الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[التحذير من استحلال محارم اللَّه بالحيل]
فحقيقٌ بمن اتقى اللَّه وخاف نَكَالَه أن يَحْذَر استحلالَ محارم اللَّه بأنواع المكر والاحتيال، وأن يعلم أنه لا يخلصه من اللَّه ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأن يعلم أن للَّه يومًا تَكَعُّ فيه الرجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السرائر، وتظهر فيه الضمائر، ويصير الباطل فيه ظاهرًا، والسر علانية، المستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، [ويُحَصَّل](1) ويبدو ما في الصدور، كما يُبَعْثرُ ويُخْرَجُ ما في القبور، وتجري أحكامُ الربِّ جل جلاله هنالك على القصود والنيات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيض وجوه بما في قلوب أصحابها من النصيحة للَّه ورسوله وكتابه وما فيها من البر [والصدق](1) والإخلاص للكبير المتعال، وتَسْوَدُّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والغش والكذب والمكر والاحتيال، هنالك يعلم المخادعون أنهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، {وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [الأنعام: 123] (2).
[الأعمال تابعة لمقاصد عاملها]
وقد فصل قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ (3) ما نوى"(4) الأمْرَ في هذه الحيل وأنواعها، فأخبر أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها (5)، وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره، وهذا نص في أن من نوى التحليل كان محللًا، ومَنْ نوى الربا بعقد التبايع كان مُرَابيًا، ومن نوى المكر والخداع كان ماكرًا مخادعًا، ويكفي هذا الحديث وحده في إبطال
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
للمزيد في مسألة تحريم الحيل، انظر:"سد الذرائع"(ص 85 - 95، 627 - 629، 644)، و"الموافقات" للشاطبي (3/ 8، 108 - 110 - بتحقيقى)، و"الأشباه والنظائر"(ص 406 - 416) لابن نجيم، و"المغني"(4/ 49 - 50 - الشرح الكبير)، و"بيان الدليل"(ص 61، 351)، و"تاريخ التشريع الإسلامي"(ص 333 - 337) لمناع القطان، و"إغاثة اللهفان"(1/ 498، 583 و 2/ 3، 162)، و"ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية"(255، 282) للبوطي.
(3)
في (د) و (ط) و (ك) و (ق): "وإنما لامرئ ما نوى".
(4)
سبق تخريجه.
(5)
في (ن) و (ق): "ونهاياتها".
الحيل، ولهذا صدَّر به حافظ الأمة محمد بن إسماعيل البخاري إبطال الحيل (1)، والنبي صلى الله عليه وسلم أبطل ظاهر هجرة مهاجر أم قيس بما أبطنه ونَوَاه من إرادة أم قيس (2)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"البيعان بالخيار ما لم يتفرَّقا (3)، إلا أن تكونَ صَفْقَة خيار، ولا يحلُّ له أن يفارقه خشيةَ أن يسْتقيله"(4) فاستدل به الإمام أحمد وقال: فيه إبطال الحيل، وقد أشكل هذا على كثير من الفقهاء بفعل ابن عمر؛ فإنه كان إذا أراد (5) أن يلزم البيع مشى خُطَوَات (6)، ولا إشكال بحمد اللَّه تعالى في الحديث، وهو مِنْ أظهر (7) الأدلة على بطلان التحيل لإسقاط حق مَنْ له حق؛ فإن الشارع
(1) قال (د): "كذا ولعل أصل الحبارة: "صدر به. . . صحيحه". وقال (و) -وكأنه يرد عليه-: "صدر المؤلف بالحديث "صحيحه" في (باب بدء الوحي)، وأخرجه في (الإيمان) و (العتق) و (الهجرة) و (الإيمان والنذور) و (ترك الحيل)، فقال في أوله:"باب في ترك الحيل، وأن لكل امرئ ما نوى من الأعمال وغيرها" ثم ذكر الحديث، فتعبير ابن القيم مستقيم، لا كما ظن بعض محققي الكتاب" اهـ.
(2)
جعل قصة مهاجر أم قيس سببًا لورود حديث عمر "إنما الأعمال. . . " من الأوهام، ووقع في هذا الغلط ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام"(1/ 79 - 82)، وأنكر ذلك ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"(ص 9)، وابن حجر في "الفتح"(1/ 10)، وانظر:"شرح أحمد شاكر لألفية السيوطي"(ص 214)، و"التأصيل"(ص 73).
(3)
في المطبوع: "حتى يتفرقا".
(4)
رواه أحمد (4/ 183)، وأبو داود (3456) في (البيوع): باب خيار المتبايعين، والترمذي (1247) في (البيوع): باب ما جاء في البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، والنسائي (7/ 251 - 252) في (البيوع): باب وجوب الخيار للمتبايعين قبل افتراقهما بأبدانهما، وابن الجارود (620)، والدارقطني (3/ 6)، والبيهقي (5/ 271) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وأصل الحديث ثابت في "صحيح البخاري"(2107)، و (2109) و (2111)، و (2113) و (2116)، ومسلم (1531) من حديث ابن عمر دون قوله:"ولا يحل له أن. . . "، وهذه الزيادة تكلم فيها بعض العلماء انظر مفصلًا "فتح الباري"(4/ 331 - 332) وتعليقي على "الموافقات"(1/ 425).
وقال (و): ". . . يستقيله: يفسخ بيعه".
وفي (ق): "أن يفارق صاحبه".
(5)
في (ك): "إذا كان أراد"!!
(6)
رواه البخاري (2107) في (البيوع): باب كم يجوز الخيار؟ و (2116) باب إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا، ومسلم (1531) (45) في (البيوع): باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
(7)
في (ق): "أعظم".
صلواتَ اللَّه وسلامه عليه وعلى آله أثبت خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين، وليحصل تمام الرضى الذي شرطه اللَّه سبحانه [فيه](1)؛ فإن العقد قد يقع بغتة من غير تروٍّ ولا نظر في القيمة، فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حريمًا يتروَّى فيه المتبايعان، ويعيدان النظر، ويستدرك كل واحد منهما عيبًا كان خفيًا، فلا أحسن من هذا الحكم، ولا أرفق (2) لمصلحة الخلق؛ فلو مكّن أحد المتعاقدين الغابن للآخر من النهوض في الحال والمبادرة إلى التفرق لفاتت مصلحة الآخر، ومقصود الخيار بالنسبة إليه، وهب أنك أنت اخترت إمضاء البيع فصاحبك لم يتسع له وقت ينظر فيه ويتروَّى، فنهوضك حيلة على (3) إسقاط حقه من الخيار، فلا يجوز حتى يخيره؛ فلو فارق المجلس لغير هذه الحاجة (4) أو صلاة أو غير ذلك ولم يقصد إبطال حَقِّ الآخر (5) من الخيار لم يدخل في هذا التحريم، ولا يُقال: هو ذريعة إلى إسقاط حق الآخر من الخيار؛ لأن باب [سدّ](6) الذرائع متى فاتت به مصلحةٌ راجحة أو تضمَّن مفسدة راجحة لم يُلتفت إليه؛ فلو مُنع العاقد من التفرق حتى يقوم الآخر لكان في ذلك إضرارٌ به ومفسدة راجحة؛ فالذي جاءت به الشريعة في ذلك أكمل شيء وأوفَقُه للحكمة والمصلحة وللَّه الحمد.
وتأمل قوله: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلّوا محارم اللَّه بأدنى الحيل"(7) أي أسهلها وأقربها، وإنما ذكر أدنى الحيل لأنَّ المطلِّقَ ثلاثًا مثلًا من أسهل الحيل (8) عليه أن يعطي بعضَ التيوس المستعارة عشرةَ دراهم ويستعيره لينزو على امرأته نزوة وقد طيَّبها له، بخلاف الطريق الشرعي التي هي نكاح الرغبة؛ فإنها يصعب معها عَوْدُها إلى الأول جدًا، وكذلك من أراد أن يقرض ألفًا بألف وخمس مئة، فمن أدنى الحيل أن يعطيه ألفًا إلا درهمًا باسم القرض، ويبيعه خرقة تساوي [درهمًا](9) بخمس مئة، ولو أراد ذلك بالطريق الشرعي لتعذّر عليه،
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ك): "رافق" وفي (ق): "اوفق" والمثبت من سائر الأصول.
(3)
في (ق): "في".
(4)
في (ك) و (ق): "لغير هذا لحاجة".
(5)
قال (د): في نسخة: "إبطال حق أخيه"، قلت: هو كما قال في: (ن) و (ك) و (ق).
(6)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7)
سبق تخريجه قريبًا.
(8)
في (ق): "الأشياء".
(9)
بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "أربع مئة".
وكذلك حيلة اليهود بنصب الشباك يوم الجمعة وأخذ ما وقع فيها يوم السبت من أسهل الحيل، وكذلك إذابتهم الشَّحْم وبيعه وأكل ثمنه.
وقال الإمام أحمد في "مسنده": ثنا أسود بن عامر: ثنا أبو بكر، عن الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ضَنَّ (1) الناسُ بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعِينَة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل اللَّه؛ أنزل اللَّه بهم (2) بلَاءً فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"(3) ورواه
(1) أي: بخلو بإنفاقهما في سبيل اللَّه، وقوله:"وتبايعوا بالعينة" فسرت بأن تبيع الشيء بثمن لأجل ثم تشتريه نقدًا بثمن أقل؛ فآلت المسألة إلى نقد عاجل قليل في نقد آجل كبير، وهو الربا بعينه، وذلك هو الواقع في قصة زيد بن أرقم.
(2)
في المطبوع: "عليهم".
(3)
أخرجه أحمد في "المسند"(2/ 28)، وأبو أمية الطرسوسي في "مسند ابن عمر"(رقم 22)، والطبراني في "الكبير"(رقم 13583) من طريق أبي بكر بن عياش به.
ونقل ابن التركماني في "الجوهر النقي"(3/ 316 - 317)، والزيلعي في "نصب الراية" (4/ 17) عن ابن القطان قوله في هذا الطريق -وعزاه لأحمد في "الزهد"-:"وهذا حديث صحيح، ورجاله ثقات"، ثم وقفت على كلامه في "بيان الوهم والإيهام"(5/ 295).
وتعقب ابن حجر في "التلخيص الحبير"(3/ 19) ابن القطان بقوله: "قلتُ: وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا؛ لأن الأعمش مدلس، ولم ينكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر؛ فرجع الحديث إلى الإسناد الأول، وهو المشهور".
قلت: العجب من الحافظ فإنه القائل عنه في "بلوغ المرام"(رقم 860): "رجاله ثقات"، وقد جعل الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين (الذين احتمل أئمة الحديث تدليسهم وتجاوزوا لهم عنه)، ولم يقل أحد: إن الأعمش يدلس تدليس التسوية، ولماذا يفعل ذلك وهو قد رواه عن نافع أيضًا؟ كما قال أبو نعيم في "الحلية"(1/ 314)، وفي آخر كلام ابن حجر السابق إشارة إلى ما أخرجه أبو داود في "السنن" (كتاب البيوع): باب النهي عن العينة (3/ 274 - 275/ رقم 3462)، والدولابي في "الكنى والأسماء"(2/ 65)، والبيهقي في "الكبرى"(5/ 316)، وأبو نعيم في "الحلية"(5/ 208 - 209)، وابن عدي في "الكامل"(5/ 1998) من طريق إسحاق أبي عبد الرحمن الخراساني عن عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر.
وإسناده ضعيف، قال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (5/ 102 - 103):"في إسناده إسحاق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني، نزيل مصر، لا يحتج بحديثه، وفيه أيضًا عطاء الخراساني، وفيه مقال".
وتابع عطاء الخراساني: فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع؛ كما قال أبو نعيم في =
أبو داود بإسناد صحيح إلى حَيْوَةَ بن شُرَيْح [المصري](1) عن إسحاق أبي (2) الرحمن الخراساني أن عطاء الخراساني حَدَّثه أن نافعًا حَدَّثه عن ابن عمر (3)، شيخنا (4) رضي الله عنه: وهذان إسنادان حَسَنانِ؛ أحدهما يشد الآخر ويقويه، فأما رجالُ الأول فأئمة مشاهير، ولكن يخاف (5) أن لا يكون الأعمش سمعه من عطاء أو
= "الحلية"(3/ 319)، ومتابعته هذه أخرجها ابن شاهين في "الأفراد".
وفضالة لا يصلح للمتابعة، قال أبو حاتم عنه:"مضطرب الحديث".
وللحديث طرق أخرى يتقوى بها، منها:
ما أخرجه أحمد في "المسند"(2/ 42، 84) من طريق شهر بن حوشب عن ابن عمر، وشهر حديثه حسن، ولا سيما في الشواهد.
وما أخرجه أبو يعلى في "المسند"(10/ 29/ رقم 5659)، والطبراني في "الكبير"(رقم 13585)، والروياني في "المسند"(2/ 414 رقم 1422)، وابن أبي الدنيا في "العقوبات"(رقم 317)، وأبو نعيم في "الحلية"(1/ 313 - 314 و 3/ 318 - 319) من طريق ليث بن أبي سُليم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر به، وبعضهم أسقط ابن أبي سليمان، كابن أبي الدنيا.
وليث ضعيف.
والخلاصة: الحديث صحيح بمجموع طرقه، وإلى هذا أشار ابن القيم في "تهذيب السنن"(5/ 103 - 104)، فقال بعد أن سرد بعض طرقه:"وهذا يبيّن أن للحديث أصلًا، وأنه محفوظ"، وساق له الشاطبي في "الاعتصام"(2/ 576 - ط ابن عفان) شاهدًا مرفوعًا، وهو حديث:"إذا تبايعتم بالعينة. . . "، وأثرًا لعلي عند أبي داود في "السنن"(3382) و"مسند أحمد"(1/ 116)، وقال:"وهذه الأحاديث الثلاثة -وإن كانت أسانيدها ليست هناك -مما يعضد بعضه بعضًا وهو خبر حق في نفسه يشهد له الواقع".
وقد وقع المسلمون في هذه العلل؛ حتى أفضت بهم إلى أشد بلاء يصبه اللَّه على رؤوس الأمم، وهو استيلاء العدو على أوطانهم والقبض على زمام أمورهم؛ فهل لهم أن يغيروا ما بهم ويعطفوا على تعاليم دينهم؟ فنراهم كيف ينهضون لإعادة شرفهم المسلوب المغتصب بنفوس سخية وعزائم لا تفتر.
شعور فعلم فاتحاد فقوّة
…
فعزم فإقدام فإحراز آمال
(1)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
في (ك) و (ق): "ابن".
(3)
ولفظه: "قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سقط اللَّه عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم"، وهو في "سنن أبي داود" (كتاب البيوع): باب النهي عن العينة (3/ 3462)، وقد مضى تخريجه في الذي قبله.
(4)
في "فتاويه"(3/ 133)(و). قلت: وهو أيضًا في "بيان الدليل"(ص 110).
(5)
في "بيان الدليل": "تخاف".