الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وسخرية الساخرين، فيخادعون اللَّه كما يخادعون الصبيان، ويتلاعبون بحدودِه كتلاعب المُجَّان، فيحرمون الشيء ثم يستحلّونه [إياه](1) بعينه بأدنى الحيل، ويسلكون إليه نفسه طريقًا توهم أن المراد غيره [وقد علموا أنه هو المراد لا غيره](2)، ويسقطون الحقوق التي وصَّى اللَّه بحفظها وأدائها بأدنى شيء، ويفرقون بين متماثلين [من كل](3) وجه لاختلافهما في الصورة أو الاسم أو الطريق الموصل إليهما، ويستحلون بالحيل ما هو أعظم فسادًا مما يحرمونه ويسقطون بها ما هو أعظم وجوبًا مما يوجبونه.
[كمال الشريعة الإلهية وعظمتها وأثرها]
والحمد للَّه الذي نزَّه شريعته عن هذا التناقض والفساد، وجعلها كفيّة (4) وافية (5) بمصالح خلقه في المعاش والمَعَاد، وجعلها من أعظم آياته الدالة عليه، ونَصَبها طريقًا مرشدًا لمن سلكه إليه؛ فهو نورُه المبين، وحِصْنُه الحصين، وظله الظليل، وميزانه الذي لا يَعُولُ، لقد تعرَّف بها إلى ألِبَّاء عباده غاية التعرف (6)، وتحبب بها إليهم غاية التحبب، فأنِسُوا [بها](7) منه حكمته البالغة، وتمت بها عليهم منه نعمُه السابغة، ولا إله إلّا اللَّه الذي في شرعه أعظم آية تدل على تفرده بالإلهية وتوحده بالربوبية، وأنه الموصوف بصفات الكمال، المستحق لنعوت الجلال، الذي له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى وله المَثَلُ الأعلى، فلا يدخل السوء في أسمائه ولا النقص والعيب في صفاته، ولا العبث ولا الجور في أفعاله، بل هو منزَّه في ذاته وأوصافه وأفعاله وأسمائه عما يضاد كماله بوجه من الوجوه، وتبارك اسمه، وتعالى جَدُّه، وبهرت حكمته، وتمت نعمتُه، وقامت على عباده حجتُه، واللَّه أكبر كبيرًا أن يكون في شرعه تناقض واختلاف، فلو {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] بل هي شريعة مؤتلفة النظام، متعادلة الأقسام، مبّرأة من كل نقص، ومطهَّرة من كل دَنَس، {مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا} [البقرة: 71]، مؤسسة على العدل والحكمة، والمصلحة والرحمة، قواعِدُها
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ق).
(3)
بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بكل".
(4)
كذا في (ك) و (ق) و (ن) وفي سائر النسخ: "كفيلة".
(5)
في (ق) و (ك): "وفيّه".
(6)
في (ق) و (ك): "التعريف".
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
ومبانيها، إذا حَرَّمت فسادًا حرمت ما هو أولى منه أو نظيره، وإذا رَعَت صلاحًا رَعَتْ ما هو فوقه أو شبهه؛ فهي (1) صراطه المستقيم الذي لا أمْتَ فيه ولا عِوَج، ومِلّته الحنيفية السَّمْحَة التي لا ضيق فيها ولا حرج، بل هي حنيفية التوحيد سمحة العمل، لم تأمر بشيء فيقول العقل: لو نهت عنه لكان أوفق، ولم تَنْهَ عن شيء فيقول الحِجَى: لو أباحته لكان أرفق، بل أمرت بكل صلاح، ونهت عن كل فساد، وأباحت كل طيب، وحرمت كل خبيث، فأوامرها غذاءٌ ودواء، ونواهيها حِمْيَة وصيانة، وظاهرُها زينةٌ لباطنها، وباطنُها أجملُ من ظاهرها، شعارُهَا الصدق، وقوامها الحق، وميزانها العدل، وحكمها الفَصْل، لا حاجة بها البتة إلى أن تكمل بسياسة ملك أو رَأي ذي رأي أو قياس فقيه أو ذوق ذي رياضة أو منام ذي دين وصلاح، بل بهؤلاء (2) كلهم أعظم الحاجة إليها، ومَنْ وفق منهم للصواب فلاعتماده وتعويله عليها، لقد أكملَهَا الذي أتم نعمته علينا بشرعها قبل سياسات الملوك، وحيل المتحيلين، وأقيسه القياسيين، وطرائق الخلافيين، وأين كانت هذه الحيل والأقْيسَة والقواعد المتناقضة والطرائق القِدَدُ وقتَ نزول قوله:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وأين كانت يوم قوله صلى الله عليه وسلم:"لقد تركتكم على المَحَجَّةِ البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها [بعدي] إِلَّا هالك"(3) ويوم
(1) في (ق): "شبيهه، فهو".
(2)
كذا في (ك) و (ق) وفي سائر الأصول: "لهؤلاء".
(3)
رواه أحمد (4/ 126)، وابن ماجة (43) في (المقدمة): باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وابن أبي عاصم في "السنة"(48)، والطبراني في "المعجم الكبير"(18)(619 و 620)، والحاكم في "المستدرك"(1/ 96)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه"(1/ 176)، والبيهقي في "المدخل"(51)، وابن عبد البر في "الجامع"(2303 و 2304) كلهم من طريق عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية به، وفيه عندهم الزيادة المعروفة:"من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا. . . ".
ورجاله ثقات، وعبد الرحمن بن عمرو هذا روى عنه جمع من الثقات، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وصحح له الترمذي وابن حبان والحاكم.
وتابعه على هذه الفقرة أيضًا جبير بن نفير: رواه ابن أبي عاصم (49)، والطبراني في "الكبير"(18/ 642)، ورجاله ثقات إِلا شَعْوَذ الأزدي ذكره ابن أبي حاتم (4/ 390) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"(6/ 451).
وله شاهد من حديث أبي الدرداء: رواه ابن ماجة (5)، وابن أبي عاصم (47).
قال شيخنا الألباني: رجاله ثقات على ضعف في إبراهيم بن سليمان الأفطس، وهشام بن عمار. =
قوله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت من شيء يقربكم من الجنة ويباعدكم عن (1) النار إِلا أعلمتكموه"(2)؟ وأين كانت عند قول أبي ذر: لقد توفي رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلِّبُ جناحيه في السَّماء إِلا ذكَرَ لَنَا منه علمًا (3)، وعند قول القائل لسَلْمَان: لقد
= أقول: وقد ذكره البوصيري في "زوائده" ولم يتكلم عليه!!
وما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(1)
في (ك) و (ق): "من"، و"علمتكموه" بدل "أعلمتكموه".
(2)
أخرجه الشافعي في "المسند"(7 - بدائع المنن)، وابن خزيمة في "حديث علي بن حجر"(3/ رقم 100) -كما في "السلسلة الصحيحة" رقم (1803) -، والخطيب في "الفقيه والمتفقه"(1/ 92 - 93)، وعلقه ابن عبد البر في "الجامع" (2345) عن المطلب بن حنطب مرفوعًا بلفظ: ما تركت شيئًا مما أمركم اللَّه به إِلا وقد أمرتكم به، وما تركت شيئًا مما نهاكم عنه إِلا نهيتكم عنه"، وهو مرسل حسن.
وله شاهد، أخرجه أحمد في "المسند"(5/ 153، 162)، والطبراني في "الكبير"(1647)، والبزار في "المسند" رقم (147 - زوائده) من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعًا:"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إِلا وقد بيَّن لكم".
وإسناد أحمد صحيح، وهو جزء من الحديث الآتي فانظره.
وقال (د) و (ط): "في نسخة: إِلا أخبرتكم به"، زاد (ط):"انظر: "إعلام الموقعين" ط فرج اللَّه زكي الكردي ج 3 ص 169".
قلت: النسخة المشار إليها هي (ن).
(3)
رواه البزار (147)، والطبراني في "الكبير"(1647) من طريق سفيان بن عيينة عن فطر عن أبي الطفيل عن أبي ذر به، وعند الطبراني زيادة مرفوعة.
وتابع ابن عيينة كذلك سفيان الثوري، رواه الدارقطني في "علله"(6/ 290)، وقال: ليس بصحيح عنه.
قال البزار: "رواه بعضهم عن فطر عن منذر قال أبو ذر. . .، ومنذر لم يدرك أبا ذر".
أقول: وقد رجح الدارقطني في "علله" هذه الرواية المرسلة، ومما يؤيد كلام الدارقطني أن شعبة والثوري وابن نمير رووه عن الأعمش عن منذر الثوري عن أشياخ لهم عن أبي ذر.
وأما رواية شعبة فهي في "مسند الطيالسي"(479)، وأحمد (5/ 162)، وأما رواية ابن نمير فهي في "مسند أحمد"(5/ 153 - 154)، ورواية الثوري تقدّمت.
أما الهيثمي فقال (8/ 264): "ورواه الطبراني ورجال الطبراني رجال الصحيح، غير محمد بن عبد اللَّه بن يزيد المُقرئ وهو ثقة". وبلفظه شاهد من حديث أبي الدرداء، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، كما في "المجمع"(8/ 264).
وقال (د) و (ط): "في نسخة: إِلا أذكرنا منه علمًا"، وزاد (ط): انظر "أعلام الموقعين"(ط المطبعة المنيرية ج 3 ص 181).
قلت: النسخة المشار إليها هي (ن)، وفي (ق):"ذكرنا".
علَّمكم نبيكم كلَّ شيء حتى الخِرَاءَة، فقال: أجل (1)؟ فأين علَّمهم الحيل والمخادعة والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه؟ كلا واللَّه! بل حَذَّرهم (2) أشد التحذير، وأوعدهم عليه أشد الوعيد، وجعله منافيًا للإيمان، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمَّته:"لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم اللَّه تعالى بأدنى الحيل"(3)، وأغلق أبواب المكر والاحتيال، وسَدّ الذرائع، وفصل الحلال من الحرام، وبَيَّنَ الحدودَ، وقسم شريعته إلى حلال بَيِّن وحرام بَيِّن وبَرْزَخ بينهما، فأباح الأول، وحرم الثاني، وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام (4)، وقد أخبر اللَّه تعالى عن عقوبة المحتالين على حِلِّ ما حرَّمه عليهم وإسقاط ما فرضه (5) عليهم في غير موضع من كتابه.
قال أبو بكر الآجري (6)، وقد ذكر بعض الحيل الربوية التي يفعلها [بعض] (7) الناس: لقد مسخ اليهود قِرَدَة بدون هذا. وصدق واللَّه لآكِلُ حوتٍ صِيدَ يوم السبت أهونُ عند اللَّه وأقل جرمًا من آكل الربا الذي حرمه اللَّه بالحيل والمخادعة! ولكن كما قال الحسن: عُجِّل لأولئك عقوبة تلك الأكْلَة الوخيمة وأرجِئَت عقوبة هؤلاء (8).
وقال الإمام أبو يعقوب الجُوْزجَاني: وهل أصاب الطائفة من بني إسرائيل المسخُ إِلا باحتيالهم على أمر اللَّه بأن حفروا الحفائر (9) على الحيتان في يوم سبتهم فمنعوها الانتشار يومها إلى الأحد فأخذوها؟ وكذلك السلسلة التي كانت
(1) أخرجه مسلم في "الصحيح"(كتاب الطهارة): باب الاستطابة (/ 223/ 262).
(2)
في (ق): "حذرهموه".
(3)
سبق تخريجه.
(4)
يشير إلى حديث النعمان بن بشير: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات. . . ".
"أخرجه البخاري (52) في (الإيمان): باب فضل من استبرأ لدينه، و (2051) في (البيوع): باب الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات، ومسلم (1599) في (المساقاة): باب أخذ الحلال وترك الشبهات.
(5)
في (ق): "فرض".
(6)
لعل هذا النقل من كتاب "الشبهات" للآجري ذكره له ابن خير في "فهرسته"(6/ 97) وهو في عداد المفقود، ثم رأيتُ هذا النقل عن الآجري في "بيان الدليل"(ص 71 - 72) لشيخ المصنف ابن تيمية.
(7)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(8)
رواه ابن جرير (13/ 196 - 197، 197 - 198 رقم 15284، 15285)، وابن أبي حاتم (5/ 1599 رقم 8450) كلاهما في "التفسير"، وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وأبو الشيخ، كما في "الدر المنثور"(3/ 591).
(9)
في (ن) و (ق): "حظروا الحضائر".
تأخذ بعنق الظالم فاحتال لها صاحب الدُّرَّة إذ صيَّرها [في قصبة](1) ثم دفع القصبة إلى خصمه وتقدم إلى السلسلة ليأخذها فرُفِعت (2).
وقال بعض الأئمة: في هذه القصة (3) مزجرة عظيمة للمتعاطين الحيل على المَنَاهي الشرعية ممن تَلَبَّسَ بعلم الفقه وليس بفقيه؛ إذ الفقيه مَنْ يخشى اللَّه عز وجل في الربويّات، واستعارة التيس الملعون لتحليل المطلَّقات، وغير ذلك من العظائم والمصايب الفاضحات، التي لو اعتمدها مخلوق مع مخلوق لكان في نهاية القبح، فكيف بمن يعلم السر وأخفى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (4)؟
وقال: وإذا وازَنَ اللبيبُ بين حيلة أصحاب السبت والحيل التي يتعاطاها أرباب الحيل في كثير من الأبواب ظَهَر له التفاوت ومراتب المفسدة التي بَيْنها وبين هذه الحيل، فإذا عرف قدر الشرع وعظمة الشارع وحكمته وما اشتمل عليه شرعه من رعاية مصالح العباد تبيّنَ له حقيقة الحال، وقطع بأن اللَّه تعالى يتنزه ويتعالى أن يسوغ (5) لعباده نقض شرعه وحكمته بأنواع الخداع والاحتيال (6).
(1) في جميع النسخ: "بالقصبة": والمثبت من (ق) و (ك).
(2)
نقل كلام الجوزجاني: ابن تيمية في "بيان الدليل"(ص 72).
وذكر خبر السلسلة أُسامة بن منقذ في كتابه "العصا"(1/ 195 - 196، ضمن "نوادر المخطوطات") قال: "زرت المقدس في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة، وكان معي من أهله من يعرِّفني المواضع التي يصلَّى فيها ويتبرك بها!! فدخل بي إلى بيت جانب قبَّة الصخرة فيه قناديلُ وستور، فقال لي: هذا بيت السلسلة. فاستخبرته عن السلسلة فقال لي: هذا بيتٌ كانت فيه على عهد بني إسرائيل سلسلة إذا كان بين اثنين من بني إسرائيل محاكمة ووجبت اليمينُ على أحدِهما دخلا هذا البيت، فوقفا تحت السلسلة، واستُحلِف المُدَّعَى عليه، ثم يمد يده فإن كان صادقًا أمسك السلسلة، وان كان كاذبًا طالت عن يده فلا يصل إليها. فأودَعَ رَجُلٌ من بني إسرائيل جوهرًا عند رجل، ثم طلبه منه فقال: أعطيتك إياه. فقال: تحاكمني إلى السلسلة، فمضى المستودع فأخذ عصًا فشقها وحفر فيها للجوهر وتركه فيها، ثم ألصقها عليه ودهنها، أخذها في يده ودخل مع خصمه بيت السلسلة فقال للخصم: أمسِك عني هذه العصا. فَمَسَكَها ثم حلف له أنه سلّم الجَوهرة إليه ومدَّ يده فأمسك السلسلة ثم عاد أخذ العصا وخَرَجا، فارتفعت السلسلة من ذلك اليوم. ولم أر هذا الحديث مسطورًا، وإنما أوردته كما سمعته". قلت رأيته مسندًا من خبر وهب عند ابن عساكر في "تاريخ دمشق"(17/ 103) ومن كلا علي عند ابن العديم في "بغية الطلب"(7/ 3410). وهو في "البداية والنهاية"(2/ 21 - 22)، و"أداب القضاء" للسروجي (106 - 107)، و"شرح أداب القاضي"(1/ 373 - 375) للصدر الشهيد.
(3)
في (ق): "الآية".
(4)
قارن بـ "بيان الدليل"(ص 72).
(5)
كذا في (ن) و (ك) و (ق) وفي سائر النسخ: "يشرع".
(6)
قارن بـ "بيان الدليل"(ص 76 - 77).