الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} أي ليس لله أحد يساويه، ولا يماثله، ولا يشاركه في شيء. وهذا نفي لوجود الصاحبة، وإبطال لما يعتقد به المشركون العرب من أن لله ندّا في أفعاله، حيث جعلوا الملائكة شركاء لله، والأصنام والأوثان أندادا لله تعالى.
وللسورة نظائر في آيات أخرى، مثل قوله تعالى:{بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ} [الأنعام 101/ 6] أي هو مالك كل شيء وخالقه، فكيف له من خلقه نظير؟، وقوله:{وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً، إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً. لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا. وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً} [مريم 92/ 19 - 95] وقوله: {وَقالُوا: اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء 26/ 21 - 27].
جاء في صحيح البخاري: «لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم» .
وروى البخاري أيضا وعبد الرزاق عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: كذّبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا، وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد» .
فقه الحياة أو الأحكام:
1 -
تضمنت هذه السورة الموجزة إثباتا ونفيا في آن واحد.
فقد أبانت أن الله تعالى واحد في ذاته وحقيقته، منزه عن جميع أنحاء التركيب، ونفت عنه كل أنواع الكثرة بقوله:{اللهُ أَحَدٌ} .
وأوضحت أن الله غني بذاته كريم رحيم، تحتاج إليه جميع الخلائق في قضاء الحوائج، متصف بجميع صفات الكمال، ونعوت الجلال، ونفت عنه كل أنواع الاحتياج إلى الآخرين بقوله:{اللهُ الصَّمَدُ} .
وقررت أن الله أحد فرد، ليس له شيء من جنسه، ولم يلد أحدا، وليس له لاحق يماثله، ونفت عن نفسه المجانسة والمشابهة بقوله:{لَمْ يَلِدْ} .
وكذلك هو قديم أولي أزلي غير مسبوق بالعدم، فلا والد له، ولا سابق له، ونفت عنه الحدوث والأولية بقوله:{وَلَمْ يُولَدْ} .
وهو سبحانه أيضا لا مقارن له في الوجود، ولا شبيه له ولا نظير ولا صاحبة ولا نديد، ونفى عن ذاته العلية الأنداد والأشباه بقوله:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} .
وكل إثبات تقرير لعقيدة الإسلام القائمة على التوحيد والتنزيه والتقديس، وكل نفي رد على أصحاب العقائد الباطلة كالثنوية القائلين بوجود إلهين اثنين للعالم وهما النور والظلمة، والنصارى القائلين بالتثليث، والصابئة القائلين بعبادة الأفلاك والنجوم، واليهود الذين يقولون: عزير ابن الله، والمشركين القائلين بأن الملائكة بنات الله.
فقوله: {أَحَدٌ} يبطل مذهب الثنوية، وقوله:{اللهُ الصَّمَدُ} تبطل مذهب من أثبت خالقا سوى الله؛ لأنه لو وجد خالق آخر، لما كان الحق مصمودا إليه في طلب جميع الحاجات، وقوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} يبطل مذهب اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، والمشركين في أن الملائكة بنات الله.
وقوله: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ} يبطل مذهب المشركين حيث جعلوا الأصنام أكفاء لله وشركاء.
2 -
قال العلماء: هذه السورة في حق الله تعالى، مثل سورة الكوثر في حق الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الطعن في حق الرسول صلى الله عليه وسلم كان بسبب أنهم قالوا: إنه أبتر لا ولد له، وهنا الطعن بسبب أنهم أثبتوا لله ولدا؛ لأن عدم الولد في حق الإنسان عيب، ووجود الولد عيب في حق الله تعالى، ولهذا السبب قال هنا:
{قُلْ} ليدفع عن الله، وفي سورة إنا أعطيناك لم يقل (قل) وإنما قال الله ذلك مباشرة، حتى يدفع بنفسه عن الرسول صلى الله عليه وسلم
(1)
.
(1)
تفسير الرازي 185/ 32