
روى الأئمة-واللفظ للبخاري-عن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة {إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي» . وعنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك الله ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن» .
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
1 -
كل نعمة من الله تعالى تستوجب الشكر والحمد والثناء على الله بما هو
أهل له، ومن أجلّ النّعم على نبي الله وأمته تحقيق النصر والغلبة على الأعداء، وفتح مكة عاصمة العرب والإسلام، ومقر البيت الحرام أو الكعبة المشرفة قبلة المسلمين.
وتوج الله سبحانه هذه النعمة العظمى بنعمة كبري أخرى هي دخول العرب وغيرهم في دين الإسلام جماعات، فوجا بعد فوج. وذلك لما فتحت مكة، قالت العرب: أمّا إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، أي طاقة. فكانوا يسلمون أفواجا: أمّة أمّة.
2 -
لهذا ختم الله هذه السورة بأمر الله نبيه بالإكثار من الصلاة، والتسبيح لله، أي تنزيه الله عن كل ما لا يليق به ولا يجوز عليه، والحمد لله على ما آتاه من الظفر والفتح، وسؤال الله الغفران مع مداومة الذكر، والله كثير القبول للتوبة على المسبّحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم.
والأمة أولى بذلك، فإذا كان صلى الله عليه وسلم، وهو معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟
روى مسلم عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله، وأتوب إليه؟ فقال: خبّرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها:{إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} -فتح مكة- {وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوّاباً} .
3 -
دين الله هو الإسلام لقوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ} [آل عمران 19/ 3] وقوله: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ} [آل عمران 85/ 3].
4 -
قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلّد صحيح؛ لأنه تعالى حكم بصحة وإيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على محمد صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن إيمانهم صحيحا، لما ذكره في هذا المجال.
5 -
أمر الله تعالى بالتسبيح أولا ثم بالحمد ثم بالاستغفار؛ لأنه قدم الاشتغال بما يلزم للخالق وهو التسبيح والتحميد على الاشتغال بالنفس. وقدم الأمر بالتسبيح حتى لا يتبادر إلى الذهن أن تأخير النصر سنين لإهمال مثلا، فالله ينزّه ويقدّس عن إهمال الحق. وأتى بالاستغفار حتى لا يفكر النبي صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بالانتقام ممن آذاه.
6 -
الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد، حيث جعل كافيا في أداء ما وجب على النبي صلى الله عليه وسلم وأمته من شكر نعمة النصر والفتح.
7 -
اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
روي أنه لما نزلت هذه السورة خطب صلى الله عليه وسلم وقال: «إن عبدا خيره الله بين الدنيا، وبين لقائه والآخرة، فاختار لقاء الله»
(1)
. وقد عرفوا ذلك؛ لأن الأمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا دليل على أن أمر تبليغ الدعوة قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت؛ لأنه لو بقي بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهو غير جائز. ثم إن الأمر بالاستغفار تنبيه على قرب الأجل.
(1)
تفسير الكشاف: 365/ 3