الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام
" (1).
عده ابن حجر في الطبقة الوسطى من التابعين، وهو يروي عن علي وأبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم (2)، ولم يخرج له البخاري ومسلم، وخرج له أصحاب السنن أحاديث قليلة، منها حديث واحد عن ابن عباس رضي الله عنهما (3)، ولأبي صالح عناية بالتفسير خاصة، فله نسخة تفسيرية كبيرة يرويها عن ابن عباس أخرج كثيراً منها ابن جرير الطبري، قال ابن عدي:«عامة ما يرويه تفاسير، وما أقل ما له من المسند، وهو يروي عن علي وابن عباس، وروى عنه ابن أبي خالد عن أبي صالح هذا تفسيراً كبيراً قدر جزء» (4).
(1) ويقال: باذان، ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام في الطبقة الثانية عشرة؛ بين عامي (111 - 120 ص 325)، وأشار في سير أعلام النبلاء (5/ 38) إلى أنه من طبقة أبي صالح ذكوان السمان المتوفى سنة (101)، لكنه عاش بعده نحواً من عشرين سنة.
وأما أم هانئ فهي فاختة، وقيل: هند بنت أبي طالب بن عبد المطلب القرشية الهاشمية، شقيقة علي رضي الله عنه، كانت تحت هبيرة المخزومي، فأسلمت عام الفتح، وخطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وروت عنه، وعاشت بعد علي.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (8/ 32)، وأسد الغابة (7/ 404)، والإصابة (13/ 300).
(2)
تهذيب التهذيب (1/ 211)، وتقريبه (ص 120).
(3)
انظر تحفة الأشراف (4/ 368).
(4)
الكامل (2/ 258)، وانظر الكاشف للذهبي (1/ 263).
وجملة ما انتقد به أمران:
الأمر الأول: عدم التمكن في علم التفسير، فقد كان الشعبي رحمه الله يمر به، فيأخذ أذنه فيعركها، ويقول:«تفسر القرآن وأنت لا تقرأ القرآن؟ ! » .
وفي بعض الروايات: «ويلك تفسر القرآن وأنت لا تحفظه! » ، وفي بعضها:«وأنت لا تحسن تقرأه نظراً! » (1).
ونقد الشعبي غير كاف للحكم على أبي صالح بأنه غير مؤهل لتفسير القرآن، فالشعبي عرف عنه الورع الشديد عن القول في تفسير القرآن مطلقاً، وكان يقول:«ثلاث لا أقول فيهن حتى أموت: القرآن والروح والرأي» (2)، ويقول:«والله ما من آية إلا قد سألت عنها، ولكنها الرواية عن الله عز وجل» (3)، فهو لا يرى التصدر لتفسير القرآن مطلقاً.
ثم إن قوله لأبي صالح: وأنت لا تقرأ القرآن، أو: وأنت لا تحسن تقرأه نظراً! ، يتعارض مع ما ذكر في ترجمة أبي صالح أنه كان معلماً للقرآن الكريم كما
(1) المعارف (ص 479)، والمعرفة والتاريخ (2/ 685)، وجامع البيان (1/ 86)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165، 166)، والمجروحين (1/ 210)، والكامل لابن عدي (2/ 257).
(2)
جامع البيان (1/ 81).
(3)
المعرفة والتاريخ (2/ 603)، وجامع البيان (1/ 81).
سيأتي، وقد تكون قراءة أبي صالح مخالفة لقراءة الشعبي فأنكرها.
ومعاتبته لأبي صالح على تفسير القرآن مع عدم حفظه يفيد أنه يرى ضرورة أن يكون المفسر حافظاً لكتاب الله، وهذا ما لم يذكره أحد شرطاً للمفسر (1).
الأمر الثاني: الطعن في مروياته والقدح في عدالته، وأثير ضده أمران:
1 -
ما يتعلق بسماعه من ابن عباس رضي الله عنهما والذي يروي عنه نسخة كبيرة في التفسير، فعن عمرو بن قيس الملائى (2)
قال: «كان مجاهد ينهى عن تفسير أبي صالح» (3).
وفي رواية عنه قال: «كان مجاهد ينهاني عن أبي صالح صاحب الكلبي» (4).
(1) انظر: الإتقان (2/ 225)، والقول المحرر لترجمة أبي صالح باذام المفسر د. العوني (ص 22).
(2)
هو أبو عبد الله الكوفي، روى عن عكرمة وأبي إسحاق السبيعي، وعنه الثوري وغيره، أخرج له مسلم وأصحاب السنن، من ثقات الكوفة وعبادهم، توفي سنة (146) بسجستان.
انظر: التاريخ الكبير (3/ 2/363)، والثقات لابن حبان (7/ 221)، وتهذيب التهذيب (3/ 299).
(3)
التاريخ الكبير (1/ 2/144)، والكامل لابن عدي (2/ 256).
(4)
الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165)، والجرح والتعديل (1/ 1/432)، والكلبي هو أبو النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي الكوفي، روى عن الشعبي وجماعة، برز في علم النسب والتفسير، واتهم بالكذب ورمي بالرفض، ألف في تفسير القرآن، وتوفي عام (146).
انظر في ترجمته: ميزان الاعتدال (5/ 2)، وتهذيب التهذيب (3/ 569)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 149).
ولم يذكر عمرو سبب نهي مجاهد عن أبي صالح وتفسيره، ويبدو أنه قال ذلك بالكوفة، فقد قدم إليها هو وأبو صالح واستقرا بها (1)، وعمرو بن قيس الذي نهاه مجاهد كوفي أيضاً، فلعل مجاهداً لما قدم الكوفة ورأى تصدر أبي صالح للتفسير كما تشير إليه الرواية السابقة عن الشعبي (2)، ورأى إكثاره من الرواية عن ابن عباس أنكر ذلك لعدم شهرته بالرواية عنه والتتلمذ على يديه، وهذا هو الظاهر فمجاهد من أخص تلاميذ ابن عباس وأقربهم إليه، وأكثرهم تلقياً لتفسيره، ولذا نص بعض الحفاظ على عدم سماع أبي صالح من ابن عباس؛ كقول الإمام مسلم:«وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس» (3).
وقول ابن حبان: «يحدث عن ابن عباس ولم يسمع منه» (4).
وقد أنكر بعض حفاظ أهل مكة ومحدثيها ممن يروي عن ابن عباس معرفته
(1) تقدم أن مجاهداً سكن الكوفة في آخر حياته، وأما أبو صالح فقد ذكره ابن سعد في الطبقات الكبرى (6/ 207) ضمن الطبقة الثانية من الكوفيين، ونسبه للكوفة: البخاري في التاريخ الكبير (1/ 2/144) وفي الضعفاء (ص 414)، والنسائي في الضعفاء (ص 63).
(2)
وفي الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165) عن الأعمش - وهو كوفي - قال: «كنا نأتي مجاهداً فنمر على أبي صالح، وعنده بضعة عشر غلاماً ما نرى أن عنده شيئاً» .
(3)
فتح الباري لابن رجب (3/ 201)، وعزاه إلى كتاب التفصيل لمسلم.
(4)
المجروحين (1/ 210).
بأبي صالح، فعن سفيان قال:«سمعت إسماعيل بن أبي خالد أو مالك بن مغول (1) يقول: سمعت أبا صالح يقول: ما بمكة أحد إلا علمته القرآن أو علمته إياه، قال سفيان: فسألت عمرو بن دينار عن أبي صالح، فقال: لا أعرفه» (2).
ومن هنا يرى بعض العلماء أن روايته عن ابن عباس إنما كانت عن طريق كتب وجدها وليست سماعاً مباشراً، فعن مغيرة بن مقسم قال:«إنما كان أبو صالح صاحب الكلبي يعلم الصبيان، وكان يضعف تفسيره، ويقول: كتب أصابها، وتعجب ممن يروى عنه» (3).
وعلى التسليم بسماعه من ابن عباس فإنه يعد قليلاً جداً بالنسبة إلى ما لم يسمعه، وهو ما أشار إليه الإمام أحمد رحمه الله، فعن مهنا (4)
قال: «قال أحمد بن حنبل: لم
(1) هو أبو عبد الله البجلي الكوفي، روى عن الشعبي وعطاء ونافع، وعنه شعبة والثوري، كان ثقة ثبتاً كثير الحديث، خرج له أصحاب الكتب الستة، وتوفي بالكوفة سنة (158 أو 159).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (6/ 254)، والتاريخ الكبير (4/ 1/314)، وتهذيب التهذيب (4/ 15).
(2)
المعرفة والتاريخ (2/ 685)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 166).
(3)
الضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 166).
(4)
هو أبو عبد الله مهنا بن يحيى الشامي، من كبار أصحاب الإمام أحمد؛ لازمه أكثر من أربعين سنة، ورحل معه إلى عبد الرزاق في اليمن، وروى عنه مسائل كثيرة جداً، وكان أحمد يجله ويكرمه.
انظر: طبقات الحنابلة لأبي يعلى (1/ 345)، وتاريخ بغداد (13/ 266)، وتاريخ الإسلام حوادث سنة (251 - 260 ص 354).
يكن عند أبي صالح من الحديث المسند (1)، يعني: إلا شيءٌ يسير، قال مهنا: قلت: أي شيء؟ ، قال: عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال تعالى: } وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (2)، قال: النفقة في سبيل الله» (3).
وبتأمل كلام الإمام أحمد وقبله كلام ابن مقسم يتبين أن سماع أبي صالح من ابن عباس قليل، والنسخة التفسيرية الكبيرة التي يرويها عنه لم يسمع منها إلا القليل مما لا يمكن تمييزه، وأغلبها أخذها من الكتب، ولا تعلم واسطته فيها، وعليه نستطيع الحكم على أبي صالح بالتدليس (4).
(1) ومراده بالمسند هنا المتصل، انظر في تعريفه: الكفاية للخطيب (ص 58)، ومقدمة ابن الصلاح (ص 190).
(2)
سورة البقرة من الآية (195).
(3)
المنتخب من العلل للخلال (127)، وأثر أبي صالح في: جامع البيان (3/ 313، 318)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 330).
(4)
انظر: تقريب التهذيب (ص 163) ط. دار العاصمة، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة (1/ 259)، ويشبه أبا صالح في تدليسه ما ذكره ابن حجر في تعريف أهل التقديس (ص 71 - 72) عن عمرو بن شعيب، مع الاختلاف بين الرجلين، فإن عمراً أوثق من أبي صالح وأكثر حديثاً مرفوعاً منه، قال ابن حجر عن عمرو:«تابعي صغير مشهور مختلف فيه، والأكثر على أنه صدوق في نفسه، وحديثه عن غير أبيه عن جده قوي، قال ابن معين: إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كتاب، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعروة فهو ثقة، وقال أبو زرعة: روى عنه الثقات، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن أبيه عن جده، وقالوا: إنما سمع أحاديث يسيرة وأخذ صحيفة كانت عنده فرواها، وعامة المناكير في حديثه من رواية الضعفاء عنه، وهو ثقة في نفسه، إنما تكلم فيه بسبب كتاب كان عنده، وقال ابن أبي خيثمة: سمعت هارون بن معروف يقول: لم يسمع عمرو من أبيه شيئاً، إنما وجده في كتاب أبيه، وقال ابن عدي: روى عنه أئمة الناس وثقاتهم وجماعة من الضعفاء إلا إن أحاديثه عن أبيه عن جده مع احتمالهم إياه لم يدخلوها في صحاح ما خرجوا، وقالوا: هي صحيفة، قلت [أي ابن حجر]: فعلى مقتضى قول هؤلاء يكون تدليساً، لأنه ثبت سماعه من أبيه، وقد حدث عنه بشيء كثير مما لم يسمعه منه مما أخذه عن الصحيفة بصيغة عن، وهذا أحد صور التدليس، والله أعلم» .
2 -
ما يتعلق بتوثيقه وتعديله، فعن حبيب بن أبي ثابت قال:«كنا نسمي أبا صالح باذام دروغزن» (1).
ومعناها: كذاب (2).
وعن إسماعيل بن أبى خالد قال: «ما سألت أبا صالح عن شيء من القرآن إلا أخبرني به» (3).
وإسماعيل بن أبي خالد أحد أشهر الرواة لنسخة أبي صالح التفسيرية، وقد أنكر مسارعته إلى الجواب عن كل سؤال في التفسير، وذكر بعض العلماء أن
(1) التاريخ الكبير (1/ 2/144)، والضعفاء له (ص 414)، والسنن الكبرى للنسائي (2/ 252)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165)، والكامل لابن عدي (2/ 255) وعندهما: دروزن.
(2)
كذا فسرها في السنن الكبرى، وانظر الواعد (معجم فارسي - عربي)(ص 188)، وكذبه الأزدي كما في تهذيب التهذيب (1/ 211)، وابن الجوزي في الموضوعات (2/ 145).
(3)
المعرفة والتاريخ (2/ 686)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 165).
إسماعيل كذب أبا صالح (1).
وهذا أشد ما قيل فيه من التجريح، ولم يوافق أكثر الحفاظ على هذا الجرح الشديد، فجمهورهم على تضعيفه (2)، ومنهم من ذكره في مراتب الجرح الدنيا؛ كقول بعضهم: ليس بالقوي، أو ليس بذاك (3).
وأما من عدله فلم يذكره في المراتب العليا بل في المراتب الدنيا؛ مثل قول بعضهم: صالح الحديث (4)، أو أن حديثه من قبيل الحسن (5)، أو أنه مقبول الحديث (6)، أو ليس به بأس إذا روى عنه غير الكلبي، أو أن فلاناً من الحفاظ لم يترك حديثه ونحو ذلك (7)، أما التوثيق فلم يوثقه أحد سوى العجلي (8) كما ذكر ابن
(1) انظر: ميزان الاعتدال (1/ 296)، وإرواء الغليل (3/ 212).
(2)
إرواء الغليل (3/ 212)، وسلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني (1/ 259)، وضعفه ابن عدي في الكامل (2/ 258)، والمزي في تحفة الأشراف (12/ 450).
(3)
انظر: تهذيب التهذيب (1/ 211)،
(4)
الجرح والتعديل (1/ 1/432).
(5)
مجموع الفتاوى لابن تيمية (24/ 351).
(6)
القول المحرر (ص 32).
(7)
تهذيب التهذيب (1/ 211).
(8)
هو أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي كوفي الأصل، ولد سنة (182)، ونشأ ببغداد وبها تلقى العلم، ثم انتقل إلى المغرب زمن محنة الإمام أحمد، وتوفي بطرابلس عام (261).
انظر: تاريخ بغداد (4/ 214)، وتذكرة الحفاظ (2/ 560).
حجر (1).
ومما أثر في مرويات أبي صالح وزاد من ضعفها أن أشهر الرواة عنه هو محمد بن السائب الكلبي، وقد قال أبو صالح له:«كل شيء حدثتك فهو كذب» (2).
وقال له: «انظر كل شيء رويته عني عن ابن عباس فلا تروه» (3).
وحلف مرة أنه لم يقرأ عليه من التفسير شيئاً (4).
ولذلك تعتبر رواىة الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس من أوهى الطرق عن ابن عباس (5)؛ لأن الكلبي متهم بالكذب وأبا صالح ضعيف، وسيأتي الكلام عن الكلبي مستقلاً.
وهذه الطريق خرج منها الطبري قليلاً وانتقدها في بعض المواطن (6).
(1) تهذيب التهذيب (1/ 211)، وانظر معرفة الثقات للعجلي (1/ 242)، ورجح توثيقه أحمد شاكر في تحقيق مسند أحمد (3/ 323) ط. دار المعارف.
(2)
التاريخ الكبير (1/ 1/101)، والضعفاء الكبير للعقيلي (1/ 166)، والكامل لابن عدي (2/ 255).
(3)
الكامل لابن عدي (2/ 256).
(4)
الجرح والتعديل (3/ 2/271).
(5)
الإتقان (2/ 242).
(6)
انظر جامع البيان (1/ 61، 70، 2/ 34).