المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌رابعا: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام - نقد الصحابة والتابعين للتفسير

[عبد السلام بن صالح الجار الله]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أولاً: أن العناية بنقد التفسير

- ‌ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها

- ‌ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل

- ‌رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة

- ‌خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل

- ‌خطة البحث

- ‌التمهيد

- ‌أولاًالتعريف بالموضوع

- ‌1 - تعريف النقد:

- ‌2 - تعريف الصحابي:

- ‌3 - تعريف التابعي:

- ‌4 - تعريف التفسير:

- ‌ثانيًاالنقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة

- ‌نقد مناهج التفسير:

- ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

- ‌ب - نقد الإسرائيليات:

- ‌ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:

- ‌د - نقد التفسير بالرأي:

- ‌بيانه صلى الله عليه وسلم لوجه ضعف التفسير:

- ‌أثر النقد النبوي على الصحابة:

- ‌الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه

- ‌الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره

- ‌أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه

- ‌أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم

- ‌ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك

- ‌ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى

- ‌رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن

- ‌خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن

- ‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

- ‌الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم

- ‌أولاًالاهتمام بالتفسير الصحيح

- ‌أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن

- ‌ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية

- ‌ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته

- ‌رابعاً: الاهتمام برجال التفسير

- ‌ثانياًالحث على ما يعين على فهم القرآن

- ‌أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات

- ‌ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن

- ‌ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية

- ‌رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌خامساً: معرفة اللغة العربية

- ‌ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ

- ‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير

- ‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين

- ‌أولاًطبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول

- ‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها

- ‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد

- ‌رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة

- ‌خامساً: كراهة الاختلاف

- ‌ثانياًأدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: احترام الرأي الآخر

- ‌الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد

- ‌الثاني: عدم التعدي على المخالف

- ‌الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه

- ‌ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف

- ‌ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:

- ‌ثالثاً: الرجوع إلى الحق

- ‌ومن تلك المراجعات:

- ‌الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته

- ‌الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: ظهور الفتن والبدع

- ‌ثانياً: مخالطة أهل الكتاب

- ‌ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام

- ‌رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن

- ‌خامساً: مؤثرات سياسية

- ‌سادساً: مؤثرات اجتماعية

- ‌الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير

- ‌ومن مظاهر الشدة في النقد:

- ‌أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً

- ‌ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:

- ‌ومن مظاهر الرفق في النقد:

- ‌أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته

- ‌ثانياً: الرفق مع الطلاب

- ‌ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ

- ‌عبارات نقدية:

- ‌أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة

- ‌ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:

- ‌ثانياً: زعم

- ‌ثالثاً: أخطأت التأويل

- ‌رابعاً: لم تصب.ومن أمثلته:

- ‌خامساً: بئسما قلت.ومن أمثلته:

- ‌سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.ومن أمثلته:

- ‌سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.ومن أمثلته:

- ‌ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.ومن أمثلته

- ‌تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه

- ‌عاشراً: ما لكم ولهذه الآية

- ‌حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.ومن أمثلته:

- ‌ثاني عشر: الضحك

- ‌الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاً: أهليتهم للنقد

- ‌ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال

- ‌ثالثاً: الاستدلال للنقد

- ‌رابعاً: بيان الرأي الصحيح

- ‌المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين

- ‌الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه

- ‌أولاًنقد التفسير بالرأي

- ‌ثانياًنقد التفسير بالإسرائيليات

- ‌صور نقد الإسرائيليات:

- ‌الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:

- ‌الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:

- ‌الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:

- ‌دواعي نقد الإسرائيليات:

- ‌توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:

- ‌ثالثاًنقد تفاسير أهل البدع

- ‌منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله:

- ‌منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

- ‌الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون

- ‌أولاً: الخوارج

- ‌القضية الأولى: التكفير

- ‌القضية الثانية: قتال أهل القبلة

- ‌القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار

- ‌القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار

- ‌ثانياً: الشيعة

- ‌ثالثاً: القدرية

- ‌رابعاًنقد تفسير المتشابه

- ‌طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:

- ‌خامساًنقد الجدال في القرآن:

- ‌الجدال المحمود:

- ‌سادساًنقد تفاسير القُصَّاص

- ‌دواعي نقد القصاص

- ‌انتقاد القصاص في التفسير:

- ‌سابعاًنقد التكلف في التفسير

- ‌ثامناًنقد تدوين التفسير

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:

- ‌الفصل الثاني نقد رجال التفسير

- ‌أولاًالرجال المنتقدون في التفسير

- ‌أولاً: مجاهد بن جبر المكي

- ‌الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب

- ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

- ‌ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس

- ‌ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:

- ‌وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:

- ‌وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:

- ‌ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي

- ‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

- ‌خامساً: إسماعيل السدي

- ‌سادساً: زيد بن أسلم العدوي

- ‌سابعاً: محمد بن السائب الكلبي

- ‌ثانياًأسباب نقد رجال التفسير

- ‌ثالثاًأثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم

- ‌الفصل الثالث نقد الأقوال

- ‌أولاً:طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: تصويب القول

- ‌الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده

- ‌الحالة الثالثة: تضعيف القول

- ‌القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط

- ‌القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح

- ‌الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً:طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌ثالثاًالرجوع عن القول

- ‌الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره

- ‌الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية

- ‌أولاًمخالفة القرآن الكريم

- ‌ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌صور نقد التفسير بالقرآن الكريم

- ‌الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية

- ‌والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:

- ‌القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق

- ‌القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية

- ‌القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها

- ‌الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية

- ‌الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى

- ‌ثانياًمخالفة السنة النبوية

- ‌وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك:

- ‌ثالثاًمخالفة سبب النزول

- ‌رابعاًمخالفة التاريخ

- ‌خامساًالطعن في صحة نقل التفسير

- ‌المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية

- ‌أولاً: مخالفة اللغة العربية

- ‌ثانياًاشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة

- ‌ثالثاًمخالفة الواقع

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌رابعاًمعارضة التفسير بالقياس

- ‌خامساًأن يكون التفسير غير مفيد

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌سادساًنقد التفسير بذكر ما يترتب عليه

- ‌الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاًأثره في التفسير وأصوله

- ‌ثانياًأثره في علوم القرآن

- ‌أ- القراءات:

- ‌فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:

- ‌ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:

- ‌ب - الناسخ والمنسوخ:

- ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

- ‌القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:

- ‌ثالثاًأثره في العقائد

- ‌رابعاًأثره في المتلقين

- ‌وأما المخطئ في الفهم والتأويل فإن انتقاده يعود عليه بفوائد:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌رابعا: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

" (1).

عده ابن حجر في الطبقة الوسطى من التابعين، وهو يروي عن علي وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم (2)، ولم يخرج له البخاري ومسلم، وخرج له أصحاب السنن أحاديث قليلة، منها حديث واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما (3)، ولأبي صالح عناية بالتفسير خاصة، فله نسخة تفسيرية كبيرة يرويها عن ابن عباس أخرج كثيراً منها ابن جرير الطبري، قال ابن عدي:«عامة ما يرويه تفاسير، وما أقل ما له من المسند، وهو يروي عن علي وابن عباس، وروى عنه ابن أبي خالد عن أبي صالح هذا تفسيراً كبيراً قدر جزء» (4).

(1) ويقال: باذان، ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام في الطبقة الثانية عشرة؛ بين عامي (111 - 120 ص 325)، وأشار في سير أعلام النبلاء (5/ 38) إلى أنه من طبقة أبي صالح ذكوان السمان المتوفى سنة (101)، لكنه عاش بعده نحواً من عشرين سنة.

وأما أم هانئ فهي فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب بن عبد المطلب القرشية الهاشمية، شقيقة علي رضي الله عنه، كانت تحت هبيرة المخزومي، فأسلمت عام الفتح، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وروت عنه، وعاشت بعد علي.

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 32)، وأسد الغابة (7/ 404)، والإصابة (13/ 300).

(2)

تهذيب التهذيب (1/ 211)، وتقريبه (ص 120).

(3)

انظر تحفة الأشراف (4/ 368).

(4)

الكامل (2/ 258)، وانظر الكاشف للذهبي (1/ 263).

ص: 431

وجملة ما انتقد به أمران:

الأمر الأول: عدم التمكن في علم التفسير، فقد كان الشعبي رحمه الله يمر به، فيأخذ أذنه فيعركها، ويقول:«تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن؟ ! » .

وفي بعض الروايات: «ويلك تفسر القرآن وأنت لا تحفظه! » ، وفي بعضها:«وأنت لا تحسن تقرأه نظراً! » (1).

ونقد الشعبي غير كاف للحكم على أبي صالح بأنه غير مؤهل لتفسير القرآن، فالشعبي عرف عنه الورع الشديد عن القول في تفسير القرآن مطلقاً، وكان يقول:«ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن والروح والرأي» (2)، ويقول:«والله ما من آية إلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله عز وجل» (3)، فهو لا يرى التصدر لتفسير القرآن مطلقاً.

ثم إن قوله لأبي صالح: وأنت لا تقرأ القرآن، أو: وأنت لا تحسن تقرأه نظراً! ، يتعارض مع ما ذكر في ترجمة أبي صالح أنه كان معلماً للقرآن الكريم كما

(1) المعارف (ص 479)، والمعرفة والتاريخ (2/ 685)، وجامع البيان (1/ 86)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165، 166)، والمجروحين (1/ 210)، والكامل لابن عدي (2/ 257).

(2)

جامع البيان (1/ 81).

(3)

المعرفة والتاريخ (2/ 603)، وجامع البيان (1/ 81).

ص: 432

سيأتي، وقد تكون قراءة أبي صالح مخالفة لقراءة الشعبي فأنكرها.

ومعاتبته لأبي صالح على تفسير القرآن مع عدم حفظه يفيد أنه يرى ضرورة أن يكون المفسر حافظاً لكتاب الله، وهذا ما لم يذكره أحد شرطاً للمفسر (1).

الأمر الثاني: الطعن في مروياته والقدح في عدالته، وأثير ضده أمران:

1 -

ما يتعلق بسماعه من ابن عباس رضي الله عنهما والذي يروي عنه نسخة كبيرة في التفسير، فعن عمرو بن قيس الملائى (2)

قال: «كان مجاهد ينهى عن تفسير أبي صالح» (3).

وفي رواية عنه قال: «كان مجاهد ينهاني عن أبي صالح صاحب الكلبي» (4).

(1) انظر: الإتقان (2/ 225)، والقول المحرر لترجمة أبي صالح باذام المفسر د. العوني (ص 22).

(2)

هو أبو عبد الله الكوفي، روى عن عكرمة وأبي إسحاق السبيعي، وعنه الثوري وغيره، أخرج له مسلم وأصحاب السنن، من ثقات الكوفة وعبادهم، توفي سنة (146) بسجستان.

انظر: التاريخ الكبير (3/ 2/363)، والثقات لابن حبان (7/ 221)، وتهذيب التهذيب (3/ 299).

(3)

التاريخ الكبير (1/ 2/144)، والكامل لابن عدي (2/ 256).

(4)

الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165)، والجرح والتعديل (1/ 1/432)، والكلبي هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي، روى عن الشعبي وجماعة، برز في علم النسب والتفسير، واتهم بالكذب ورمي بالرفض، ألف في تفسير القرآن، وتوفي عام (146).

انظر في ترجمته: ميزان الاعتدال (5/ 2)، وتهذيب التهذيب (3/ 569)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 149).

ص: 433

ولم يذكر عمرو سبب نهي مجاهد عن أبي صالح وتفسيره، ويبدو أنه قال ذلك بالكوفة، فقد قدم إليها هو وأبو صالح واستقرا بها (1)، وعمرو بن قيس الذي نهاه مجاهد كوفي أيضاً، فلعل مجاهداً لما قدم الكوفة ورأى تصدر أبي صالح للتفسير كما تشير إليه الرواية السابقة عن الشعبي (2)، ورأى إكثاره من الرواية عن ابن عباس أنكر ذلك لعدم شهرته بالرواية عنه والتتلمذ على يديه، وهذا هو الظاهر فمجاهد من أخص تلاميذ ابن عباس وأقربهم إليه، وأكثرهم تلقياً لتفسيره، ولذا نص بعض الحفاظ على عدم سماع أبي صالح من ابن عباس؛ كقول الإمام مسلم:«وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس» (3).

وقول ابن حبان: «يحدث عن ابن عباس ولم يسمع منه» (4).

وقد أنكر بعض حفاظ أهل مكة ومحدثيها ممن يروي عن ابن عباس معرفته

(1) تقدم أن مجاهداً سكن الكوفة في آخر حياته، وأما أبو صالح فقد ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (6/ 207) ضمن الطبقة الثانية من الكوفيين، ونسبه للكوفة: البخاري في التاريخ الكبير (1/ 2/144) وفي الضعفاء (ص 414)، والنسائي في الضعفاء (ص 63).

(2)

وفي الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165) عن الأعمش - وهو كوفي - قال: «كنا نأتي مجاهداً فنمر على أبي صالح، وعنده بضعة عشر غلاماً ما نرى أن عنده شيئاً» .

(3)

فتح الباري لابن رجب (3/ 201)، وعزاه إلى كتاب التفصيل لمسلم.

(4)

المجروحين (1/ 210).

ص: 434

بأبي صالح، فعن سفيان قال:«سمعت إسماعيل بن أبي خالد أو مالك بن مغول (1) يقول: سمعت أبا صالح يقول: ما بمكة أحد إلا علمته القرآن أو علمته إياه، قال سفيان: فسألت عمرو بن دينار عن أبي صالح، فقال: لا أعرفه» (2).

ومن هنا يرى بعض العلماء أن روايته عن ابن عباس إنما كانت عن طريق كتب وجدها وليست سماعاً مباشراً، فعن مغيرة بن مقسم قال:«إنما كان أبو صالح صاحب الكلبي يعلم الصبيان، وكان يضعف تفسيره، ويقول: كتب أصابها، وتعجب ممن يروى عنه» (3).

وعلى التسليم بسماعه من ابن عباس فإنه يعد قليلاً جداً بالنسبة إلى ما لم يسمعه، وهو ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله، فعن مهنا (4)

قال: «قال أحمد بن حنبل: لم

(1) هو أبو عبد الله البجلي الكوفي، روى عن الشعبي وعطاء ونافع، وعنه شعبة والثوري، كان ثقة ثبتاً كثير الحديث، خرج له أصحاب الكتب الستة، وتوفي بالكوفة سنة (158 أو 159).

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 254)، والتاريخ الكبير (4/ 1/314)، وتهذيب التهذيب (4/ 15).

(2)

المعرفة والتاريخ (2/ 685)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 166).

(3)

الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 166).

(4)

هو أبو عبد الله مهنا بن يحيى الشامي، من كبار أصحاب الإمام أحمد؛ لازمه أكثر من أربعين سنة، ورحل معه إلى عبد الرزاق في اليمن، وروى عنه مسائل كثيرة جداً، وكان أحمد يجله ويكرمه.

انظر: طبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/ 345)، وتاريخ بغداد (13/ 266)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (251 - 260 ص 354).

ص: 435

يكن عند أبي صالح من الحديث المسند (1)، يعني: إلا شيءٌ يسير، قال مهنا: قلت: أي شيء؟ ، قال: عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال تعالى: } وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (2)، قال: النفقة في سبيل الله» (3).

وبتأمل كلام الإمام أحمد وقبله كلام ابن مقسم يتبين أن سماع أبي صالح من ابن عباس قليل، والنسخة التفسيرية الكبيرة التي يرويها عنه لم يسمع منها إلا القليل مما لا يمكن تمييزه، وأغلبها أخذها من الكتب، ولا تعلم واسطته فيها، وعليه نستطيع الحكم على أبي صالح بالتدليس (4).

(1) ومراده بالمسند هنا المتصل، انظر في تعريفه: الكفاية للخطيب (ص 58)، ومقدمة ابن الصلاح (ص 190).

(2)

سورة البقرة من الآية (195).

(3)

المنتخب من العلل للخلال (127)، وأثر أبي صالح في: جامع البيان (3/ 313، 318)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 330).

(4)

انظر: تقريب التهذيب (ص 163) ط. دار العاصمة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (1/ 259)، ويشبه أبا صالح في تدليسه ما ذكره ابن حجر في تعريف أهل التقديس (ص 71 - 72) عن عمرو بن شعيب، مع الاختلاف بين الرجلين، فإن عمراً أوثق من أبي صالح وأكثر حديثاً مرفوعاً منه، قال ابن حجر عن عمرو:«تابعي صغير مشهور مختلف فيه، والأكثر على أنه صدوق في نفسه، وحديثه عن غير أبيه عن جده قوي، قال ابن معين: إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كتاب، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة فهو ثقة، وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، وقالوا: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وعامة المناكير في حديثه من رواية الضعفاء عنه، وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب كان عنده، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئاً، إنما وجده في كتاب أبيه، وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء إلا إن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها في صحاح ما خرجوا، وقالوا: هي صحيفة، قلت [أي ابن حجر]: فعلى مقتضى قول هؤلاء يكون تدليساً، لأنه ثبت سماعه من أبيه، وقد حدث عنه بشيء كثير مما لم يسمعه منه مما أخذه عن الصحيفة بصيغة عن، وهذا أحد صور التدليس، والله أعلم» .

ص: 436

2 -

ما يتعلق بتوثيقه وتعديله، فعن حبيب بن أبي ثابت قال:«كنا نسمي أبا صالح باذام دروغزن» (1).

ومعناها: كذاب (2).

وعن إسماعيل بن أبى خالد قال: «ما سألت أبا صالح عن شيء من القرآن إلا أخبرني به» (3).

وإسماعيل بن أبي خالد أحد أشهر الرواة لنسخة أبي صالح التفسيرية، وقد أنكر مسارعته إلى الجواب عن كل سؤال في التفسير، وذكر بعض العلماء أن

(1) التاريخ الكبير (1/ 2/144)، والضعفاء له (ص 414)، والسنن الكبرى للنسائي (2/ 252)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165)، والكامل لابن عدي (2/ 255) وعندهما: دروزن.

(2)

كذا فسرها في السنن الكبرى، وانظر الواعد (معجم فارسي - عربي)(ص 188)، وكذبه الأزدي كما في تهذيب التهذيب (1/ 211)، وابن الجوزي في الموضوعات (2/ 145).

(3)

المعرفة والتاريخ (2/ 686)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165).

ص: 437

إسماعيل كذب أبا صالح (1).

وهذا أشد ما قيل فيه من التجريح، ولم يوافق أكثر الحفاظ على هذا الجرح الشديد، فجمهورهم على تضعيفه (2)، ومنهم من ذكره في مراتب الجرح الدنيا؛ كقول بعضهم: ليس بالقوي، أو ليس بذاك (3).

وأما من عدله فلم يذكره في المراتب العليا بل في المراتب الدنيا؛ مثل قول بعضهم: صالح الحديث (4)، أو أن حديثه من قبيل الحسن (5)، أو أنه مقبول الحديث (6)، أو ليس به بأس إذا روى عنه غير الكلبي، أو أن فلاناً من الحفاظ لم يترك حديثه ونحو ذلك (7)، أما التوثيق فلم يوثقه أحد سوى العجلي (8) كما ذكر ابن

(1) انظر: ميزان الاعتدال (1/ 296)، وإرواء الغليل (3/ 212).

(2)

إرواء الغليل (3/ 212)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني (1/ 259)، وضعفه ابن عدي في الكامل (2/ 258)، والمزي في تحفة الأشراف (12/ 450).

(3)

انظر: تهذيب التهذيب (1/ 211)،

(4)

الجرح والتعديل (1/ 1/432).

(5)

مجموع الفتاوى لابن تيمية (24/ 351).

(6)

القول المحرر (ص 32).

(7)

تهذيب التهذيب (1/ 211).

(8)

هو أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي كوفي الأصل، ولد سنة (182)، ونشأ ببغداد وبها تلقى العلم، ثم انتقل إلى المغرب زمن محنة الإمام أحمد، وتوفي بطرابلس عام (261).

انظر: تاريخ بغداد (4/ 214)، وتذكرة الحفاظ (2/ 560).

ص: 438

حجر (1).

ومما أثر في مرويات أبي صالح وزاد من ضعفها أن أشهر الرواة عنه هو محمد بن السائب الكلبي، وقد قال أبو صالح له:«كل شيء حدثتك فهو كذب» (2).

وقال له: «انظر كل شيء رويته عني عن ابن عباس فلا تروه» (3).

وحلف مرة أنه لم يقرأ عليه من التفسير شيئاً (4).

ولذلك تعتبر رواىة الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من أوهى الطرق عن ابن عباس (5)؛ لأن الكلبي متهم بالكذب وأبا صالح ضعيف، وسيأتي الكلام عن الكلبي مستقلاً.

وهذه الطريق خرج منها الطبري قليلاً وانتقدها في بعض المواطن (6).

(1) تهذيب التهذيب (1/ 211)، وانظر معرفة الثقات للعجلي (1/ 242)، ورجح توثيقه أحمد شاكر في تحقيق مسند أحمد (3/ 323) ط. دار المعارف.

(2)

التاريخ الكبير (1/ 1/101)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 166)، والكامل لابن عدي (2/ 255).

(3)

الكامل لابن عدي (2/ 256).

(4)

الجرح والتعديل (3/ 2/271).

(5)

الإتقان (2/ 242).

(6)

انظر جامع البيان (1/ 61، 70، 2/ 34).

ص: 439