الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخاتمة
من أحكام الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، أي بالبداهة أن إنزال القرآن المجيد على نبي هذه الأمة الإسلامية قصد به العمل بكل ما جاء فيه من الأحكام والشرائع والعقائد والآداب والأخلاق والمواعظ، وأنه لا يكفي المسلّم أو المسلمة مجرد قراءته أو تلاوته للتعبد والبركة، وإنما للاستفادة بما جاء فيه، فهو دستور الأمة، ونظام حياة الفرد والجماعة، والرعية والدولة.
والسائد في الوسط العلمي أنه لا يستغنى بتفسير قديم عن تفسير آخر، لاختلاف مناهج المفسرين، وامتياز كل تفسير بميزة لا تتوافر في الآخر، فهذا في العقيدة، وهذا في الأحكام، وذاك في الآثار والروايات الكثيرة، وآخر في التأويل بالمعقول أو في العلوم الكونية، والكل يكمل بعضه بعضا، أما في العصر الحديث فيصعب على كل مسلّم أو بيت اقتناء جميع التفاسير المطولة والمتوسطة والمختصرة، فضلا عن عسر فهمها أحيانا، وإطالتها، واستطرادها في كثير من الأحوال لأمور بعيدة أو قريبة عن التفسير، وينقصها جميعها التفسير الشامل الموضوعي للآيات، لفهمها جملة واحدة، بسبب عنايتها بالجزئيات والفرعيات، دون وجود تصور متكامل أو عام فيها للآية أو لطائفة من الآيات، وصعوبة إدراك مشتملات السورة وارتباط أجزائها ببعضها، أو التعرف على موضوعها المقصود.
وكذلك يكثر السؤال في وقتنا عادة عن أحسن تفسير يعتمد عليه لمتوسط الثقافة، فلا يكاد المرء يجد جوابا شافيا؛ لأن القديم وعر المسالك، والجديد فيه
هنات وسقطات، أو جنوح لتأييد بعض الآراء المذهبية، أو تطرف وبعد في التأويل وإغراب في بعض الأحيان لإرضاء أذواق العصر.
لذا وجب وضع تفسير شامل معتدل غير متطرف، يجمع بين مزايا التفاسير المختلفة وييسر على القارئ والتالي فهم الآيات الكريمة بدقة ووعي، ويحيط بكل ما هو ضروري يحقق مقاصد القرآن العظيم في العقيدة والعبادة والتشريع والآداب والأخلاق والسلوك القديم في الحياة، ويفسر القرآن بالقرآن وبالسّنة الصحيحة والسيرة الثابتة، وهذا ما أوردته في هذا الكتاب، كما أردت بيان ما يستنبط من الآيات من أحكام شرعية مختلفة.
وذلك بعد أن ألحّ علي بعض إخواني لتحقيق هذه الغاية، فتوقفت أولا، ثم شرح الله صدري للعمل الذي يحتاج لجهود مكثفة ووقت طويل الأمد، فوضعت هذا التفسير الشامل لطريقتي أهل المأثور والمعقول، والجامع لأحكام القرآن الذي أنار الطريق أمام كل تال للقرآن، بعبارة سهلة واضحة، وأسلوب سلس بيّن، ومنهج منظم متدرج من المفردات إلى الكليات، وكان بحمد الله تعالى جامعا بين طريقة الوجيز والوسيط والمبسوط، فبيان المفردات اللغوية والإعراب والبلاغة يحقق الإيجاز لمن يكتفي به؛ والتعرف على أسباب النزول والمناسبة بين الآيات والسور وقصص القرآن والبيان لكل طائفة من الآيات، يلبي مطلب التوسط في المعرفة والعلم؛ والانتقال إلى بيان فقه الحياة بمعنى «الفقه الأكبر» الشامل للعقيدة والأخلاق والأعمال والأحكام العملية المستنبطة من الآيات، يتجاوب مع رغبة من أراد التوسط والإطالة والاستيعاب.
ومن أجل السير في هذه المراتب الثلاثة المتدرجة، قد يوجد تكرار بينها بقصد تلبية الحاجة، وتيسير المطلب دون حاجة للرجوع إلى ما سبق.
أما المصادر: فقد نبهّت عليها في المقدمة، وأكرر القول بأنني اعتمدت على
أغلب ما كتب في التفسير قديما وحديثا، مبتدئا بتفسير إمام المفسرين ابن جرير الطبري في الآثار والمعقول معا وأسباب النزول وبعض التصويبات والترجيحات، ثم اعتمدت على تفسير الكشاف للزمخشري، والبحر المحيط لأبي حيّان التوحيدي، وغرائب القرآن للنظام الأعرج وغيرها كالبيضاوي والنسفي وأبي السعود والجلالين في اللغويات والمعاني الدقيقة، والمناسبات، وعلى تفسير الفخر الرازي «التفسير الكبير» في العقائد والإلهيات والكونيات والأخلاق وبعض الأحكام ومناسبات الآيات والسور، وأسباب النزول، مع الرجوع في بيان الأسباب أيضا إلى «أسباب النزول» للواحدي النيسابوري، و «أسباب النزول» للسيوطي.
كما اعتمدت على تفسير الإمام القرطبي، وأحكام القرآن لابن العربي، وأحكام القرآن للجصاص الرازي في معرفة الأحكام الفقهية، ورجعت في ذلك وغيره أيضا إلى تفسير الحافظ ابن كثير وفتح القدير للشوكاني والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزيّ، لبيان معاني الآيات وتأييدها بالأحاديث والأخبار الصحاح، كما استقيت بعض المعلومات من تفسيري الخازن والبغوي.
واستأنست أحيانا بعبارات بعض المفسرين الجدد الجميلة والمفيدة، كتفسير المنار للشيخ رشيد رضا، ومحاسن التأويل للقاسمي، وتفسير المراغي، وفي ظلال القرآن، رحم الله الجميع وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
وقد تجنّبت الأخذ في أسباب النزول وغيرها بالأحاديث والروايات الضعيفة والإسرائيليات الدخيلة التي لا تتفق مع عصمة الأنبياء، وضمان سلامة الوحي.
وأما الإعراب فمرجعي الأصلي كتاب (البيان في إعراب القرآن) لأبي البركات بن الأنباري، وأما البلاغة فمرجعي في الغالب كتاب (صفوة التفاسير) للشيخ محمد علي الصابوني، وأما قصص الأنبياء فكنت أرجع مع الحذر
لكتاب (قصص الأنبياء) للأستاذ عبد الوهاب النجار، وأما أحداث ووقائع الغزوات والسيرة فعمدتي فيها كتب السيرة الشهيرة كسيرة ابن هشام، وابن إسحاق، والبداية والنهاية لابن كثير وغيرها مما كتب قديما وحديثا.
وأستطيع أن أقول عن خبرة وتجربة وبعد أن عانيت التأليف في رحاب الجامعات مدة ربع قرن فأكثر في الفقه الإسلامي وأصوله وفي الحديث النبوي، وتفسير كتاب الله وغير ذلك: إنه لا تصح العقيدة، ولا تشرق في النفس معانيها إلا بالقرآن، ولا يستقيم سلوك مسلّم إلا بفهم كتاب الله، ولا تلين النفس بعد القرآن إلا بالحديث النبوي وروحانيته الفياضة، ولا يصح عمل المسلّم إلا بالأحكام الشرعية المقررة في الفقه، ولا يعصم العقل والفهم عن الخطأ، ولا تنضبط أحكام الشريعة إلا بأصول الفقه.
ولا أجد الآن خيرا من إهداء شيء للمسلمين في كل مكان، حكاما ومحكومين، غير هذا
الحديث النبوي الشريف الذي أخرجه الترمذي والدّارمي عن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين رضي الله عنه مرفوعا: «كتاب الله تبارك وتعالى فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلّه الله، هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والذّكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا تتشعّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرّد، ولا تنقضي عجائبه، ولا تفنى غرائبه، هو الذي لم تنته الجنّ إذ سمعته أن قالوا: {إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً} من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه، هدي إلى صراط مستقيم» .
وكلمتي الأخيرة: إنني في نفسي بالذات كلما فسّرت آية أو سورة من كتاب الله، ازددت إيمانا بصحة تنزيل هذا الكتاب المجيد على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وبأنه الكتاب الوحيد المنقذ للبشرية من تخبطها في دياجير الظلمة والضلال، كما ازددت انبهارا وثقة ويقينا بإعجاز القرآن وعظمته، فمهما حاولت إحصاء المعاني والأحكام، يظل كلام الله عز وجل البحر الزاخر والفيض العارم الذي لا يمكن الإحاطة بمراده ومشتملاته، ولكن عملي جهد المقلّ والعبد الضعيف الخاضع لله وحده، والعاجز عن إدراك جميع معاني القرآن، والذي يكفيني إعلانه هو القول بأن القرآن العظيم هو الكتاب الفذّ الأول الذي أثّر في فكري وسلوكي وتكوين شخصيتي، فاللهم وفقنا جميعا للعمل به، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
الأستاذ الدكتور/وهبة مصطفى الزحيلي
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق