الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم أوضح ما تم في أثناء الدحو من إعداد وسائل الحياة والعيش، فقال:
{أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، وَالْجِبالَ أَرْساها، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ} أي فجّر من الأرض الأنهار والبحار والعيون والينابيع، وأنبت فيها النبات لبني آدم قوتا كالحبوب والثمار، وللأنعام مرعى كالأعشاب والحشائش، وجعل الجبال كالأوتاد للأرض لئلا تميد بأهلها، وقررها وثبّتها في أماكنها.
وجعل تعالى كل ذلك منفعة وفائدة أو تمتيعا لكم أيها الناس، ولأنعامكم أكلا وركوبا وهي الإبل والبقر والغنم، كما قال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل 10/ 16].
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يأتي:
1 -
أثبت الله تعالى لمنكري البعث قدرته على إعادة الخلق والمعاد، بقدرته على بدء الخلق، وقدرته على خلق السموات العظيمة، المحكمة البناء، والتي جعل فيها الليل والنهار، وخلق الأرض التي دحاها وبسطها ومهدها بعد خلق السموات، وفجر منها الأنهار والينابيع، وأرسى الجبال في أماكنها، كل ذلك لتحقيق المنفعة للإنسان ودوابه التي يأكل منها ويركب عليها. ومعنى الكلام التقريع والتوبيخ.
فمن قدر على السماء قدر على الإعادة، وإذا كان الله قادرا على إنشاء العالم الأكبر، يكون على خلق العالم الأصغر، بل على إعادته أقدر.
2 -
نبّه الله تعالى بهذا الدليل على أمر معلوم بالمشاهدة، وهو أن خلق السماء أعظم وأبلغ في القدرة.
3 -
أشار الله تعالى إلى كيفية خلق السماء بقوله: {بَناها} وفيه تصوير
للأمر المعقول، وهو الإبداع والاختراع، بالأمر المحسوس وهو البناء.
ثم ذكر هيئة البناء بقوله: {رَفَعَ سَمْكَها} وهو الامتداد القائم من السفل إلى العلو، وعكسه يسمى عمقا.
4 -
دل قوله تعالى: {فَسَوّاها} على أن الأرض كروية، كما دل قوله تعالى:{دَحاها} على أن كروية الأرض ليست تامة، بل هي مفلطحة كالبيضة. ودحو الأرض لا ينافي تقدم خلق الأرض على السماء في قوله تعالى:
{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ} [البقرة 29/ 2].
5 -
إنما نسب الله تعالى الليل والنهار إلى السماء؛ لأنهما يحدثان بسبب غروب الشمس وطلوعها، وهذان إنما يحصلان بسبب حركة الفلك.
6 -
وصف الله تعالى كيفية خلق الأرض بعد وصف كيفية خلق السماء، وذكر صفات ثلاثا: هي دحو الأرض، أي بسطها وتمهيدها الذي حصل بعد خلق السماء، وإخراج الماء والمرعى من الأرض، والمرعى: يشمل جميع ما يأكله الناس والأنعام، وإرساء الجبال وتثبيتها في أماكنها. قال القتبي: دل الماء والمرعى على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر والحب والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء.
7 -
امتن الله تعالى على خلقه بأنه إنما خلق هذه الأشياء في السماء والأرض متعة ومنفعة لهم ولأنعامهم، أو تمتيعا لهم ولأنعامهم.
8 -
دل مجموع الآيات هنا، وفي سورة السجدة (فصلت) وسورة البقرة وغيرها، على أن الله تعالى خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء ثانيا، ثم دحا الأرض بعد ذلك ثالثا؛ لأنها كانت أولا كالكرة المجتمعة، ثم إن الله تعالى مدها وبسطها.