الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نزول الآية (17):
{فَلْيَدْعُ نادِيَهُ} :
أخرج أحمد والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي، فجاءه أبو جهل، فقال: ألم أنهك عن هذا؟ فزجره النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله:{فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ} وهو حسن صحيح كما قال الترمذي.
المناسبة:
بعد أن أبان سبحانه في مطلع السورة مظاهر القدرة الإلهية، وعدد نعمه ومننه العظمى على الإنسان بتعليمه القراءة والكتابة وما لم يعلم، ذكر السبب الحقيقي لكفر الإنسان وطغيانه وبغيه وهو حب الدنيا والثورة والاغترار بها، مما شغله عن النظر في آيات الله وشكر نعمه.
ثم ذكر صورا أخرى من طغيان الإنسان وهي النهي عن الصلاة والعبادة، وهل يأمر بالمعروف والتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان؟ وتكذيبه بالحق والتولي عن الدين والإيمان.
وناسب بعد هذا تهديده ووعيده بالعقاب الشديد والنكال الأليم يوم العرض والحساب، من غير أن يجد نصيرا ينصره أو معينا يمنعه من العذاب.
وختمت السورة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم طاعة هذا الطاغية، والإقبال على عبادة ربه، والتقرب إليه بالطاعة.
التفسير والبيان:
أخبر الله تعالى عن حالات قبيحة جدا من أحوال الطغاة وهي:
1 -
{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى، عَبْداً إِذا صَلّى} ؟ أي أخبرني عن حال هذا الطاغية المغرور وهو أبو جهل وأمثاله، كيف يجرأ على أن ينهى عبدا هو محمد
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه عن أداء الصلاة والعبادة لله رب العالمين، ويريد طاعته في عبادة الأوثان، وترك عبادة الخالق الرزاق؟ وتنكير كلمة {عَبْداً} يدل على كونه كاملا في العبودية. والمراد بالآية: ما أجهل من ينهى أشد الخلق عبودية عن الصلاة، وذلك مذموم عند العقلاء.
روي أن عليا رضي الله عنه رأى في المصلّى أقواما يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم؟ فقال:
أخشى أن أدخل تحت قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلّى} فلم يصرح بالنهي عن الصلاة. وأخذ أبو حنيفة منه هذا الأدب الجميل حين قال أبو يوسف: أيقول المصلي حين يرفع رأسه من الركوع: اللهم اغفر لي؟ فقال:
يقول: ربنا لك الحمد، ويسجد، ولم يصرح بالنهي عن الدعاء
(1)
.
2 -
{أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى، أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى؟} أي أخبرني أيضا عن حال هذا الطاغية الناهي، إن كان على طريق سديد فيما ينهى عنه من عبادة الله تعالى، أو هل هو آمر بالتقوى فيما يأمر به من عبادة الأوثان، كما يعتقد؟ والأكثرون على أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أيضا، ليكون الكلام على نسق واحد. وقيل: الخطاب للكافر، والمعنى: أرأيت يا كافر إن كانت صلاة هذا العبد المنهي هدى، ودعاؤه إلى الدين أمرا بالتقوى، أتنهاه مع ذلك؟ والتقوى: الإخلاص والتوحيد والعمل الصالح الذي تتقى به النار. ويتصور هذا كأن الظالم والمظلوم حضرا عند الحاكم، أحدهما المدعي، والآخر المدعى عليه، ثم خاطب هذا مرة، أي في الكلام الأول:{أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى} وهذا مرة أي في الكلام الثاني: {أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى.} ..
(1)
تفسير الرازي: 21/ 32، غرائب القرآن: 136/ 30
3 -
{أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى} أي أخبرني يا محمد عن حال هذا الكافر أبي جهل إن كذب بدلائل التوحيد الظاهرة، ومظاهر القدرة الباهرة، وبما جاء به رسول الله، وأعرض عن الإيمان بدعوتك؟ والجواب فيما دل عليه ما يأتي: ألم يعلم بعقله أن الله يرى منه هذه الأعمال القبيحة، وأنه سيجازيه ويحاسبه على جرائمه؟ وهذا على رأي الأكثرين في أن الخطاب في {أَرَأَيْتَ} في المواضع الثلاثة للنبي صلى الله عليه وسلم. فإن كان الخطاب للكافر فالمراد بالآية الثالثة: إن كان محمد كاذبا أو متوليا عن الحق، ألا يعلم أن خالقه يراه حتى ينتهي، فلا يحتاج إلى نهيك؟ قال العلماء: هذه الآية وإن نزلت في حق أبي جهل، إلا أن كل من ينهى عن طاعة الله فهو شريك في وعيد أبي جهل.
ثم جاء الزجر والتهديد والوعيد بصيغ مختلفة مبالغ فيها، وبعضها أشد من بعض:
1 -
{أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرى} أي أما علم هذا الناهي لهذا المهتدي أن الله يراه ويسمع كلامه ويطلع على أحواله، وسيجازيه بها أتم الجزاء، فكيف اجترأ على ما اجترأ عليه؟! 2 - {كَلاّ، لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنّاصِيَةِ، ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ} أي ليرتدع وينزجر هذا الناهي عن البرّ والعبادة لله تعالى، فوالله لئن لم ينته عما هو عليه ولم ينزجر عن الشقاق والعناد، لنأخذن بناصيته، ولنجرّنه إلى النار.
والناصية: شعر مقدم الرأس، وصاحبها كاذب خاطئ مستهتر بفعل الخطايا والذنوب.
وفي هذا توعد شديد، وتهديد أكيد عن طغيان هذا الطاغية.
3 -
{فَلْيَدْعُ نادِيَهُ، سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ} أي فليدع هذا الناهي أهل ناديه أي قومه وعشيرته، ليستنصر بهم ويعينوه، والنادي: المجلس الذي يجتمع فيه القوم أو الأهل والعشيرة، فإنه إن دعاهم لنصرته، تعرض لسخط ربه وعقابه الأشد، وسندعو له حينئذ الزبانية، أي الملائكة الغلاظ الشداد، ليأخذوه ويلقوه في نار جهنم. وفي هذا تحدّ بالغ.
روي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا؟! فنزلت، كما تقدم.
وروى البخاري والترمذي والنسائي وابن جرير عن ابن عباس قال: قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لأطأن على عنقه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال:«لئن فعل لأخذته الملائكة» .
4 -
{كَلاّ، لا تُطِعْهُ، وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} أي إياك يا محمد أن تجامل هذا الطاغية في شيء، أو تطيعه فيما دعاك إليه من ترك الصلاة كما قال:{فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ} [القلم 8/ 68]، وصل لله غير مكترث به، ولا مبال بتهديده أو نهيه، وتقرب إلى الله سبحانه بالطاعة والعبادة، فذلك يكسبك قوة وعزة، ومنعة وهيبة في قلوب الأعداء، والعبادة هي الحصن والوقاية، وطريق النجاة والنجاح والنصر.
وقوله: {كَلاّ} ردع لأبي جهل عن قبائح أحواله وأفعاله. والمراد بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن طاعة أبي جهل: قطع كل الصلات والعلاقات معه، والمراد بالأمر بالسجود: أن يزداد غيظ الكافر.
وهذا تهكم بهذا الطاغية، واستخفاف به، وتعريض بأن الله سبحانه وتعالى عاصم نبيه وحافظه.