المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أولاً: أن العناية بنقد التفسير

- ‌ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها

- ‌ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل

- ‌رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة

- ‌خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل

- ‌خطة البحث

- ‌التمهيد

- ‌أولاًالتعريف بالموضوع

- ‌1 - تعريف النقد:

- ‌2 - تعريف الصحابي:

- ‌3 - تعريف التابعي:

- ‌4 - تعريف التفسير:

- ‌ثانيًاالنقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة

- ‌نقد مناهج التفسير:

- ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

- ‌ب - نقد الإسرائيليات:

- ‌ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:

- ‌د - نقد التفسير بالرأي:

- ‌بيانه صلى الله عليه وسلم لوجه ضعف التفسير:

- ‌أثر النقد النبوي على الصحابة:

- ‌الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه

- ‌الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره

- ‌أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه

- ‌أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم

- ‌ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك

- ‌ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى

- ‌رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن

- ‌خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن

- ‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

- ‌الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم

- ‌أولاًالاهتمام بالتفسير الصحيح

- ‌أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن

- ‌ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية

- ‌ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته

- ‌رابعاً: الاهتمام برجال التفسير

- ‌ثانياًالحث على ما يعين على فهم القرآن

- ‌أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات

- ‌ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن

- ‌ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية

- ‌رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌خامساً: معرفة اللغة العربية

- ‌ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ

- ‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير

- ‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين

- ‌أولاًطبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول

- ‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها

- ‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد

- ‌رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة

- ‌خامساً: كراهة الاختلاف

- ‌ثانياًأدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: احترام الرأي الآخر

- ‌الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد

- ‌الثاني: عدم التعدي على المخالف

- ‌الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه

- ‌ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف

- ‌ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:

- ‌ثالثاً: الرجوع إلى الحق

- ‌ومن تلك المراجعات:

- ‌الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته

- ‌الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: ظهور الفتن والبدع

- ‌ثانياً: مخالطة أهل الكتاب

- ‌ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام

- ‌رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن

- ‌خامساً: مؤثرات سياسية

- ‌سادساً: مؤثرات اجتماعية

- ‌الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير

- ‌ومن مظاهر الشدة في النقد:

- ‌أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً

- ‌ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:

- ‌ومن مظاهر الرفق في النقد:

- ‌أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته

- ‌ثانياً: الرفق مع الطلاب

- ‌ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ

- ‌عبارات نقدية:

- ‌أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة

- ‌ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:

- ‌ثانياً: زعم

- ‌ثالثاً: أخطأت التأويل

- ‌رابعاً: لم تصب.ومن أمثلته:

- ‌خامساً: بئسما قلت.ومن أمثلته:

- ‌سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.ومن أمثلته:

- ‌سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.ومن أمثلته:

- ‌ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.ومن أمثلته

- ‌تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه

- ‌عاشراً: ما لكم ولهذه الآية

- ‌حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.ومن أمثلته:

- ‌ثاني عشر: الضحك

- ‌الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاً: أهليتهم للنقد

- ‌ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال

- ‌ثالثاً: الاستدلال للنقد

- ‌رابعاً: بيان الرأي الصحيح

- ‌المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين

- ‌الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه

- ‌أولاًنقد التفسير بالرأي

- ‌ثانياًنقد التفسير بالإسرائيليات

- ‌صور نقد الإسرائيليات:

- ‌الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:

- ‌الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:

- ‌الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:

- ‌دواعي نقد الإسرائيليات:

- ‌توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:

- ‌ثالثاًنقد تفاسير أهل البدع

- ‌منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله:

- ‌منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

- ‌الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون

- ‌أولاً: الخوارج

- ‌القضية الأولى: التكفير

- ‌القضية الثانية: قتال أهل القبلة

- ‌القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار

- ‌القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار

- ‌ثانياً: الشيعة

- ‌ثالثاً: القدرية

- ‌رابعاًنقد تفسير المتشابه

- ‌طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:

- ‌خامساًنقد الجدال في القرآن:

- ‌الجدال المحمود:

- ‌سادساًنقد تفاسير القُصَّاص

- ‌دواعي نقد القصاص

- ‌انتقاد القصاص في التفسير:

- ‌سابعاًنقد التكلف في التفسير

- ‌ثامناًنقد تدوين التفسير

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:

- ‌الفصل الثاني نقد رجال التفسير

- ‌أولاًالرجال المنتقدون في التفسير

- ‌أولاً: مجاهد بن جبر المكي

- ‌الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب

- ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

- ‌ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس

- ‌ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:

- ‌وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:

- ‌وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:

- ‌ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي

- ‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

- ‌خامساً: إسماعيل السدي

- ‌سادساً: زيد بن أسلم العدوي

- ‌سابعاً: محمد بن السائب الكلبي

- ‌ثانياًأسباب نقد رجال التفسير

- ‌ثالثاًأثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم

- ‌الفصل الثالث نقد الأقوال

- ‌أولاً:طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: تصويب القول

- ‌الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده

- ‌الحالة الثالثة: تضعيف القول

- ‌القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط

- ‌القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح

- ‌الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً:طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌ثالثاًالرجوع عن القول

- ‌الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره

- ‌الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية

- ‌أولاًمخالفة القرآن الكريم

- ‌ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌صور نقد التفسير بالقرآن الكريم

- ‌الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية

- ‌والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:

- ‌القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق

- ‌القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية

- ‌القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها

- ‌الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية

- ‌الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى

- ‌ثانياًمخالفة السنة النبوية

- ‌وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك:

- ‌ثالثاًمخالفة سبب النزول

- ‌رابعاًمخالفة التاريخ

- ‌خامساًالطعن في صحة نقل التفسير

- ‌المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية

- ‌أولاً: مخالفة اللغة العربية

- ‌ثانياًاشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة

- ‌ثالثاًمخالفة الواقع

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌رابعاًمعارضة التفسير بالقياس

- ‌خامساًأن يكون التفسير غير مفيد

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌سادساًنقد التفسير بذكر ما يترتب عليه

- ‌الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاًأثره في التفسير وأصوله

- ‌ثانياًأثره في علوم القرآن

- ‌أ- القراءات:

- ‌فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:

- ‌ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:

- ‌ب - الناسخ والمنسوخ:

- ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

- ‌القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:

- ‌ثالثاًأثره في العقائد

- ‌رابعاًأثره في المتلقين

- ‌وأما المخطئ في الفهم والتأويل فإن انتقاده يعود عليه بفوائد:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

‌نقد مناهج التفسير:

لتفسير القرآن الكريم طرق يسير عليها من أراد فهم القرآن، وهذه المسالك تتفاوت صحة وضعفاً، وقد أصبحت - حين تفرق الأمة وظهور البدع - مناهج وسمات عرفت بها بعض الفرق الإسلامية؛ تتبعها في فهم النصوص والاستدلال بها.

بيد أن المناهج المنحرفة في فهم القرآن التي ظهرت فيما بعد لم تكن ظاهرة في العصر النبوي، إذ لم يوجد من يتبناها أو يدافع عنها، أو يتخذها منهجاً في اتباع النصوص وتفسيرها، ولعل السر في ذلك نقاء عصر النبي وصفائه بوجوده صلى الله عليه وسلم بين الناس.

وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم بعض الطرق في فهم القرآن وحذر منها، وهو محمول في بعض ذلك على حالات معينة وليس نقداً مطلقاً، ومن تلك المناهج والطرق:

‌أ- نقد تأويل المتشابه:

ومتبعو المتشابه من الآيات ومفسروها لهم مقاصد؛ إما بهدف التشكيك في القرآن الكريم وإضلال الناس، وإما لاعتناقهم مذاهب باطلة، فيبحثون عن مخارج لها من القرآن الكريم، فإذا ضاقت عليهم الآيات المحكمات البينات عمدوا

ص: 31

إلى الآيات المتشابهة، وفسروها بما يتوافق مع أهوائهم ومقاصدهم الفاسدة (1).

وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء، وسلوك منهجهم في التعامل مع النصوص الشرعية، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (2) قالت: قال رسول الله: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم» (3).

وقد ذكر ابن جرير (4) أن الآية التي تلاها النبي صلى الله عليه وسلم نزلت بسبب مجادلة نصارى نجران بمتشابه القرآن، ومناظرتهم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى عليه السلام (5)، وهذا موافق لما ذكره ابن إسحاق (6)، فقد ذكر قدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلتهم له،

(1) انظر الجامع لأحكام القرآن (2/ 1255 - 1256).

(2)

سورة آل عمران آية (7).

(3)

أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} (5/ 166)، وأخرجه مسلم في كتاب العلم (4/ 2053) برقم (2665).

(4)

هو أبو جعفر محمد بن جرير الآملي الطبري، شيخ المفسرين، وأحد المجتهدين، ولد عام (224)، من مصنفاته غير التفسير: تاريخ الأمم والملوك، والقراءات، استوطن بغداد وبها توفي عام (310).

انظر: تاريخ بغداد (2/ 162)، وتذكرة الحفاظ (2/ 710)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 110).

(5)

جامع البيان (5/ 206، 212).

(6)

هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، رأى أنس بن مالك وابن المسيب، وحدث عنه الثوري وشعبة، كان إماماً في السير وأيام الناس، توفي عام (151).

انظر: التاريخ الكبير (1/ 1/40)، وتاريخ بغداد (1/ 214).

ص: 32

واحتجاجهم على ألوهية عيسى عليه السلام ببعض الأمور المتشابهة التي جاء القرآن بها، وذكر أن صدر سورة آل عمران نزلت رداً عليهم (1).

قال ابن تيمية (2): «سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران ومناظرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر المسيح، كما ذكر ذلك أهل التفسير وأهل السيرة، وهو من المشهور بل من المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى المباهلة المذكورة في سورة آل عمران، فأقروا بالجزية ولم يباهلوه، وصدر آل عمران نزل بسبب ما جرى؛ ولهذا عامتها في أمر المسيح» (3).

فهؤلاء النصارى اعتقدوا في عيسى عليه السلام أمراً، وأرادوا الاستدلال عليه بما عند المسلمين مما نزل به القرآن الكريم، فاحتجوا ببعض المتشابه زاعمين دلالته على

(1) انظر السيرة النبوية لابن هشام (2/ 575) وما بعدها.

(2)

هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، ولد عام (661)، أحد الأعلام، قال الذهبي:«سارت بتصانيفه الركبان» ، وتوفي بدمشق عام (728)، له ترجمة حافلة في الكواكب الدرية لابن عبد الهادي، وانظر: تذكرة الحفاظ (4/ 1496)، والبداية والنهاية (18/ 295).

(3)

مجموع الفتاوى (17/ 377).

ص: 33

ألوهية عيسى، ومن ذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروحه؟ ، قال: بلى، قالوا: حسبنا (1).

ووجه كون هذه الألفاظ من المتشابه أن لفظ كلمة الله: يراد به الكلام، ويراد به المخلوق بالكلام، ولفظ روح منه: يراد به ابتداء الغاية ويراد به التبعيض (2)، ولم يردوا هذه الألفاظ إلى المحكم من القرآن الدال على أن عيسى عليه السلام مخلوق وعبدٌ لله، كقول الله تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (3)، وقوله تعالى:{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} (4).

ومما اتبعوه من المتشابه للاستدلال على أن الله تعالى ثالث ثلاثة ما يرد في القرآن من لفظ: "إنا" و"نحن"، الدال على الجمع، ووجه كون هذه الألفاظ من المتشابه «أنها تقال للواحد الذي له أعوان: إما أن يكونوا شركاء له، وإما أن يكونوا مماليك له، ولهذا صارت متشابهة، فإن الذي معه شركاء يقول: فعلنا نحن كذا، وإنا نفعل كذا، وهذا ممتنع في حق الله تعالى، والذي له مماليك ومطيعون يطيعونه، كالملك يقول: فعلنا كذا، أي: أنا فعلت بأهل ملكي، وكل ما سوى الله مخلوق له مملوك له، وهو سبحانه أحق من قال: إنا ونحن بهذا الاعتبار، فإن ما سواه ليس له

(1) جامع البيان (5/ 206)، وتفسير ابن أبي حاتم (2/ 596).

(2)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 389).

(3)

سورة آل عمران آية (59).

(4)

سورة مريم آية (30).

ص: 34

ملك تام، ولا أمر مطاع طاعة تامة» (1).

فاتبعوا المتشابه وتركوا المحكم كقول الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (2)، فإنه محكم؛ لأن هذا الاسم مختص بالله وحده (3).

وقد دل قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» على أمرين:

الأول: التحذير ممن يتبع المتشابه، وذلك يشمل كل متأولٍ للآيات المتشابهة في القرآن ليجادل بها أهل الحق، ويلبس عليهم دينهم؛ سواء كان من المشركين كاليهود والنصارى، أو كان من المسلمين كأهل البدع (4)، ولا يمكن الحذر من هؤلاء إلا بمعرفة تأويلاتهم للنصوص، ومآخذهم التي ينطلقون منها في فهم النصوص، ثم نقدها وتزييفها، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض روايات الحديث، حيث قال صلى الله عليه وسلم:«أولئك الذين سمّى الله فاعرفوهم» (5).

ومما يشمله التحذير من هؤلاء مجانبتهم والابتعاد عنهم ، وترك مجالستهم،

(1) مجموع الفتاوى (17/ 377 - 378) باختصار، وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2/ 575).

(2)

سورة الأعراف من الآية (54).

(3)

مجموع الفتاوى (17/ 378).

(4)

انظر جامع البيان (5/ 214).

(5)

أخرج هذه الرواية ابن جرير الطبري في تفسيره (5/ 210) عن عائشة رضي الله عنها، وصحح إسنادها أحمد شاكر في تعليقه على التفسير (6/ 193) ط. دار المعارف.

ص: 35

مخافة أن يوردوا شيئاً من تفسير المتشابه، فلا يجد المسلم له جواباً، فيقع في الفتنة (1)، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات، ففي بعضها:«فلا تجالسوهم» (2).

الثاني: ذم اتباع المتشابه وطلب تفسيره، والاستدلال به على ما يعتقده الإنسان، وجاء لفظ «يتبعون» للدلالة على أنهم «يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم، مثل المتبع للشيء الذي يتحراه ويقصده، وهذا فعل من قصده الفتنة. وأما من سأل عن معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه، وهو عالم بالمحكم متبع له، مؤمن بالمتشابه، لا يقصد فتنة، فهذا لم يذمه الله» (3).

ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما يشتبه عليهم فهمه من الآيات، فيفهمون منها غير المراد، أو يظنون معارضتها لأقواله صلى الله عليه وسلم، فيصحح لهم المعنى، ومن أمثلته:

1 -

عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نُوقش الحساب عُذب» ، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} (4)؟ ، قال: «ذلك

(1) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (16/ 218).

(2)

أخرج هذه الرواية: ابن وهب في الجامع (1/ 79)، وابن جرير في تفسيره (5/ 209)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (1/ 147).

(3)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 394).

(4)

سورة الانشقاق آية (8).

ص: 36

العرض»، وفي رواية أخرى أنه قال:«إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذب» (1).

قال ابن تيمية: «معلوم أن قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة» (2).

وقال ابن القيم (3): «أنكر على عائشة؛ إذ فهمت من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نُوقش الحساب عُذب» ، وبين لها أن الحساب اليسير هو: العرض؛ أي: حساب العرض، لا حساب المناقشة» (4).

(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب (7/ 197)، وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير، باب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} (6/ 81)، وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/ 2204) برقم (2876).

(2)

درء تعارض العقل والنقل (7/ 48)، وانظر فتح الباري لابن حجر (11/ 402).

(3)

هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، ولد عام (691)، لازم ابن تيمية، وبرع في علم التفسير والحديث، من أخص تلاميذه ابن كثير، وتصانيفه كثيرة في شتى العلوم، منها: شرح تهذيب سنن أبي داود، وزاد المعاد، توفي عام (751).

انظر: البداية والنهاية (18/ 523)، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (2/ 447)، والدرر الكامنة (4/ 21).

(4)

إعلام الموقعين (1/ 351).

ص: 37

2 -

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ! ، قال:«أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ » ، قال قتادة: بلى وعزة ربنا (1).

قال ابن حجر: «قوله: «أليس الذي أمشاه» إلخ ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته» (2).

3 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ ، قال: «أرأيت الليل الذي قد ألبس كل شيء، فأين جعل النهار؟ » ، قال: الله أعلم، قال:«كذلك الله يفعل ما يشاء» (3).

(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب قوله: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} (6/ 14)، وفي كتاب الرقاق، باب كيف الحشر (7/ 194)، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 2161) برقم (2806).

(2)

فتح الباري (11/ 382).

(3)

أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (1/ 158)، والحاكم في المستدرك (1/ 36) وهذا لفظه، وقال:«هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 2/924) برقم (2892).

وروي أن هرقل اعترض بهذا الاعتراض في الكتاب الذي بعثه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه بالجواب نفسه، انظر: المسند لأحمد (3/ 441)، وجامع البيان (6/ 54)، والبداية والنهاية (7/ 177)، ومجمع الزوائد (8/ 236).

ص: 38