الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
{وَفُتِحَتِ السَّماءُ} شققت وصدّعت. {فَكانَتْ أَبْواباً} ذات أبواب، أو صارت من كثرة الشقوق كأنها أبواب. {وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ} أزيلت عن أماكنها، وأصبحت في الهواء كالهباء.
{سَراباً} مثل السراب، إذ ترى على صورة الجبال وليست جبالا في الحقيقة بل غبارا.
{مِرْصاداً} موضع رصد، يرصد فيه خزنة النار الكفار {لِلطّاغِينَ} الكافرين، الذين طغوا بمخالفة أوامر ربهم. {مَآباً} مرجعا ومأوى. {لابِثِينَ} مقيمين. {أَحْقاباً} دهورا لا نهاية لها، جمع حقب، وواحدها حقبة، وهي مدة مبهمة من الزمان.
{لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً} برودة الهواء، ويطلق أيضا على النوم. {وَلا شَراباً} أي ما يشرب تلذذا لتسكين العطش. {إِلاّ حَمِيماً} الحميم: الماء الحارّ الشديد الغليان. {وَغَسّاقاً} قيح وصديد أهل النار الدائم السيلان من أجسادهم. {جَزاءً وِفاقاً} أي جوزوا بذلك جزاء موافقا لأعمالهم وكفرهم، فلا ذنب أعظم من الكفر، ولا عذاب أعظم من النار. {لا يَرْجُونَ} لا يخافون أو لا يتوقعون. {حِساباً} محاسبة على أعمالهم؛ لإنكارهم البعث. {بِآياتِنا} القرآن.
{كِذّاباً} تكذيبا كثيرا. {وَكُلَّ شَيْءٍ} أي من الأعمال. {أَحْصَيْناهُ} ضبطناه. {كِتاباً} أي ضبطناه بالكتابة. {فَذُوقُوا} أي فيقال لهم في الآخرة عند وقوع العذاب عليهم: ذوقوا جزاءكم. {فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً} أي فوق عذابكم.
المناسبة:
بعد إثبات قدرة الله تعالى على تخريب الدنيا، وإيجاد عالم آخر، بإثبات إمكان الحشر وعموم القدرة والعلم، أخبر تعالى عن يوم الفصل وهو يوم القيامة أنه مؤقت بأجل معلوم لا يزاد عليه ولا ينقص منه، ولا يعلم وقته على التعيين إلا الله عز وجل، ثم ذكر علامات ذلك اليوم من نفخ الصور، وتصدع السماء، وتسيير الجبال عن أماكنها وصيرورتها هباء كالهواء، ثم أوضح أن جهنم مرصد للطغاة وهم الكافرون المكذبون بآيات الله، الذين أحصى الله عليهم كل شيء من أعمالهم، وسيلقون جزاء ما صنعوا.
التفسير والبيان:
{إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً} أي إن يوم القيامة وقت ومجمع وميعاد
للأولين والآخرين، ينالون فيه ما وعدوا به من الثواب والعقاب. وسمي يوم الفصل؛ لأن الله تعالى يفصل فيه بحكمه بين خلقه.
ثم ذكر الله تعالى علامات ثلاثا لهذا اليوم، فقال:
1 -
{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَأْتُونَ أَفْواجاً} أي إن يوم الفصل هو اليوم الذي ينفخ فيه إسرافيل بالبوق أو القرن، فتأتون أيها الخلائق من قبوركم إلى موضع العرض زمرا زمرا، وجماعات جماعات، تأتي فيه كل أمة مع رسولها، كما قال تعالى:{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ} [الإسراء 71/ 17].
2 -
{وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً} أي وتصدعت السماء وشقت، فصارت ذات أبواب كثيرة وطرقا ومسالك لنزول الملائكة، ونظير الآية كثير، مثل:{إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق 1/ 84]. {إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ} [الانفطار 1/ 82]. {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ، وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً} [الفرقان 25/ 25]. وهذا يعني تبدل نظام الكون، وذهاب التماسك بين أجزائه.
3 -
{وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً} أي وأزيلت الجبال عن أماكنها، وبددت في الهواء، فكانت هباء منبثا، يظن الناظر أنها سراب، وتبدأ أولا بالدكّ كما قال تعالى:{وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ، فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً} [الحاقة 14/ 69] ثم تصير كالعهن أو الصوف المنفوش كما قال: {وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة 5/ 101] ثم تتقطع وتتبدد وتصير كالهباء، كما قال:
{إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا، وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا} [الواقعة 4/ 56 - 6] ثم تنسف عن الأرض بالرياح، كما جاء في قوله تعالى:
{وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ: يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً} [طه 105/ 20] وقوله:
{وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً، وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ} [النمل 88/ 27]
(1)
.
(1)
تفسير الرازي: 11/ 31 - 12
ثم ذكر الله تعالى ما يلاقيه المكذبون الضالون الأشقياء يومئذ بقوله:
{إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً، لِلطّاغِينَ مَآباً، لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً} أي إن نار جهنم كانت في حكم الله وقضائه مرصدة معدّة للطغاة المتجبرين المتكبرين وهم المردة العصاة المخالفون للرسل، ومرجعا ومصيرا ونزلا لهم، حالة كونهم ماكثين فيها ما دامت الدهور. والأحقاب جمع حقب ومفردها حقبة: وهي المدة الطويلة من الزمان، إذا مضى حقب دخل آخر، وهكذا إلى الأبد. والمرصاد:
إما اسم للمكان الذي يرصد فيه، وإما صفة بمعنى أنها ترصد أعداء الله.
والآية دليل على أن جهنم كانت مخلوقة؛ لأن قوله: {مِرْصاداً} أي معدّة، ومثلها الجنة أيضا إذ لا فرق بينهما.
{لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً إِلاّ حَمِيماً 1 وَغَسّاقاً، جَزاءً وِفاقاً} أي لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب بردا ينفعهم من حرها، ولا شرابا ينفعهم من عطشها إلا الحميم: وهو الماء الحار الشديد الغليان، والغساق: وهو صديد أهل النار، وهذا العذاب موافق الذنب العظيم الذي ارتكبوه نوعا ومقدارا، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار، وقد كانت أعمالهم سيئة، فجوزوا بمثلها، كما قال تعالى:{وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها} [الشورى 40/ 42]. وقيل:
البرد: النعاس والنوم. ويلاحظ أنه تعالى بعد أن شرح أنواع عقوبة الكفار، بين أنه جزاء حق وعدل موافق لأعمالهم.
ثم عدد الله تعالى أنواع جرائمهم، فقال:
(1)
قال أبو حيان في البحر المحيط (414/ 8): والذي يظهر أن قوله: لا يَذُوقُونَ كلام مستأنف، وليس في موضع الحال، وإِلاّ حَمِيماً استثناء متصل من قوله: وَلا شَراباً وأن أَحْقاباً منصوب على الظرف، حملا على المشهور من لغة العرب، لا منصوب على الحال.
{إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً، وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً} أي إنهم اقترفوا الأعمال السيئة والقبائح المنكرة؛ لأنهم لا يطمعون في ثواب، ولا يخافون من حساب؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث. فقوله:{إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً} أي لا يخافون أو لا يتوقعون حسابا: علة التأبيد في العذاب.
وكذبوا بالآيات القرآنية وبالبراهين الدالة على التوحيد والنبوة والمعاد تكذيبا شديدا. وهذا إشارة إلى فساد عقائدهم، حتى جحدوا الحق وكذبوا الرسل. ثم أخبر الله تعالى عن إحصاء جميع أعمالهم بقوله:
{وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً} أي إننا علمنا جميع أعمال العباد، وكتبناها عليهم، وكتبها الحفظة كتابة تامة شاملة، وسنجزيهم على ذلك، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وقوله {كِتاباً} مصدر في موضع إحصاء، أو أن «أحصينا» في معنى كتبنا، لالتقاء الإحصاء والكتابة في معنى الضبط والتحصيل
(1)
.
ثم ذكر ما يقال لهم في التعذيب تقريعا وتوبيخا لهم:
{فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً} أي يقال لأهل النار لكفرهم، وتكذيبهم بالآيات، وقبح أفعالهم: ذوقوا ما أنتم فيه من العذاب الأليم، فلن نزيدكم إلا عذابا من جنسه. قال عبد الله بن عمرو: لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً} فهم في مزيد من العذاب أبدا.
(1)
قال أبو حيان في البحر المحيط (415/ 8): وَكُلَّ شَيْءٍ: عام مخصوص أي كل شيء مما يقع عليه الثواب والعقاب، من جملة اعتراض معترضة.