الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
اللصوص، ووصف له لصوصيتهم، وحبسهم في السجون، وقال: قال الله في كتابه: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} ، وترك:{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} (1)، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإنك كتبت إليَّ تذكر قول الله جل وعز:{إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ} ، وتركت قول الله:{أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ} ، فنبيٌّ أنت يا حيان؟ ! ، لا تحرك الأشياء عن مواضعها، أتجردت للقتل والصلب كأنك عبد بني عقيل (2)، من غير ما أشبهك به إذا أتاك كتابي هذا، فانفهم إلى شغب» (3).
سادساً: مؤثرات اجتماعية
.
جلبت الفتوحات الإسلامية إلى المسلمين خيرات وغنائم كثيرة غيرت حياة
(1) سورة المائدة من الآية (33).
(2)
يريد به الحجاج بن يوسف الثقفي.
(3)
جامع البيان (8/ 387)، وشَغْب مكان قريب من وادي القرى شمال المدينة النبوية، وهو يعد حد الحجاز مما يلي الشام، وقد أقطعه بنو أمية الإمام الزهري، وهو الآن يتبع إمارة ظبا، انظر: معجم البلدان (3/ 352)، ومعجم ما استعجم للبكري (1/ 11، 802)، والمعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية (شمال المملكة)(2/ 734).
الناس من الفقر والحاجة إلى العز والرخاء، ودخل على المسلمين مع تلك الفتوحات بعض العادات والتقاليد الاجتماعية، فركن الناس إلى الدنيا، وتوسعوا في المباحات، وارتكب بعضهم المحرمات، ولدفع اللوم عن أنفسهم اتخذوا الآيات القرآنية ذريعة لارتكاب المحرمات والتقصير في الواجبات، وقد دفع ذلك الصحابة والتابعين للرد عليهم وانتقادهم، ومن الشواهد:
1 -
2 -
وعن الحسن قال: «لما بعث الله محمداً قال: هذا نبيي، هذا خياري، استنوا به، خذوا في سننه وسبيله، لم تغلق دونه الأبواب، ولم تقم دونه الحجبة، ولم يغد عليه بالجفان، ولم يرجع عليه بها، وكان يجلس بالأرض ويأكل طعامه بالأرض، ويلعق يده ويلبس الغليظ، ويركب الحمار ويردف بعده، وكان يقول:
(1) سورة الفرقان من الآية (70).
(2)
سورة آل عمران (30)، والأثر في: تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2733)، والدر المنثور (5/ 80) وعزاه إلى عبد بن حميد.
«من رغب عن سنتي فليس مني» (1)، قال الحسن: فما أكثر الراغبين عن سنته التاركين لها، ثم إن علوجاً فساقاً أكلة الربا والغلول قد سفههم ربي ومقتهم، زعموا أن لا بأس عليهم فيما أكلوا وشربوا وزخرفوا هذه البيوت، يتأولون هذه الآية (2):{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} (3)، وإنما جعل ذلك لأولياء الشيطان، قد جعلها ملاعب لبطنه وفرجه» (4).
ونتيجة التحولات الاجتماعية التي حدثت في المجتمع الإسلامي ترك بعض الناس العمل بآيات قرآنية، حتى ساد اعتقادٌ أنها منسوخة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} إلى آخر الآية (5)، والآية التي في سورة النساء:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (6) ،
(1) أخرجه البخاري في كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح (6/ 116)، ومسلم في كتاب النكاح (2/ 1020) برقم (1401) كلاهما عن أنس رضي الله عنه.
(2)
وفي رواية حلية الأولياء: «ويذهبون بها إلى غير ما ذهب الله بها إليه» .
(3)
سورة الأعراف من الآية (32).
(4)
جامع البيان (10/ 157 - 158)، وحلية الأولياء (2/ 153).
(5)
سورة النور آية (58).
(6)
سورة النساء من الآية (8).
والآية التي في الحجرات: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} » (1).
وقد بين ابن عباس في رواية أخرى سبب ترك الناس العمل بآية النور، فقال:«إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمة في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به» (2).
وهناك دواعٍ تدفع المرء للنقد لا تقل أهمية عما سبق يجمعها محبة الخير للناس، والرغبة في دلالتهم عليه، وما يندرج تحت ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم الإقرار على الخطأ، وهذه الدوافع من الأهمية بمكان؛ فهي المحرك الأول والحافز الرئيس لأي عمل خير يريد به المرء ما عند الله تعالى، وقد حاز الجيل الأول قصب السبق فيها، وهذه الدواعي تشترك فيها جميع الأمور
(1) سورة الحجرات من الآية (13)، والأثر في: الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 220)، وجامع البيان (17/ 243)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2632) واللفظ له، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 556).
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (8/ 2632)، وهو في سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (4/ 349)، وصحح ابن كثير إسناده في تفسيره (6/ 90).
المتعلقة بالشريعة، وحين يكون المرء بهذا الشعور فإنه لن يتردد في تصحيح الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس.
وهذا الشعور الكامن في النفوس هو الذي دعا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقوم خطيباً في الناس منبهاً على خطأ فهم بعض الناس لقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} (1)، وقال:«إنكم تقرؤون هذه الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب» (2).
(1) سورة المائدة من الآية (105).
(2)
رواه أبو داود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي (4/ 122)، والترمذي في أبواب الفتن، باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر (6/ 335)، وفي أبواب التفسير، باب ومن سورة المائدة (8/ 221)، وابن ماجه في كتاب الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (2/ 1327)، وأحمد في مسنده (1/ 2، 5، 9)، وابن جرير في جامع البيان (9/ 52)، وابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1226)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (1/ 261 - 262)، وقال الترمذي:«هذا حديث حسن صحيح» ، وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (3/ 1422).