الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والرياسات، وإما عنادا وإمعانا في البقاء على تقليد الآباء والأجداد والأسلاف.
والله أعلم من جميع الخلائق بما يضمرونه أو يكتمونه في أنفسهم من التكذيب، وأعلم بأسباب الإصرار على الشرك أو الكفر، وجمع الأعمال الصالحة والسيئة.
{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ} أي فأخبرهم أيها النبي بأن الله عز وجل قد أعدّ لهم عذابا أليما. واستعمال البشارة التي هي في الأصل لما هو سار، في الإخبار عن العذاب تهكم واستهزاء بهم.
{إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ، لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} أي لكن الذين آمنوا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر، وخضعوا للقرآن الكريم، وعملوا بما جاء به، والتزموا صالح الأعمال بأعضائهم، لهم في الدار الآخرة ثواب غير مقطوع ولا منقوص، ولا يمنّ به عليهم، كما قال تعالى:{عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود 108/ 11]. والاستثناء منقطع في رأي الزمخشري. وقال الأكثرون: معناه إلا من تاب منهم وعمل صالحا، فله الثواب العظيم.
وفي هذا ترغيب شديد بالإيمان والطاعة، وزجر عن الكفر والمعصية.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
أقسم الله عز وجل بالشفق (وهو حمرة السماء التي تكون عند مغيب الشمس حتى تأتي صلاة العشاء الآخرة) وبالليل وما جمع وضم ولفّ، وبالقمر إذا اجتمع وتم واستوى، على وقوع البعث والقيامة وما يتبعها من أهوال عظام وشدائد ضخام.
2 -
ماذا يمنع الكفار عن الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم واليوم الآخر والقرآن بعد ما وضحت لهم الآيات وقامت الدلالات؟! وماذا يمنعهم عن الخضوع والسجود للقرآن عند سماعه، بعد ما عرفوا أنه معجز، وهم أرباب الفصاحة والبلاغة؟! وهذا توبيخ على أنهم لا ينظرون في الدلائل حتى يورثهم الإيمان والسجود عند تلاوة القرآن.
3 -
جمهور العلماء على أن هذه الآية: {وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} موضع سجدة تلاوة، بدليل ما تقدم
في الصحيح عن أبي هريرة أنه قرأ: {إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ} فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها.
وقال الإمام مالك: إنها ليست من عزائم السجود، لأن المعنى: لا يذعنون ولا يطيعون في العمل بواجباته. وعقب على ذلك ابن العربي ونقله عنه القرطبي قائلا: والصحيح أنها منه، أي من عزائم السجود، وهي رواية المدنيين عنه، أي عن مالك، وقد اعتضد فيها القرآن والسنة
(1)
.
4 -
الواقع أن الكفار يكذبون الدلائل الموجبة للإيمان وتوابعه، وإن كانت جلية ظاهرة، وتكذيبهم بها إما لتقليد الأسلاف، أو عنادا، أو حسدا، أو خوفا من أنهم لو أظهروا الإيمان، لفاتتهم مناصب الدنيا ومنافعها.
والله عالم بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب والشرك والعناد وسائر العقائد الفاسدة والنيات الخبيثة، فهو يجازيهم على ذلك.
(1)
أحكام القرآن لابن العربي: 1899/ 4، تفسير القرطبي: 280/ 19 - 281
5 -
صرح الله تعالى بوعيدهم قائلا لنبيه: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ} أي موجع في جهنم على تكذيبهم، أي جعل ذلك بمنزلة البشارة تهكما واستهزاء بهم.
6 -
استثنى الله تعالى من الوعيد السابق الذين صدقوا بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعملوا الصالحات، أي أدّوا الفرائض المفروضة عليهم، فلهم ثواب غير منقوص ولا مقطوع، ولا يمنّ عليهم به.
والاستثناء منقطع عند الزمخشري كما بينا، ولا بأس بكونه متصلا، كأنه قال: إلا من آمن منهم، فله أجر غير مقطوع، أو هو من المنة.
وذكر ناس من أهل العلم أن قوله: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ} ليس استثناء، وإنما هو بمعنى الواو، كأنه قال: والذين آمنوا.