الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:
فإن الغاية التي من أجلها أُنزل القرآن الكريم، وأُمر الناس باتباعه والإيمان به، هي الاهتداء بهديه، ولا سبيل إلى تحقيق هذه الغاية إلا بتدبر القرآن، وفهم معانيه، فهما الطريق إلى الاهتداء بالقرآن، ومعرفة حلاله وحرامه، وهما السبيل إلى الاتعاظ بمواعظه وزواجره، وقصصه وأمثاله
…
ولما كان الأمر كذلك اهتم المسلمون - خاصة العلماء - بتفسير القرآن الكريم، واجتهدوا في كشف معانيه، مشافهةً ومدارسةً؛ وكتابةً وتأليفاً.
والناس متفاوتون في فهم القرآن الكريم؛ نظراً لاختلاف مداركهم وأفهامهم، وتفاوت منازلهم في الإلمام بالعلوم واكتسابها، وتباين أهدافهم وتوجهاتهم، وبسبب ذلك حاد بعض الناس عن فهم القرآن، والتبس عليهم تفسيره، فظهرت بعض المناهج المنحرفة، والأقوال المنكرة، فتصدى لها العلماء والمفسرون وانبروا لنقدها والتحذير منها على حسب درجتها في الخطأ، كل ذلك
دفاعًا عن القرآن، وذوداً عن حياضه، وحماية له من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين.
وقد تزامن الدفاع عن القرآن وتفسيره مع الدفاع عن السنة النبوية، فكما انبرى المحدثون للدفاع عن السنة، واجتهدوا في حمايتها، انبرى المفسرون للدفاع عن تفسير القرآن الكريم.
إلا أن المحدثين في دفاعهم عن السنة اهتموا بدرجة أكبر بنقد الأحاديث من حيث بيان الصحيح من الضعيف، وتتبع رجال الإسناد والكشف عن أحوالهم تعديلاً وتجريحاً.
ولأن صحة القرآن الكريم والقطع بثبوته قضية محسومة بإجماع الأمة على تواتر ما بين دفتي المصحف، فقد اهتم العلماء والمفسرون بتفسير القرآن وتأويله، فنظروا في المناهج والكتب، والمرويات والأقوال، ونقدوا ما يحتاج إلى نقد؛ انطلاقاً من قواعد مقررة في هذا العلم.
وترجع جذور نقد التفسير إلى زمن النبوة، فقد أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة فهمهم الخاطئ لبعض الآيات، وبعد عصره صلى الله عليه وسلم قام الصحابة والتابعون رضي الله عنهم بجهد واضح في نقد التفسير بحسب ما جد في عصرهم.
وبعد عصرهم ازداد الخلاف، وكثرت البدع، فزاد تبعاً لذلك الانحراف في فهم القرآن، والخطأ في تفسيره، فاتسعت دائرة النقد وتعددت مجالاته وأساليبه، وكلما كثر الخطأ والانحراف في التفسير اتسع النقد وتشعبت فروعه، وتنوعت طرقه وأساليبه.
ولم تكن الدراسات المعاصرة بمعزل عن تناول هذا المجال، فقد اهتم كثير من الباحثين بنقد التفسير، وأخذ حيزاً كبيراً من مؤلفاتهم، وأفردوا فيه الكتب: إما نقداً لمنهج، أو مفسر، أو كتاب، أو مرويات وأقوال، حتى أصبح بعض الباحثين يتتبع جزئية من جزئيات التفسير ويقوم بنقدها.
غير أن هذه الدراسات كلها - قديمها وحديثها - اهتمت بالجانب العملي في النقد على اختلاف أنواعه ومجالاته، بمعنى أن العلماء قاموا بانتقاد ما يعتقدون خطأه في التفسير (1).
ومن هنا برزت فكرة البحث، فالنقد بمجاله العملي بحاجة إلى دراسة تأصيلية تتناوله بوصفه ظاهرة، وتُعنى بالحديث عن نشأته ودواعيه، وبيان مجالاته وأسسه، وأثره على المفسرين، وطريقة تناولهم له، وبخاصة إذا علمنا أن أحداً لم يقم بدراسته على هذا الوجه، وغاية ما قام به بعضهم هو الجانب العملي فقط.
(1) ومن الكتب المتقدمة التي ألفت بهذه الطريقة: كتاب الانتصاف من الكشاف، لأبي العباس أحمد بن محمد المشهور بابن المنير (ت 683)، وكتاب التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزالات في تفسير الكتاب العزيز، لأبي علي عمر بن محمد بن حمد السكوني (ت 717)، ومن المؤلفات الحديثة: كتاب: الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن، وكتاب: الإسرائيليات في التفسير والحديث، كلاهما للدكتور محمد حسين الذهبي، وكتاب: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير، للدكتور محمد أبوشهبة، وكتاب: بدع التفاسير، لعبد الله بن الصديق الغماري، وكتاب: بدع التفاسير بين الماضي والحاضر، للدكتور رمزي نعناعة، ومن الرسائل الجامعية: رسالتي دكتوراه في القسم، الأولى بعنوان: الأقوال الشاذة في التفسير: نشأتها، أسبابها، آثارها، أعدها الباحث عبد الرحمن بن صالح الدهمش، والأخرى بعنوان: الانحراف الفكري في التفسير المعاصر، أعدها الباحث يحيى ضاحي شطناوي.