الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل [إبطال حيلة لوطء المكاتبة]
ومن الحيل الباطلة الحيلةُ على وَطء مكاتبته بعد عقد الكتابة، قال أرباب الحيل: الحيلة في ذلك أن يهبها لولده الصغير، ثم يتزوجها وهي على ملك ابنه ثم يكاتبها لابنه، ثم يطؤها بحكم النكاح، فإن أتت بولد كانوا أحرارًا؛ إذ ولده قد ملكهم، فإن عجزت عن الكتابة عادت قِنًّا لولده والنكاح بحاله.
[بطلان هذه الحيلة]
وهذه الحيلة باطلة على قول الجمهور، وهي باطلة في نفسها؛ لأنه لم يملِّكها لولده تمليكًا حقيقيًا، ولا كاتبها له حقيقة، بل خداعًا ومكرًا، وهو يعلم أنها أَمَتُه ومكاتبته في الباطن وحقيقة الأمر، وإنما أظهر خلاف ذلك توصُّلًا إلى وطء الفرج الذي حرم عليه بعقد [الكتابة، فاظهر تمليكًا لا حقيقة له، وكتابةً عن غيره، وفي الحقيقة إنما هي عن](1) نفسه، واللَّه يعلم ما تخفي الصدور.
فصل [بيان حيلة العقارب وإبطالها]
ومن الحيل المحرمة الباطلة (2) الحيلةُ التي تسمى حيلة العقارب، ولها صور:
منها: أن يُوقِف داره أو أرضه ويُشهد على وقفه (3) ويكتمه ثم يبيحها، فإذا علم أن المشتري قد سكنها أو استغلها بمقدار ثمنها أظهرَ كتابَ الوقف وادَّعى على المشتري بأجرة المنفعة، فإذا قال له المشتري: أنا وزنت الثمن، قال: و [أنت](1) انتفعتَ بالدار والأرض فلا تذهب المنفعة مجانًا.
ومنها: أن يملِّكها لولده أو امرأته، ويكتم ذلك، ثم يبيعها، ثم يدعي بعد ذلك من ملكها على المشتري، ويعامله تلك المعاملة وضمنه المنافع تضمين الغاصب (4).
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ن) و (ك) و (ق).
(2)
في (ك): "الباطلة المحرمة".
(3)
في (ك): "وقفها".
(4)
في (ن) و (ق): "تضمين الغصب".
ومنها: أن يؤجِّرها لولده أو امرأته، [ويكتم ذلك](1)، ثم يؤجرها من شخص آخر، فإن ارتفع الكِرَى أخرج الإجارة الأولى، وفسخ إجارة الثاني، وإن نقص الكِرَى أو استمر أبقاها.
ومنها: أن يرهن داره أو أرضه، ثم يبيعها ويأخذ الثمن فينتفع به مدة، فمتى أراد فسخ البيع واسترجاع المبيع أظهر كتاب الرَّهْن.
وأمثال هذه العقارب التي يأكل بها أشباهُ العقارب أموالَ الناس بالباطل، ويمشيها لهم مَنْ رَق علمه ودينه ولم يراقب اللَّه تعالى ولَم يَخف مقامه تقليدًا لمن قلد قوله في تضمين المقبوض بالعقد الفاسد تضمين الغاصب [تقليدًا لمن يقلده](2)؛ فيجعل قوله إعانة لهذا الظالم المعتدي على الإثم والعدوان، ولا يجعل القول الذي قاله غيره إعانة للمظلوم على البر والتقوى، وكأنه أخذ بشق الحديث وهو:"انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا"(3) واكتفى بهذه الكلمة دون ما بعدها، وقد أعاذ اللَّه أحدًا من الأئمة من تجويز الإعانة على الإثم والعدوان، ونَصْر الظالم، وإضاعة حق المظلوم جهارًا. وذلك الإمام وإن قال:"إن المقبوضَ بالعقد الفاسدِ يُضمن ضمان المغصوب" فإنه لم يقل: إن المقبوض به على هذا الوجه -الذي هو حيلة (4) ومكر وخداع وظلم محض للمشتري وغرور له- يوجب تضمينه وضياع حقه وأخذ ماله كله وإيداعه في الحبس على ما بقي وإخراج الملك من يده، فإن الرجل قد يشتري (5) الأرض أو العَقَار وتبقى في يده مدة طويلة تزيد أجرتها على ثمنها (6) أضعافًا مضاعفة، فيؤخذ منه العقار، ويُحْسَب عليه ثمنه من الأجرة، ويبقى الباقي بقدر الثمن مرارًا، فربما أخذ ما فوقه وما تحته وفضلت عليه فَضْلة فيجتاح الظالمُ الماكرُ ماله ويَدَعُه على الأرض الخالية، فحاشا إمامًا واحدًا من أئمة الإسلام أن يكون عَوْنًا لهذا العقرب الخبيث على هذا الظلم والعدوان، والواجبُ عقوبةُ مثل هذا العقوبَةَ التي تَرْدَعه عن لَدْغ الناس والتحيل على استهلاك أموال الناس، وأن لا يمكَّن مِنْ طَلَبِ عوض المنفعة. أما على أصل مَنْ لا
(1) ما بين المعقوفتين سقط من (ك).
(2)
ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع و (ك).
(3)
رواه البخاري (2443 و 2444) في (المظالم): باب أعن أخاك ظالمًا أو مظلومًا و (6952) في (الإكراه): باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه. . .، من حديث أنس بن مالك.
ورواه مسلم (2584) في (البر): باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، من حديث جابر.
(4)
سقط من (ق).
(5)
في (ك): "شرى".
(6)
في (ن): "ثمنه".