الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقد مناهج التفسير:
لتفسير القرآن الكريم طرق يسير عليها من أراد فهم القرآن، وهذه المسالك تتفاوت صحة وضعفاً، وقد أصبحت - حين تفرق الأمة وظهور البدع - مناهج وسمات عرفت بها بعض الفرق الإسلامية؛ تتبعها في فهم النصوص والاستدلال بها.
بيد أن المناهج المنحرفة في فهم القرآن التي ظهرت فيما بعد لم تكن ظاهرة في العصر النبوي، إذ لم يوجد من يتبناها أو يدافع عنها، أو يتخذها منهجاً في اتباع النصوص وتفسيرها، ولعل السر في ذلك نقاء عصر النبي وصفائه بوجوده صلى الله عليه وسلم بين الناس.
وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم بعض الطرق في فهم القرآن وحذر منها، وهو محمول في بعض ذلك على حالات معينة وليس نقداً مطلقاً، ومن تلك المناهج والطرق:
أ- نقد تأويل المتشابه:
ومتبعو المتشابه من الآيات ومفسروها لهم مقاصد؛ إما بهدف التشكيك في القرآن الكريم وإضلال الناس، وإما لاعتناقهم مذاهب باطلة، فيبحثون عن مخارج لها من القرآن الكريم، فإذا ضاقت عليهم الآيات المحكمات البينات عمدوا
إلى الآيات المتشابهة، وفسروها بما يتوافق مع أهوائهم ومقاصدهم الفاسدة (1).
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء، وسلوك منهجهم في التعامل مع النصوص الشرعية، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (2) قالت: قال رسول الله: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم» (3).
وقد ذكر ابن جرير (4) أن الآية التي تلاها النبي صلى الله عليه وسلم نزلت بسبب مجادلة نصارى نجران بمتشابه القرآن، ومناظرتهم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى عليه السلام (5)، وهذا موافق لما ذكره ابن إسحاق (6)، فقد ذكر قدومهم على النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلتهم له،
(1) انظر الجامع لأحكام القرآن (2/ 1255 - 1256).
(2)
سورة آل عمران آية (7).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب:{مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} (5/ 166)، وأخرجه مسلم في كتاب العلم (4/ 2053) برقم (2665).
(4)
هو أبو جعفر محمد بن جرير الآملي الطبري، شيخ المفسرين، وأحد المجتهدين، ولد عام (224)، من مصنفاته غير التفسير: تاريخ الأمم والملوك، والقراءات، استوطن بغداد وبها توفي عام (310).
انظر: تاريخ بغداد (2/ 162)، وتذكرة الحفاظ (2/ 710)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 110).
(5)
جامع البيان (5/ 206، 212).
(6)
هو أبو بكر محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي المدني، رأى أنس بن مالك وابن المسيب، وحدث عنه الثوري وشعبة، كان إماماً في السير وأيام الناس، توفي عام (151).
انظر: التاريخ الكبير (1/ 1/40)، وتاريخ بغداد (1/ 214).
واحتجاجهم على ألوهية عيسى عليه السلام ببعض الأمور المتشابهة التي جاء القرآن بها، وذكر أن صدر سورة آل عمران نزلت رداً عليهم (1).
فهؤلاء النصارى اعتقدوا في عيسى عليه السلام أمراً، وأرادوا الاستدلال عليه بما عند المسلمين مما نزل به القرآن الكريم، فاحتجوا ببعض المتشابه زاعمين دلالته على
(1) انظر السيرة النبوية لابن هشام (2/ 575) وما بعدها.
(2)
هو أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني الدمشقي، ولد عام (661)، أحد الأعلام، قال الذهبي:«سارت بتصانيفه الركبان» ، وتوفي بدمشق عام (728)، له ترجمة حافلة في الكواكب الدرية لابن عبد الهادي، وانظر: تذكرة الحفاظ (4/ 1496)، والبداية والنهاية (18/ 295).
(3)
مجموع الفتاوى (17/ 377).
ألوهية عيسى، ومن ذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروحه؟ ، قال: بلى، قالوا: حسبنا (1).
ووجه كون هذه الألفاظ من المتشابه أن لفظ كلمة الله: يراد به الكلام، ويراد به المخلوق بالكلام، ولفظ روح منه: يراد به ابتداء الغاية ويراد به التبعيض (2)، ولم يردوا هذه الألفاظ إلى المحكم من القرآن الدال على أن عيسى عليه السلام مخلوق وعبدٌ لله، كقول الله تعالى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (3)، وقوله تعالى:{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} (4).
ومما اتبعوه من المتشابه للاستدلال على أن الله تعالى ثالث ثلاثة ما يرد في القرآن من لفظ: "إنا" و"نحن"، الدال على الجمع، ووجه كون هذه الألفاظ من المتشابه «أنها تقال للواحد الذي له أعوان: إما أن يكونوا شركاء له، وإما أن يكونوا مماليك له، ولهذا صارت متشابهة، فإن الذي معه شركاء يقول: فعلنا نحن كذا، وإنا نفعل كذا، وهذا ممتنع في حق الله تعالى، والذي له مماليك ومطيعون يطيعونه، كالملك يقول: فعلنا كذا، أي: أنا فعلت بأهل ملكي، وكل ما سوى الله مخلوق له مملوك له، وهو سبحانه أحق من قال: إنا ونحن بهذا الاعتبار، فإن ما سواه ليس له
(1) جامع البيان (5/ 206)، وتفسير ابن أبي حاتم (2/ 596).
(2)
مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 389).
(3)
سورة آل عمران آية (59).
(4)
سورة مريم آية (30).
ملك تام، ولا أمر مطاع طاعة تامة» (1).
فاتبعوا المتشابه وتركوا المحكم كقول الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} (2)، فإنه محكم؛ لأن هذا الاسم مختص بالله وحده (3).
وقد دل قوله صلى الله عليه وسلم: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم» على أمرين:
الأول: التحذير ممن يتبع المتشابه، وذلك يشمل كل متأولٍ للآيات المتشابهة في القرآن ليجادل بها أهل الحق، ويلبس عليهم دينهم؛ سواء كان من المشركين كاليهود والنصارى، أو كان من المسلمين كأهل البدع (4)، ولا يمكن الحذر من هؤلاء إلا بمعرفة تأويلاتهم للنصوص، ومآخذهم التي ينطلقون منها في فهم النصوص، ثم نقدها وتزييفها، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض روايات الحديث، حيث قال صلى الله عليه وسلم:«أولئك الذين سمّى الله فاعرفوهم» (5).
ومما يشمله التحذير من هؤلاء مجانبتهم والابتعاد عنهم ، وترك مجالستهم،
(1) مجموع الفتاوى (17/ 377 - 378) باختصار، وانظر السيرة النبوية لابن هشام (2/ 575).
(2)
سورة الأعراف من الآية (54).
(3)
مجموع الفتاوى (17/ 378).
(4)
انظر جامع البيان (5/ 214).
(5)
أخرج هذه الرواية ابن جرير الطبري في تفسيره (5/ 210) عن عائشة رضي الله عنها، وصحح إسنادها أحمد شاكر في تعليقه على التفسير (6/ 193) ط. دار المعارف.
مخافة أن يوردوا شيئاً من تفسير المتشابه، فلا يجد المسلم له جواباً، فيقع في الفتنة (1)، وقد جاء ذلك صريحاً في بعض الروايات، ففي بعضها:«فلا تجالسوهم» (2).
الثاني: ذم اتباع المتشابه وطلب تفسيره، والاستدلال به على ما يعتقده الإنسان، وجاء لفظ «يتبعون» للدلالة على أنهم «يطلبون المتشابه ويقصدونه دون المحكم، مثل المتبع للشيء الذي يتحراه ويقصده، وهذا فعل من قصده الفتنة. وأما من سأل عن معنى المتشابه ليعرفه ويزيل ما عرض له من الشبه، وهو عالم بالمحكم متبع له، مؤمن بالمتشابه، لا يقصد فتنة، فهذا لم يذمه الله» (3).
ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما يشتبه عليهم فهمه من الآيات، فيفهمون منها غير المراد، أو يظنون معارضتها لأقواله صلى الله عليه وسلم، فيصحح لهم المعنى، ومن أمثلته:
1 -
عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نُوقش الحساب عُذب» ، قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} (4)؟ ، قال: «ذلك
(1) انظر شرح صحيح مسلم للنووي (16/ 218).
(2)
أخرج هذه الرواية: ابن وهب في الجامع (1/ 79)، وابن جرير في تفسيره (5/ 209)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان (1/ 147).
(3)
مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 394).
(4)
سورة الانشقاق آية (8).
العرض»، وفي رواية أخرى أنه قال:«إنما ذلك العرض، وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عُذب» (1).
قال ابن تيمية: «معلوم أن قوله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} لا يدل ظاهره على أن المحاسب يناقش، بل الظاهر من لفظ الحساب اليسير أنه لا تكون فيه مناقشة» (2).
وقال ابن القيم (3): «أنكر على عائشة؛ إذ فهمت من قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} معارضته لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نُوقش الحساب عُذب» ، وبين لها أن الحساب اليسير هو: العرض؛ أي: حساب العرض، لا حساب المناقشة» (4).
(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب (7/ 197)، وأخرجه أيضاً في كتاب التفسير، باب {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} (6/ 81)، وأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها (4/ 2204) برقم (2876).
(2)
درء تعارض العقل والنقل (7/ 48)، وانظر فتح الباري لابن حجر (11/ 402).
(3)
هو أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، ولد عام (691)، لازم ابن تيمية، وبرع في علم التفسير والحديث، من أخص تلاميذه ابن كثير، وتصانيفه كثيرة في شتى العلوم، منها: شرح تهذيب سنن أبي داود، وزاد المعاد، توفي عام (751).
انظر: البداية والنهاية (18/ 523)، وذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (2/ 447)، والدرر الكامنة (4/ 21).
(4)
إعلام الموقعين (1/ 351).
2 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً قال: يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ ! ، قال:«أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟ » ، قال قتادة: بلى وعزة ربنا (1).
قال ابن حجر: «قوله: «أليس الذي أمشاه» إلخ ظاهر في أن المراد بالمشي حقيقته، فلذلك استغربوه حتى سألوا عن كيفيته» (2).
3 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد أرأيت جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ ، قال: «أرأيت الليل الذي قد ألبس كل شيء، فأين جعل النهار؟ » ، قال: الله أعلم، قال:«كذلك الله يفعل ما يشاء» (3).
(1) أخرجه البخاري في كتاب التفسير باب قوله: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} (6/ 14)، وفي كتاب الرقاق، باب كيف الحشر (7/ 194)، وأخرجه مسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (4/ 2161) برقم (2806).
(2)
فتح الباري (11/ 382).
(3)
أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (1/ 158)، والحاكم في المستدرك (1/ 36) وهذا لفظه، وقال:«هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (6/ 2/924) برقم (2892).
وروي أن هرقل اعترض بهذا الاعتراض في الكتاب الذي بعثه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه بالجواب نفسه، انظر: المسند لأحمد (3/ 441)، وجامع البيان (6/ 54)، والبداية والنهاية (7/ 177)، ومجمع الزوائد (8/ 236).