الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولو نَزَلنا عن ذلك كله وسلمنا أن الحديث عام عمومًا لفظيًا يدخل تحته صورة الحيلة فهو لا ريب مخصوص بصور كثيرة؛ فنخص منه هذه الصورة المذكورة بالأدلة المتقدمة على بطلان الحيل وأضعافها، والعام يُخص بدون مثلها بكثير، فكم قد خَصَّ العمومَ المفهومُ وخبرُ الواحد والقياسُ (1) وغيرُ ذلك، فتخصيصه (2) -لو فرض عمومه- بالنصوص والأقيسة وإجماع الصحابة على تحريم الحيل أولى وأحرى، بل واحد من تلك الأدلة التي ذكرناها على المنع من الحيل وتحريمها كاف في التخصيص، وإذا كنتم قد خصصتم قوله صلى الله عليه وسلم:"لعن اللَّه المحلل والمحلل له"(3) مع أنه عام عمومًا لفظيًا فخصصتموه بصورة واحدة وهي ما اشترطا في صُلْب العقد أنه إنما تزوجَّها ليحلها ومتى أحلَّها فهي طالق، مع أن هذه الصورة نادرة جدًا لا يفعلها محلل (4)، والصور الواقعة في التحليل أضعاف [أضعاف](5) هذه، فحملتم اللفظ العام عمومًا لفظيًا ومعنويًا على أنْدَرِ صورة تكون لو قدر وقوعها، وأخليتموه عن الصور الواقعة المستعملة بين المحللين؛ فقوله صلى الله عليه وسلم:"بع الجمع بالدراهم"(6) أولى بالتقييد بالنصوص الكثيرة والآثار والأقيسة الصحيحة التي هي في معنى الأصل وحمله على البيع المتعارف المعهود عُرفًا وشرعًا، وهذا بحمد اللَّه تعالى في غاية الوضوح، ولا يخفى على منصف يريد اللَّه ورسوله والدار الآخرة، وباللَّه التوفيق.
فصل [حكمة مشروعية البيع تمنع من صورة الحيلة]
ومما يوضح فساد حمل الحديث على صورة الحيلة وأن كلام الرسول ومنصبه العالي منزَّه (7) عن ذلك أن المقصود الذي شرع اللَّه تعالى له البيع وأحلّه لأجله هو أن يحصل ملك الثمن للبائع ويحصل ملك المبيع للمشتري؛ فيكون كلٌّ منهما قد حصل له مقصوده بالبيع، هذا ينتفع بالثمن وهذا بالسلعة، ولهذا إنما
(1) انظر في هذه المباحث "الموافقات" للشاطبي (4/ 9، 15، 18، 19)، والتعليق عليه، وفي (ق):"بالمفهوم".
(2)
في (ك) و (ق): "فنخصه".
(3)
سبق تخريجه.
(4)
في المطبوع: "المحلل".
(5)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع.
(6)
الحديث سبق تخريجه قريبًا، وفي (د) و (ط) و (ح):"بع الجميع"!!
(7)
في (ك): "بمنزلة".
يكون إذا قَصَد المشتري نفسَ السِّلعة للانتفاع بها أو التجارة فيها وقَصَد البائع نفس الثمن، ولهذا يحتاط كل واحد منهما فيما يصير إليه من العرض هذا في وزن الثمن ونقده ورواجه وهذا في سلامة السلعة من العيب وأنها تساوي الثمن الذي بَذله فيها، فإذا كان مقصود كل منهما ذلك فقد قصدا بالسبب ما شرعه اللَّه له (1)، وأتى بالسبب حقيقة وحكمًا، وسواء حصل مقصوده بعقد أو توقَّف على عقود مثل أن يكون بيده سلعة وهو يريد أن يبتاع سلعة أخرى لا تباع [سلعته بها لمانعٍ](2) شرعيٍّ أو عرفي أو غيرهما فيبيع سلعته ليملك ثمنها وهذا بيعٌ مقصود وعوضه مقصود ثم يبتاع بالثمن سلعة أخرى، وهذه قصة بلال في تمر خيبر سواء، فإنه إذا ابتاع الجميع (3) بالدراهم فقد أراد بالبيع ملك الثمن وهذا مقصود مشروع، ثم إذا ابتاع بالدراهم جنيبًا فقد عقد عقدًا ([مقصودًا مشروعًا] (4)؛ فلما كان بائعًا قصد [تملك الثمن حقيقة، ولما كان مبتاعًا قصد](4) تملك) (5) السلعة حقيقة، فإن ابتاع بالثمن من غير المشتري [منه](6) فهذا لا محذور فيه؛ إذ كل من العقدين مقصود مشروع، ولهذا يستوفيان حكم العقد الأول من النقد والقبض وغيرهما، وأما إذا أبتاع بالثمن من مبتاعه من جنس ما باعه فهذا يخشى منه أن لا يكون العقد الأول مقصودًا لهما، بل قصدهما بيع السلعة الأولى بالثانية فيكون ربًا بعينه، ويظهر هذا القصد بأنهما يتفقان على صاع بصاعين أولًا ثم يتوصلان (7) إلى ذلك ببيع الصاع بدرهم ويشتري به صاعين (8) ولا يبالي البائع بنقد ذلك الثمن ولا بقَبْضه ولا بعيب فيه ولا بعدم رواجه ولا يحتاط (9) لنفسه فيه احتياطَ مَنْ قَصْدُه تملكُ الثمن؛ إذ قد علم هو والآخر أن الثمن بعينه خارج منه عائد إليه، فنقدُهُ وقبضُه والاحتياط فيه يكون عبثًا، وتأمل حالَ باعةِ الحلي عِينة (10) كيف يخرج كل حلقة من غير جنسه
(1) في (ق): "ما شرع له".
(2)
بدل ما بين المعقوفتين في (ق): "بسلعته بمانع".
(3)
في (ك) و (ق): "باع الجمع".
(4)
ما بين المعقوفتين سقط من (ن).
(5)
بدل ما بين القوسين في (ق): "مبتدأ قصد تلك".
(6)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق).
(7)
في (ك) و (ق): "يتوصلا".
(8)
في (ن): "بيع السلعة بدرهم، ويشتري بالصاعين".
(9)
في (ن): "ولا يحتاج".
(10)
كذا في (ط) و (و) و (ك) وقال (و): "في الأصل: عنه. وهو تحريف ظاهر".
ونحوه في (د)، وقال (ط):"في الأصول: "عنه" ولا معنى لها. والصحيح ما أثبتناه؛ فصورة العينة: أن يشتري السلعة بألف مؤجلة، ثم يبيعها لبائعها بثمان مئة حالة مثلًا" اهـ.
أو قطعة ما ويبيعك إياها بذلك الثمن ثم يبتاعها منك؟ فكيف لا تسأل عن قيمتها ولا عن وزنها ولا مساواتها للثمن؟ بل قد تساوي أضعافه وقد تساوي بعضه؛ إذ ليست هي القصد، وإنما القصدُ أمرٌ وراءها وجعلت هي محللًا لذلك المقصود، وإذا عرف هذا فهو إنما عقد معه العقد الأول ليعيد إليه الثمن بعينه ويأخذ العوض الآخر، وهذا تواطؤ منهما حين عَقَداه على فسخه، والعقد إذا قصد به فسخه لم يكن مقصودًا، وإذا لم يكن مقصودًا كان وجوده كعدمه، وكان توسطه عبثًا.
ومما يوضح الأمر في ذلك أنه إذا جاءه بتمر أو زبيب أو حنطة ليبتاعه (1) به من جنسه فإنهما يتشارطان ويتراضيان (2) على سعر أحدهما من الآخر، وأنه مد بمد ونصف مثلًا، ثم بعد ذلك يقول: بعتك هذا بكذا وكذا درهمًا، ثم يقول: بعني بهذه الدراهم كذا وكذا صاعًا من النوع الآخر، وكذلك في الصرف، وليس للبائع ولا للمشتري غرض في الدراهم، والغَرَضُ معروفٌ، فأين من يبيعه السلعة بثمن ليشتري به منه من جنسها إلى من (3) يبيعه إياها بثمن له غرض في تملكه وقبضه؟ وتوسطُ الثمن في الأول عبثٌ محض لا فائدة فيه، فكيف يأمر به الشارع الحكيم مع زيادة التعب والكلفة فيه.
ولو (4) كان هذا سائغًا لم يكن في تحريم الربا حكمة -سوى تضييع الزّمان وإتعاب النفوس بما لا فائدة فيه (5)؛ فإنه لا يشاء أحد أن يبتاع ربويًا بأكثر منه من جنسه [الأول](6) إِلا قال: بعتك هذا بكذا، وابتعت منك هذا بهذا الثمن؛ فلا يعجز أحد عن استحلال ما حرمه اللَّه قط بأدنى الحيل.
يوضحه أن الربا نوعان: ربا الفضل، وربا النسيئة، فأمَّا ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول: بعتك هذا المال بكذا، ويُسَمَّي ما شاء، ثم يقول: اشتريت منك هذا -للذي هو من جنسه- بذلك الذي سمَّاه، ولا حقيقة له مقصودة، وأما ربا النسيئة فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعًا إلى سنة، وابتعتها منك بخمس مئة حالَّة أو خمسة عشر صاعًا، ويمكنه ربا الفضل، فلا يشاء مُرَابٍ (7) إِلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو غيرهما، ويحصل
(1) في (ك) و (ق): "ليبتاع".
(2)
في (ن) و (ق): "ويتراوضان".
(3)
في (ك) و (ق): "أن".
(4)
من هنا إلى نهاية هذا الفصل في "بيان الدليل"(ص 282 - وما بعد).
(5)
في المطبوع: "بلا فائدة فإنه".
(6)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(7)
في (ك) و (ق): "مرب".
مقصوده من الزيادة، فيا سبحان اللَّه! أيعود الربا -الذي قد عَظم اللَّه شأنه في القرآن، وأوجب محاربة مستحله (1)، ولعن آكله وموكله وشاهديه (2) وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجيء في غيره- إلى أن يُسْتَحل نوعاه بأدنى حيلة لا كلفْةَ فيها أصلًا إِلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزأ بها؟ فكيف يستحسن أن ينسب إلى نبي من الأنبياء فضلًا عن سيد الأنبياء، بل أن يَنسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحرمات العظيمة ويوعد عليها بأغلظ العقوبات وأنواع الوعيد، ثم يبيحها بضرَبٍ من الحيل والعبث والخداع الذي ليس له حقيقة مقصودة [البتّة](3) في نفسه للمتعاقدين؟ وترى كثيرًا من المرابين (4) -لمَّا علم أن هذا العقد ليس له حقيقة مقصودة البتة- قد جعل عنده خَرزَة ذهب، فكل من جاءه يريد أن يبيعه جنسًا بجنسه أكثر منه أو أقلَّ ابتاع منه ذلك [الجنس](3) بتلك الخرزة، ثم ابتاع الخرزة بالجنس الذي يريد أن يعطيه إياه، أفيستجيز عاقلٌ أن يقول: إن الذي حرم بيع الفضة بالفضة متفاضلًا أحلَّها بهذه الخرزة؟ وكذلك كثير من الفجَّار (5) قد أعَدَّ سلعة لتحليل ربا النساء، فإذا جاءه مَنْ يريد ألفًا بألف ومئتين أدْخَلَ تلك السلعة محللًا، ولهذا كانت أكثر حيل الربا في بابها أغْلَظَ من حيل التحليل، ولهذا حرمها أو بعضَهَا من لم يحرم التحليل؛ لأن القصد في البيع معتبرٌ في فِطَرِ الناس؛ ولأن الاحتيال في الربا غالبًا إنما يتم بالمُوَاطأة اللفظية أو العرفية، ولا يفتقر إلى شهادة، ولكن يتعاقدان ثم يشهد (6) أن له في ذمته دينًا، ولهذا إنما لُعن شاهداه إذا عَلِما به، والتحليل لا يمكن إظهاره (7) وقت العقد؛ لكون الشهادة شرطًا فيه، والشروط المتقدمة تؤثر كالمقارِنَةِ كما تقدم تقريره؛ إذ تقديم الشرط ومقارنته لا يخرجه عن كونه عقدَ تحليلٍ ويدخله في نكاح الرغبة، والقصود معتبرة في العقود.
فصل (8)[الحكم إذا بَاع ربويًا بثمن]
وجماع الأمر أنه إذا باعه رِبَويًا بثمنٍ وهو يريد أن يشتري منه بثمنه من
(1) في (ق): "مستحليه".
(2)
في (ق): "وشاهده".
(3)
ما بين المعقوفتين سقط من (ق) و (ك).
(4)
في (ق): "المترابين".
(5)
في (ق): "التجار".
(6)
في المطبوع: "يشهدان".
(7)
في هامش (ق): "لعله: إِلا اظهاره".
(8)
ما تحته في "بيان الدليل"(ص 284 وما بعد) بتصرف واختصار.
جنسه، فإما أن يواطئه على الشراء منه لفظًا، أو يكون العرف بينهما قد جرى بذلك أو لا يكون، فإن كان الأول فهو باطلٌ كما تقدم تقريره؛ فإن هذا لم يقصد ملك الثمن ولا قصد هذا تمليكه، وإنما قصد تمليك المُثْمن بالمثمن (1)، وجعلا تسمية الثمن تلبيسًا وخداعًا ووسيلة إلى الربا؛ فهو في هذا العقد بمنزلة التّيْسِ الملعون في عقد التحليل، وإن لم تَجْرِ بينهما مواطأة لكن قد علم المشتري أن البائع يريد أن يشتري منه ربويًا بربوي فكذلك؛ لأن عِلْمه بذلك ضرب من المواطأة، وهو يمنع قصد الثمن الذي يخرجان (2) به عن قصد الربا، وإن قَصَد البائعُ الشراءَ منه بعد البيع ولم يعلم المشتري؛ فقد قال الإمام أحمد: هاهنا لو باع من رجل دنانير بدراهم لم يجز أن يشتري بالدراهم منه ذهبًا إِلا أن يمضي ويبتاع بالورِقِ من غيره ذهبًا، فلا يستقيم فيجوز أن يرجع إلى الذي ابتاع منه الدنانير فيشتري منه ذهبًا (3)، وكذلك (4) كره مالك أن تصرف دراهمك من رجل بدنانير، ثم تبتاع منه بتلك الدنانير دراهم غير دراهمك في الوقت أو بعد يوم أو يومين، قال ابن القاسم: فإن طال الزمان وصح أمرهما فلا بأس به (5)؛ فوجه ما منعه الإمام أحمد رضي الله عنه أنه متى قصد المشتري منه تلك الدنانير لم يقصد تملك الثمن، ولهذا لا يحتاط في النقد والوزن، ولهذا يقول: إنه متى بَدَا له بعد القبض والمفارقة أن يشتري منه -بأن يطلب من غيره فلا يجد- لم يكن في العقد الأول خَلَلٌ -والمتقدمون من أصحابه حملوا هذا المنع منه على التحريم (6).
وقال القاضي وابن عقيل وغيرهما: إذا لم يكن شرطٌ (7) ومواطأة بينهما لم يحرم (8)، وقد أوما إليه الإمام أحمد في رواية حرب؛ فإنه قال: قلت لأحمد: أشتري من رجل ذهبًا ثم أبتاعه (9) منه، قال: بَيْعُه من غيره أحَبُّ إليَّ (10)، وذكر
(1) في (ن) و (ك): "الثمن بالثمن".
(2)
في (ك): "يخرج".
(3)
انظر: "المغنى"(6/ 114 - جامعة الإمام)، و"الإنصاف"(5/ 50 - دار إحياء التراث العربي)، و"الفروع"(4/ 167).
(4)
في (ك): "ولذلك".
(5)
انظر: "المدونة الكبرى"(3/ 403 - دار صادر بيروت).
(6)
في (ك): "منه هذا المنع على التحريم"، وفي (ق):"هذا المنع على التحريم".
(7)
في (ن) و (ك) و (ق): "غرض".
(8)
انظر: "المغني"(6/ 114 - جامعة الإمام)، و"الفروع"(4/ 167).
(9)
في (ك): "باعه".
(10)
في (ن) و (ك) و (ق): "يبيعه من غيره أعجب إلي".