الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولاً
نقد التفسير بالرأي
ومعنى التفسير بالرأي: إعمال الفكر والاجتهاد في فهم الآيات القرآنية (1)، وتقدم في التمهيد ذكر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذمه، أما الصحابة والتابعون رضي الله عنهم فقد جاء عنهم ذم الرأي عامة والتنفير منه، كما نقل عن بعضهم ذم الرأي في التفسير خاصة، وفي مقابل ذلك كله جاء عن آخرين استعمال الرأي في التفسير وغيره، بل قد ينقل عن بعضهم نقد الرأي والعمل به معاً.
ولكثرة ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذم الرأي بعامة بوب البخاري في صحيحه باباً فيما يذكر من ذم الرأي (2)، وبوب الدارمي باباً في كراهية أخذ الرأي (3)، وبوب ابن عبد البر (4) باباً فيما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي (5)، وذكر ابن تيمية
(1) انظر في تعريف الرأي: إعلام الموقعين (1/ 66)، ومناهل العرفان (1/ 517)، والتفسير والمفسرون (1/ 255).
(2)
صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (8/ 148).
(3)
سنن الدارمي (1/ 72).
(4)
هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، كبير محدثي الأندلس في وقته، اشتهرت تصانيفه في الآفاق منها: التمهيد، والاستذكار في شرح الموطأ، توفي سنة (463).
انظر: ترتيب المدارك (4/ 808)، والديباج المذهب لابن فرحون (ص 440).
(5)
جامع بيان العلم وفضله (2/ 133).
أن في ذم الرأي آثاراً مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، وكذلك عن التابعين بعدهم بإحسان، وفيها بيان أن الأخذ بالرأي يحلل الحرام ويحرم الحلال (1)، فمن النصوص التي جاءت عنهم في ذم الرأي عامة:
1 -
قول عمر رضي الله عنه: «إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا» (2).
2 -
وعنه رضي الله عنه قال: «اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل (3)
أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي وما ألوت عن الحق، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب بينه
(1) إقامة الدليل على إبطال التحليل، ضمن الفتاوى الكبرى (3/ 199 - 200).
(2)
أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 146)، وابن أبي زمنين في أصول السنة (52)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 123)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (6/ 1019)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 135)، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (1/ 453).
(3)
يريد بيوم أبي جندل ما وقع في صلح الحديبية، واتفاق النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش على أن من أتاه من أهل مكة مسلماً رده إليهم، ومن أتى قريشاً من أهل المدينة مرتداً لم يردوه، وأثناء توقيع المعاهدة جاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده إلى قريش؛ مما أغضب عمر رضي الله عنه وقال في ذلك ما قال، والقصة مفصلة في كتب المغازي والسير، انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 318)، والبداية والنهاية (6/ 218، 234).
وأما أبو جندل فهو ابن سهيل بن عمرو القرشي العامري، قيل: اسمه العاصي، أسلم بمكة قديماً فقيده أبوه وحبسه، فهرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فرده، حتى لحق بأبي بصير، ثم قدم الشام مع أبيه مجاهداً، وتوفي بها في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/127)، والاستيعاب بذيل الإصابة (11/ 173)، وأسد الغابة (6/ 54).
وبين أهل مكة، فقال:«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقالوا: لو نرى ذلك صدقناك بما تقول؟ ، ولكن اكتب كما نكتب: باسمك اللهم، قال: فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت، حتى قال لي:«يا عمر تراني قد رضيت وتأبى أنت» ، قال: فرضيت» (1).
3 -
وسئل عطاء بن أبي رباح عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ ، فقال: إني استحي من الله أن يدان في الأرض برأيي (2).
ومع دخول الرأي في التفسير في عموم ذم الرأي إلا أنه اشتهر عن الصحابة والتابعين ذم الرأي في التفسير بخصوصه، ولشهرته عنهم عقد فيه بعض المصنفين
(1) أخرجه البزار في مسنده (1/ 254)، والطبراني في المعجم الكبير (1/ 72)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 126)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (6/ 1023)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 179) وقال:«رواه أبو يعلى، ورجاله موثقون، وإن كان فيهم مبارك بن فضالة» ، وأورده في (6/ 145 - 146)، وقال:«رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح» ، ومراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (3/ 182)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير (3/ 1412) برقم (1785).
وفي الصحيحين عن سهل بن حنيف نحو قول عمر؛ أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس (8/ 148)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير (3/ 1411 - 1412) برقم (1785).
(2)
سنن الدارمي (1/ 51).
أبواباً، فعقد أبو عبيد (1) وابن جرير الطبري (2) بابين أوردا فيهما جملة مما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك، ويمكننا إجمال ما جاء عن الصحابة والتابعين في ذم تفسير القرآن بالرأي والتحذير منه في الصور التالية:
الأولى: النهي عن الكلام في كتاب الله تعالى بالرأي وتعظيم ذلك، ومن أقوالهم في ذلك:
1 -
قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله عز وجل برأيي، أو بما لا أعلم» (3).
2 -
وقول ابن عباس: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» .
(1) فضائل القرآن (2/ 211)، وأبو عبيد هو القاسم بن سلام البغدادي، ولد بهراة، سمع ابن عيينة، وولي القضاء بالثغور مدة، وصنف في القراءات والحديث واللغة، منها: الغريب، والناسخ والمنسوخ، وتوفي بمكة سنة (224).
انظر: تاريخ بغداد (12/ 403)، ووفيات الأعيان (4/ 60)، وتذكرة الحفاظ (2/ 417).
(2)
جامع البيان (1/ 71).
(3)
أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (2/ 211)، وسعيد بن منصور في سننه (1/ 168)، وابن أبي شيبة في مصنفه (10/ 513)، وابن جرير في جامع البيان (1/ 72) وهذا لفظه، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان (5/ 228)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 52)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 193).
وفي رواية عنه: «من تكلم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (1).
3 -
ونهى أبو قلابة (2) أيوب السختياني أن يقول في القرآن برأيه، وقال له:«احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك، فينفذوا فيه ما شاءوا» (3).
الثانية: الإمساك عن تفسير القرآن بالرأي، فقد سأل رجل سعيد بن جبير عن آية من كتاب الله، فقال سعيد:«الله أعلم، فقال له الرجل: قل فيها أصلحك الله برأيك، فقال: أقول فيها برأيي؟ ! فردد ذلك مرتين، أو ثلاثاً ولم يجبه بشيء» (4).
وكان إحجام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم عن التفسير وورعهم في ذلك أشد من ورعهم وإحجامهم عن الكلام في الأمور الشرعية الأخرى، وقد تقدم ذكر الآثار عنهم في ذلك، وكيف كان سعيد بن المسيب يسأل عن الحلال والحرام فيجيب،
(1) رواه موقوفاً على ابن عباس ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 512)، والطبري في جامع البيان (1/ 72)، وجاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انظر ما تقدم في التمهيد (ص 47)
(2)
هو عبد الله بن زيد الجرمي الأزدي البصري الفقيه، سمع أنساً ومالك بن الحويرث، وروى عنه أيوب وحميد الطويل، طُلب للقضاء فتغيب عن بلده حتى قدم الشام، وتوفي بها عام (104 أو 105).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/133)، والتاريخ الكبير (3/ 1/92)، وتذكرة الحفاظ (1/ 94).
(3)
الإبانة لابن بطة " الإيمان "(2/ 445)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 134).
(4)
سنن سعيد بن منصور (1/ 174)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (5/ 231).
فإذا سئل عن تفسير القرآن سكت كأن لم يسمع (1).
الصورة الثالثة: جعل القول في القرآن بالرأي سبباً من أسباب اختلاف الأمة المنهي عنه، المفضي إلى التنازع والاقتتال، فعندما سأل عمر ابن عباس:«كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد عليَّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه» (2).
الصورة الرابعة: انتقاد بعض رجال التفسير بسبب تفسيرهم القرآن بالرأي، فقد قيل لعبيد الله بن عمر: إن الناس يتكلمون في زيد بن أسلم، فقال:«لا أعلم به بأساً إلا أنه يفسر القرآن برأيه ويكثر منه» (3).
(1) انظر (ص 79).
(2)
فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 281)، وسنن سعيد بن منصور (1/ 176)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (5/ 230)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 194).
(3)
الجرح والتعديل (1/ 2/555)، والكامل في الضعفاء (4/ 164)، وتاريخ دمشق (19/ 289).
الجمع بين ذم الرأي والعمل به:
وفي مقابل نفور الصحابة والتابعين عن التفسير بالرأي نجد آثاراً أخرى عنهم تدل على أخذهم بالرأي وعملهم به، وفي بعضها حث على الاجتهاد وإعمال الرأي، فهل يعني أن ما جاء عنهم من ذم الرأي وعيبه لم يكن صحيحاً لمعارضته العمل بالرأي، أو أنه كان في وقتٍ، ثم استقر رأيهم بعد ذلك على جوازه، وهل يتصور أن يعيب أحد الصحابة والتابعين الرأي وينتقده، ثم يعمل به؟ .
والواقع أنهم يريدون بما فعلوه غير ما ذموه، وكلامهم في ذم الرأي والتحذير منه باقٍ على حاله، لكنه خاص بحالة معينة، وقد جمع العلماء بين عمل الصحابة والتابعين بالرأي وتحذيرهم منه؛ مبينين أنه لا تعارض في ذلك، فإن الرأي نوعان:
رأي محمود، وعليه تحمل النصوص التي تفيد العمل بالرأي.
ورأي مذموم وعليه تحمل النصوص التي ذمت الرأي وحذرت منه.
والمقصود بالرأي المحمود والذي جاءت الشريعة بإقراره ما لا يتعارض مع النصوص والقواعد الشرعية، فالمفسر حين يجتهد في بيان معنى آية قرآنية يجعل الأصول والقواعد الشرعية أمام ناظريه فلا يتجاوزها، بل يدور في فلكها ويتقيد بضوابطها.
يقول ابن تيمية مقرراً هذا الأمر: «ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لم يقصد بها اجتهاد الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإجماع في حادثة لم توجد
في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الأشباه والنظائر وفقه معاني الأحكام، فيقيس قياس تشبيه وتمثيل، أو قياس تعليل وتأصيل؛ قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه، فإن أدلة جواز هذا للمفتي ولغيره والعامل لنفسه، ووجوبه على الحاكم والإمام أشهر من أن تذكر هنا» (1).
وكلام ابن تيمية وإن كان في الاجتهاد الفقهي، فإنه ينطبق على تفسير القرآن الكريم من باب أولى، ذلك أن المفسر حين يقيد فهمه للقرآن بضوابط التفسير، ولا يأتي بما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا مانع من اجتهاده في ترجيح رأي على آخر، أو استنباط معانٍ لم يذكرها من سبقه.
ومن أجل ذلك أصبح من هو أقرب إلى العلم الصحيح، وإلى الكتاب والسنة أعظم فهماً لنصوصهما وأسد رأياً، وأقرب إلى الصواب من غيره، وللصحابة الحظ الأوفر من ذلك، ولما ذكر ابن القيم أنواع الرأي المحمود ذكر من أنواعه رأي الصحابة لأنهم أفقه الأمة، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأصحها قصوداً، وأكملها فطرة، وأتمها إدراكاً، وأصفاها أذهاناً، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم، ثم ذكر مقولة الشافعي في الصحابة، وأنهم عرفوا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما جهلنا، فهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وأن آراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ثم قال ابن القيم: «والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف
(1) إقامة الدليل على إبطال التحليل ضمن الفتاوى الكبرى (3/ 200).
يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ ! » (1).
والتابعون لهم بإحسان لهم من هذا القدر بحسب علمهم وفهمهم وملازمتهم للصحابة رضي الله عنهم.
ومع تقدمهم في ذلك فالمتأمل لما جاء عنهم في جواز الأخذ بالرأي يدرك أنهم لم يفتحوا الباب على مصراعيه، فيجيزوا الأخذ بالرأي مطلقاً، بل جعلوا ذلك محكوماً بضوابط وقيود يجب الأخذ بها قبل القول بالرأي كاستيفاء النظر في الكتاب والسنة، وأقوال العلماء السابقين، وبخاصة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ابن القيم من أنواع الرأي المحمود أن يكون بعد طلب الواقعة من القرآن أو السنة، فإن لم يجد فمن كلام الخلفاء الراشدين، أو من بعدهم من الصحابة، فإن لم يجد اجتهد في أقرب رأي إلى الكتاب والسنة وكلام الصحابة (2)، ومن الآثار التي جاءت عنهم في ذلك:
1 -
أن عمر كتب إلى شريح: «إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت
(1) إعلام الموقعين (1/ 79 - 81).
(2)
إعلام الموقعين (1/ 85).
أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك» (1).
2 -
3 -
وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإن لم يكن قال فيه برأيه (3).
وقد حذر الصحابة من خطورة الإقدام على رأي يخالف الكتاب والسنة،
(1) سنن الدارمي (1/ 64)، والإحكام لابن حزم (6/ 1006).
(2)
أخرجه النسائي في سننه، كتاب آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم (8/ 230)، والدارمي في سننه (1/ 63 - 64)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/ 241)، والطبراني في المعجم الكبير (9/ 187)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 57)، وابن حزم في الإحكام (6/ 1004).
(3)
سنن الدارمي (1/ 64)، والإحكام لابن حزم (6/ 1005)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 58).
وفيه تنبيه للمجتهد ليتأكد من رأيه وأنه لا يصادمهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«من أحدث رأياً ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل» (1).
والصحابة رضي الله عنهم مع تمسكهم بهذه الضوابط، فإنهم إذا قالوا شيئاً برأيهم اعتذروا منه، وتنصلوا من الخطأ، مخبرين أن ما يقولونه لا يعدو كونه اجتهاداً ورأياً يخطئ ويصيب، فإن أصابوا فهو من توفيق الله تعالى، وإن أخطئوا فهو من الشيطان وأنفسهم، وربما توقف بعضهم في الإجابة بالرأي حتى يلح عليه، ومنهم من لا يبيح لسائله الأخذ برأيه إلا عند الضرورة، ومن الشواهد في ذلك:
1 -
قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سئل عن الكلالة قال: «إني قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن يكن صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني والشيطان» (2).
2 -
وأتي ابن مسعود فسئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يكن سمى لها صداقاً، فمات قبل أن يدخل بها، فلم يقل فيها شيئاً، فرجعوا، ثم أتوه فسألوه، فقال: «سأقول فيها بجهد رأي، فإن أصبت فالله عز وجل يوفقني لذلك، وإن
(1) سنن الدارمي (1/ 62)، وما جاء في البدع لابن وضاح (ص 86)، والإحكام لابن حزم (6/ 1022)، والفقيه والمتفقه (1/ 458).
(2)
جامع البيان (6/ 475)، وانظر: سنن الدارمي (2/ 822)، ومصنف ابن أبي شيبة (11/ 415، 416).
أخطأت فهو مني، لها صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة» (1).
فتأمل كيف توقف ابن مسعود رضي الله عنه عن الإجابة أول الأمر، حتى عادوا إليه وأصروا على إجابتهم، فلما رأى منهم ذلك قدم بهذه المقدمة يعتذر فيها إن أخطأ.
3 -
وأتى قوم زيد بن ثابت فسألوه عن أشياء فأخبرهم، ثم قال:«عذراً لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم رأيي» (2).
4 -
وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فأجابه، فلما ولى الرجل دعاه وقال له:«لا تقل: إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن اضطررت إليه عملت به» (3).
5 -
وعن ابن جريج قال: «قلت لعطاء: ما {عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} (4)؟ ، قال: عدل الطعام من الصيام، قال: لكل مد يوماً، يأخذ - زعم - بصيام رمضان وبالظهار، وزعم أن ذلك رأي يراه، ولم يسمعه من أحد ولم تمض به سنة» (5).
إن الرأي حين ينضبط بهذه الضوابط التي قررها الصحابة والتابعون، ولا يخرج عما قررته الأدلة فلا وجه للقول برده وعدم اعتباره، وعلى هذا تنزل
(1) مسند أحمد (1/ 430 - 431).
(2)
جامع بيان العلم وفضله (2/ 143 - 144).
(3)
المصدر السابق (2/ 144).
(4)
سورة المائدة من الآية (95).
(5)
جامع البيان (8/ 710).
النصوص الواردة عن الصحابة والتابعين في العمل به.
صور الرأي المذموم:
أما عندما يكون الرأي مخالفاً للأدلة والقواعد الشرعية المقررة، أو يكون مجرد ظن وتخمين، فهذا الذي حذر منه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وله صور منها:
الأولى: أن يكون للمفسر في شيءٍ ما هوى ورأي، فيتأول القرآن على وفق ما يرى ويهوى، ويحتج به على تصحيح غرضه، فيكون الدافع إلى المعنى هواه، ولولاه لظهر له معنى آخر، فالرأي له تأثير مباشر في فهم النص القرآني، وقد يكون عالماً بأن المراد بالآية على خلاف ما ذكره، لكن وجود الهوى والبدعة والتعصب المقيت يمنعه من فهم القرآن حق فهمه، وهو الذي يدفعه دفعاً للمعنى الآخر الموافق لهواه، وقد تكون الآية محتملة لأكثر من وجه، فيرجح ما يتفق مع هواه، مع أن الحق في غير ما ذهب إليه (1).
يقول ابن تيمية: «إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين؛ لا في رأيهم ولا في تفسيرهم» (2).
(1) إحياء علوم الدين للغزالي (1/ 292)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 28)، والاعتصام للشاطبي (1/ 102)، والتحرير والتنوير (1/ 29).
(2)
مجموع الفتاوى (13/ 358).
ومما ينطبق عليه هذا الكلام البدع التي أحدثها بعض الناس مخالفين بها ما في الكتاب والسنة، مثل: من زعم أن الله تعالى لا يرى يوم القيامة، وكمن أنكر الشفاعة والحوض والميزان، ويستدل لها بأمور عقلية وقياسات يرد بها الأدلة الصحيحة أو يتأولها (1).
الثانية: المسارعة إلى تفسير القرآن الكريم دون بحث ونظر فيما يؤيد تفسيره من الكتاب والسنة أو إجماع السلف، وإنما يبادر بالتفسير بما ظهر له من العربية من غير نظر في المنقول مما يوقعه في الغلط والخطأ (2)، ولذلك لما ذكر ابن عباس اختلاف الأمة ذكر أن قوماً يقرؤون القرآن ويجهلون المنقول في معناه، فيقولون فيه بآرائهم فيخطئون.
الثالثة: أن لا يعطي الآية حقها من التدبر والتأمل، وإنما يفسر بما خطر في باله في بادئ الأمر، ويكون غير محيط بجوانب الآية ومواد التفسير، «كمن يفسر قوله تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} الآية (3) على ظاهر معناها، يقول: إن الخير من الله، والشر من فعل الإنسان بقطع النظر عن الأدلة الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد الله؛ غافلاً عما سبق من قوله تعالى:{قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (4)، أو بما يبدو من ظاهر اللغة دون استعمال العرب، كمن يقول في قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ
(1) انظر جامع بيان العلم وفضله (2/ 138).
(2)
انظر: إحياء علوم الدين (1/ 292)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 29).
(3)
سورة النساء من الآية (79).
(4)
سورة النساء من الآية (78).
النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} (1)، فيفسر {مُبْصِرَةً} بأنها ذات بصر لم تكن عمياء، فهذا من الرأي المذموم لفساده» (2).
الرابعة: أن يفسر الآية مستنداً إلى اللفظ، ثم يزعم أنه المراد دون غيره ويقطع بذلك، فيضيق على غيره من المفسرين (3).
فهذه الصور من الرأي ونحوها هي التي ينزل عليها ذم الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وقد امتلأت بها كثير من كتب التفسير كتفاسير المبتدعة، وكأن بوادر تلك الآراء في التفسير ظهرت في وقتهم، فحذروا منها وممن يروج لها، وسيأتي ذكر نماذج منها في مواطنها إن شاء الله تعالى.
وبعدُ
…
فلو وجدنا كلاماً عن بعض الصحابة والتابعين يوحي بذم الرأي عامة؛ محموداً كان أو مذموماً، فينبغي حمله على خشية أن يؤدي الإكثار من الرأي المحمود إلى الوقوع في الرأي المذموم، وخشية أن يصرف صاحبه عن العناية بالآثار ونقلها وتأملها، فمنعوا منه مطلقاً سداً للذريعة، ومن «عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء وشدد فيه منع ما حواليه، وما دار به ورتع حول حماه» (4).
(1) سورة الإسراء من الآية (59).
(2)
التحرير والتنوير (1/ 28 - 29)، وانظر إحياء علوم الدين (1/ 292).
(3)
التحرير والتنوير (1/ 29)، والإتقان في علوم القرآن (2/ 234).
(4)
الاعتصام للشاطبي (1/ 104).