الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يفعلون؟ وأما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي ربهم في يوم عظيم الهول كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أدخل نارا حامية؟ وهو يوم القيامة.
إنه يوم يقوم الناس فيه حفاة عراة، في موقف صعب حرج، منتظرين لأمر رب العالمين وجزائه وحسابه. وفي هذا دلالة على عظم ذنب التطفيف، ومزيد إثمه، وشدة عقابه، لما فيه من خيانة الأمانة وأكل حق الغير. وفي الإشارة إليهم بأولئك، وقد ذكرهم عما قريب، تبعيد لهم عن رتبة الاعتبار، بل عن درجة الإنسانية. وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لرب العالمين، بيان بليغ لعظم هذا الذنب. ويلاحظ أن المطففين إن كانوا من أهل الإسلام، فالظن بمعنى اليقين أو العلم، وإن كانوا كفارا منكري البعث، فالظن بمعناه الأصلي، والمراد: هب أنهم لا يقطعون بالبعث، أفلا يظنونه أيضا، كقوله:{إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية 32/ 45].
فقه الحياة أو الأحكام:
يستفاد من الآيات ما يأتي:
1 -
التطفيف: وهو إنقاص حق الآخر في الكيل أو الوزن ونحوهما من المقاييس حرام شرعا، موجب للإثم الشديد والعذاب الأليم في الآخرة، وهو أيضا رذيلة اجتماعية ونقيصة وعيب يطعن في الخلق، ويؤدي إلى ابتعاد الناس عن فاعله.
روي أن أهل المدينة كانوا تجارا يطففون، وكانت بياعاتهم المنابذة والملامسة والمخاطرة، يعني بيع الغرر، كالطير في الهواء، فنزلت-على أن السورة مدنية في رأي جماعة-فخرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقرأها عليهم، فقال:
(1)
.
2 -
المراد بالتطفيف هنا: الزيادة في الكيل أو الوزن ونحوهما عند استيفاء الحق، ونقص الكيل أو الوزن ونحوهما عند إيفاء الحق.
3 -
قوله تعالى: {أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ} توبيخ للمطففين، وإنكار وتعجيب عظيم من حالهم، في الاجتراء على التطفيف، كأنهم لا يظنون أنهم مبعوثون يوم القيامة، فمسئولون عما يفعلون. والظن هنا كما تقدم بمعنى اليقين، أي ألا يوقن أولئك، ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن. وهذا دليل على أن التطفيف من الكبائر.
وهذا الوعيد يتناول من يفعل ذلك، ومن يعزم عليه؛ إذ العزم عليه أيضا من الكبائر
(2)
.
وأكثر العلماء على أن قليل التطفيف وكثيره يوجب الوعيد، وبالغ بعضهم كما تقدم، حتى عدّ العزم عليه من الكبائر.
وقال الشيخ أبو القاسم القشيري رحمه الله: لفظ المطفف يتناول التطفيف في الوزن والكيل، وفي إظهار العيب وإخفائه، وفي طلب الإنصاف والانتصاف، ومن لم يرض لأخيه المسلّم ما يرضاه لنفسه، فليس بمنصف، والذي يرى عيب الناس ولا يرى عيب نفسه، فهو من هذه الجملة، ومن طلب حق
(1)
أخرجه الطبراني عن ابن عباس، وهو حديث صحيح. وأخرجه أبو بكر البزار بمعناه، ومالك بن أنس أيضا من حديث ابن عمر.
(2)
وهذا رأي الرازي، تفسير الرازي: 89/ 31
نفسه من الناس، ولا يعطيهم حقوقهم، كما يطلب لنفسه، فهو من هذه الجملة، والفتى من يقضي حقوق الناس، ولا يطلب من أحد لنفسه حقا
(1)
.
ويحكى أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان: إن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ووزن؟! 4 - قوله:{يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ} أي للعرض والحساب، فيه غاية التخويف؛ لأن جلال الله وعظمته يملآن النفس رهبة وهيبة، والقيام له شيء حقير أمام عظمته وحقه.
أما قيام الناس بعضهم لبعض، ففيه خلاف، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه،
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى جعفر بن أبي طالب واعتنقه، وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار، حين طلع عليه سعد بن معاذ فيما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري:«قوموا إلى سيّدكم» . وقال أيضا: «من سرّه أن يتمثل له الناس قياما، فليتبوأ مقعده من النار»
(2)
.
قال القرطبي: وذلك يرجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك واعتقده لنفسه، فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة، فإنه جائز، وبخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه
(3)
.
والخلاصة كما ذكر الرازي: جمع الله سبحانه في هذه الآية أنواعا من التهديد، فقال أولا:{وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، وهذه الكلمة تذكر عند نزول البلاء، ثم قال ثانيا:{أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ} وهو استفهام بمعنى الإنكار، ثم قال ثالثا:
(1)
غرائب القرآن: 49/ 30
(2)
تفسير القرطبي: 256/ 19
(3)
تفسير القرطبي: 256/ 19