المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أولاً: أن العناية بنقد التفسير

- ‌ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها

- ‌ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل

- ‌رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة

- ‌خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل

- ‌خطة البحث

- ‌التمهيد

- ‌أولاًالتعريف بالموضوع

- ‌1 - تعريف النقد:

- ‌2 - تعريف الصحابي:

- ‌3 - تعريف التابعي:

- ‌4 - تعريف التفسير:

- ‌ثانيًاالنقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة

- ‌نقد مناهج التفسير:

- ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

- ‌ب - نقد الإسرائيليات:

- ‌ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:

- ‌د - نقد التفسير بالرأي:

- ‌بيانه صلى الله عليه وسلم لوجه ضعف التفسير:

- ‌أثر النقد النبوي على الصحابة:

- ‌الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه

- ‌الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره

- ‌أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه

- ‌أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم

- ‌ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك

- ‌ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى

- ‌رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن

- ‌خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن

- ‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

- ‌الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم

- ‌أولاًالاهتمام بالتفسير الصحيح

- ‌أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن

- ‌ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية

- ‌ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته

- ‌رابعاً: الاهتمام برجال التفسير

- ‌ثانياًالحث على ما يعين على فهم القرآن

- ‌أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات

- ‌ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن

- ‌ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية

- ‌رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌خامساً: معرفة اللغة العربية

- ‌ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ

- ‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير

- ‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين

- ‌أولاًطبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول

- ‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها

- ‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد

- ‌رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة

- ‌خامساً: كراهة الاختلاف

- ‌ثانياًأدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: احترام الرأي الآخر

- ‌الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد

- ‌الثاني: عدم التعدي على المخالف

- ‌الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه

- ‌ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف

- ‌ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:

- ‌ثالثاً: الرجوع إلى الحق

- ‌ومن تلك المراجعات:

- ‌الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته

- ‌الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: ظهور الفتن والبدع

- ‌ثانياً: مخالطة أهل الكتاب

- ‌ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام

- ‌رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن

- ‌خامساً: مؤثرات سياسية

- ‌سادساً: مؤثرات اجتماعية

- ‌الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير

- ‌ومن مظاهر الشدة في النقد:

- ‌أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً

- ‌ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:

- ‌ومن مظاهر الرفق في النقد:

- ‌أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته

- ‌ثانياً: الرفق مع الطلاب

- ‌ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ

- ‌عبارات نقدية:

- ‌أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة

- ‌ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:

- ‌ثانياً: زعم

- ‌ثالثاً: أخطأت التأويل

- ‌رابعاً: لم تصب.ومن أمثلته:

- ‌خامساً: بئسما قلت.ومن أمثلته:

- ‌سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.ومن أمثلته:

- ‌سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.ومن أمثلته:

- ‌ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.ومن أمثلته

- ‌تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه

- ‌عاشراً: ما لكم ولهذه الآية

- ‌حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.ومن أمثلته:

- ‌ثاني عشر: الضحك

- ‌الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاً: أهليتهم للنقد

- ‌ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال

- ‌ثالثاً: الاستدلال للنقد

- ‌رابعاً: بيان الرأي الصحيح

- ‌المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين

- ‌الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه

- ‌أولاًنقد التفسير بالرأي

- ‌ثانياًنقد التفسير بالإسرائيليات

- ‌صور نقد الإسرائيليات:

- ‌الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:

- ‌الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:

- ‌الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:

- ‌دواعي نقد الإسرائيليات:

- ‌توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:

- ‌ثالثاًنقد تفاسير أهل البدع

- ‌منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله:

- ‌منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

- ‌الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون

- ‌أولاً: الخوارج

- ‌القضية الأولى: التكفير

- ‌القضية الثانية: قتال أهل القبلة

- ‌القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار

- ‌القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار

- ‌ثانياً: الشيعة

- ‌ثالثاً: القدرية

- ‌رابعاًنقد تفسير المتشابه

- ‌طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:

- ‌خامساًنقد الجدال في القرآن:

- ‌الجدال المحمود:

- ‌سادساًنقد تفاسير القُصَّاص

- ‌دواعي نقد القصاص

- ‌انتقاد القصاص في التفسير:

- ‌سابعاًنقد التكلف في التفسير

- ‌ثامناًنقد تدوين التفسير

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:

- ‌الفصل الثاني نقد رجال التفسير

- ‌أولاًالرجال المنتقدون في التفسير

- ‌أولاً: مجاهد بن جبر المكي

- ‌الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب

- ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

- ‌ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس

- ‌ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:

- ‌وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:

- ‌وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:

- ‌ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي

- ‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

- ‌خامساً: إسماعيل السدي

- ‌سادساً: زيد بن أسلم العدوي

- ‌سابعاً: محمد بن السائب الكلبي

- ‌ثانياًأسباب نقد رجال التفسير

- ‌ثالثاًأثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم

- ‌الفصل الثالث نقد الأقوال

- ‌أولاً:طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: تصويب القول

- ‌الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده

- ‌الحالة الثالثة: تضعيف القول

- ‌القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط

- ‌القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح

- ‌الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً:طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌ثالثاًالرجوع عن القول

- ‌الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره

- ‌الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية

- ‌أولاًمخالفة القرآن الكريم

- ‌ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌صور نقد التفسير بالقرآن الكريم

- ‌الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية

- ‌والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:

- ‌القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق

- ‌القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية

- ‌القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها

- ‌الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية

- ‌الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى

- ‌ثانياًمخالفة السنة النبوية

- ‌وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك:

- ‌ثالثاًمخالفة سبب النزول

- ‌رابعاًمخالفة التاريخ

- ‌خامساًالطعن في صحة نقل التفسير

- ‌المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية

- ‌أولاً: مخالفة اللغة العربية

- ‌ثانياًاشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة

- ‌ثالثاًمخالفة الواقع

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌رابعاًمعارضة التفسير بالقياس

- ‌خامساًأن يكون التفسير غير مفيد

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌سادساًنقد التفسير بذكر ما يترتب عليه

- ‌الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاًأثره في التفسير وأصوله

- ‌ثانياًأثره في علوم القرآن

- ‌أ- القراءات:

- ‌فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:

- ‌ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:

- ‌ب - الناسخ والمنسوخ:

- ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

- ‌القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:

- ‌ثالثاًأثره في العقائد

- ‌رابعاًأثره في المتلقين

- ‌وأما المخطئ في الفهم والتأويل فإن انتقاده يعود عليه بفوائد:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌أولانقد التفسير بالرأي

‌أولاً

نقد التفسير بالرأي

ومعنى التفسير بالرأي: إعمال الفكر والاجتهاد في فهم الآيات القرآنية (1)، وتقدم في التمهيد ذكر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذمه، أما الصحابة والتابعون رضي الله عنهم فقد جاء عنهم ذم الرأي عامة والتنفير منه، كما نقل عن بعضهم ذم الرأي في التفسير خاصة، وفي مقابل ذلك كله جاء عن آخرين استعمال الرأي في التفسير وغيره، بل قد ينقل عن بعضهم نقد الرأي والعمل به معاً.

ولكثرة ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذم الرأي بعامة بوب البخاري في صحيحه باباً فيما يذكر من ذم الرأي (2)، وبوب الدارمي باباً في كراهية أخذ الرأي (3)، وبوب ابن عبد البر (4) باباً فيما جاء في ذم القول في دين الله بالرأي (5)، وذكر ابن تيمية

(1) انظر في تعريف الرأي: إعلام الموقعين (1/ 66)، ومناهل العرفان (1/ 517)، والتفسير والمفسرون (1/ 255).

(2)

صحيح البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة (8/ 148).

(3)

سنن الدارمي (1/ 72).

(4)

هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي المالكي، كبير محدثي الأندلس في وقته، اشتهرت تصانيفه في الآفاق منها: التمهيد، والاستذكار في شرح الموطأ، توفي سنة (463).

انظر: ترتيب المدارك (4/ 808)، والديباج المذهب لابن فرحون (ص 440).

(5)

جامع بيان العلم وفضله (2/ 133).

ص: 248

أن في ذم الرأي آثاراً مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، وكذلك عن التابعين بعدهم بإحسان، وفيها بيان أن الأخذ بالرأي يحلل الحرام ويحرم الحلال (1)، فمن النصوص التي جاءت عنهم في ذم الرأي عامة:

1 -

قول عمر رضي الله عنه: «إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي؛ فضلوا وأضلوا» (2).

2 -

وعنه رضي الله عنه قال: «اتهموا الرأي على الدين، فلقد رأيتني يوم أبي جندل (3)

أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيي وما ألوت عن الحق، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب بينه

(1) إقامة الدليل على إبطال التحليل، ضمن الفتاوى الكبرى (3/ 199 - 200).

(2)

أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 146)، وابن أبي زمنين في أصول السنة (52)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 123)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (6/ 1019)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 135)، والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (1/ 453).

(3)

يريد بيوم أبي جندل ما وقع في صلح الحديبية، واتفاق النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش على أن من أتاه من أهل مكة مسلماً رده إليهم، ومن أتى قريشاً من أهل المدينة مرتداً لم يردوه، وأثناء توقيع المعاهدة جاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فرده إلى قريش؛ مما أغضب عمر رضي الله عنه وقال في ذلك ما قال، والقصة مفصلة في كتب المغازي والسير، انظر: السيرة النبوية لابن هشام (2/ 318)، والبداية والنهاية (6/ 218، 234).

وأما أبو جندل فهو ابن سهيل بن عمرو القرشي العامري، قيل: اسمه العاصي، أسلم بمكة قديماً فقيده أبوه وحبسه، فهرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية فرده، حتى لحق بأبي بصير، ثم قدم الشام مع أبيه مجاهداً، وتوفي بها في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة.

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/127)، والاستيعاب بذيل الإصابة (11/ 173)، وأسد الغابة (6/ 54).

ص: 249

وبين أهل مكة، فقال:«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» ، فقالوا: لو نرى ذلك صدقناك بما تقول؟ ، ولكن اكتب كما نكتب: باسمك اللهم، قال: فرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيت، حتى قال لي:«يا عمر تراني قد رضيت وتأبى أنت» ، قال: فرضيت» (1).

3 -

وسئل عطاء بن أبي رباح عن شيء، فقال: لا أدري، فقيل له: ألا تقول فيها برأيك؟ ، فقال: إني استحي من الله أن يدان في الأرض برأيي (2).

ومع دخول الرأي في التفسير في عموم ذم الرأي إلا أنه اشتهر عن الصحابة والتابعين ذم الرأي في التفسير بخصوصه، ولشهرته عنهم عقد فيه بعض المصنفين

(1) أخرجه البزار في مسنده (1/ 254)، والطبراني في المعجم الكبير (1/ 72)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (1/ 126)، وابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام (6/ 1023)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 179) وقال:«رواه أبو يعلى، ورجاله موثقون، وإن كان فيهم مبارك بن فضالة» ، وأورده في (6/ 145 - 146)، وقال:«رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح» ، ومراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري في كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (3/ 182)، وصحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير (3/ 1412) برقم (1785).

وفي الصحيحين عن سهل بن حنيف نحو قول عمر؛ أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس (8/ 148)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير (3/ 1411 - 1412) برقم (1785).

(2)

سنن الدارمي (1/ 51).

ص: 250

أبواباً، فعقد أبو عبيد (1) وابن جرير الطبري (2) بابين أوردا فيهما جملة مما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك، ويمكننا إجمال ما جاء عن الصحابة والتابعين في ذم تفسير القرآن بالرأي والتحذير منه في الصور التالية:

الأولى: النهي عن الكلام في كتاب الله تعالى بالرأي وتعظيم ذلك، ومن أقوالهم في ذلك:

1 -

قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله عز وجل برأيي، أو بما لا أعلم» (3).

2 -

وقول ابن عباس: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» .

(1) فضائل القرآن (2/ 211)، وأبو عبيد هو القاسم بن سلام البغدادي، ولد بهراة، سمع ابن عيينة، وولي القضاء بالثغور مدة، وصنف في القراءات والحديث واللغة، منها: الغريب، والناسخ والمنسوخ، وتوفي بمكة سنة (224).

انظر: تاريخ بغداد (12/ 403)، ووفيات الأعيان (4/ 60)، وتذكرة الحفاظ (2/ 417).

(2)

جامع البيان (1/ 71).

(3)

أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (2/ 211)، وسعيد بن منصور في سننه (1/ 168)، وابن أبي شيبة في مصنفه (10/ 513)، وابن جرير في جامع البيان (1/ 72) وهذا لفظه، والبيهقي في الجامع لشعب الإيمان (5/ 228)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 52)، والخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 193).

ص: 251

وفي رواية عنه: «من تكلم في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» (1).

3 -

ونهى أبو قلابة (2) أيوب السختياني أن يقول في القرآن برأيه، وقال له:«احفظ عني أربعاً: لا تقل في القرآن برأيك، وإياك والقدر، وإذا ذكر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فأمسك، ولا تمكن أصحاب الأهواء من سمعك، فينفذوا فيه ما شاءوا» (3).

الثانية: الإمساك عن تفسير القرآن بالرأي، فقد سأل رجل سعيد بن جبير عن آية من كتاب الله، فقال سعيد:«الله أعلم، فقال له الرجل: قل فيها أصلحك الله برأيك، فقال: أقول فيها برأيي؟ ! فردد ذلك مرتين، أو ثلاثاً ولم يجبه بشيء» (4).

وكان إحجام الصحابة والتابعين رضي الله عنهم عن التفسير وورعهم في ذلك أشد من ورعهم وإحجامهم عن الكلام في الأمور الشرعية الأخرى، وقد تقدم ذكر الآثار عنهم في ذلك، وكيف كان سعيد بن المسيب يسأل عن الحلال والحرام فيجيب،

(1) رواه موقوفاً على ابن عباس ابن أبي شيبة في المصنف (10/ 512)، والطبري في جامع البيان (1/ 72)، وجاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، انظر ما تقدم في التمهيد (ص 47)

(2)

هو عبد الله بن زيد الجرمي الأزدي البصري الفقيه، سمع أنساً ومالك بن الحويرث، وروى عنه أيوب وحميد الطويل، طُلب للقضاء فتغيب عن بلده حتى قدم الشام، وتوفي بها عام (104 أو 105).

انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/133)، والتاريخ الكبير (3/ 1/92)، وتذكرة الحفاظ (1/ 94).

(3)

الإبانة لابن بطة " الإيمان "(2/ 445)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 134).

(4)

سنن سعيد بن منصور (1/ 174)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (5/ 231).

ص: 252

فإذا سئل عن تفسير القرآن سكت كأن لم يسمع (1).

الصورة الثالثة: جعل القول في القرآن بالرأي سبباً من أسباب اختلاف الأمة المنهي عنه، المفضي إلى التنازع والاقتتال، فعندما سأل عمر ابن عباس:«كيف تختلف هذه الأمة، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة؟ ، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنا أنزل علينا القرآن، فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن لا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا، فزبره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال، فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد عليَّ ما قلت، فأعاده عليه، فعرف عمر قوله وأعجبه» (2).

الصورة الرابعة: انتقاد بعض رجال التفسير بسبب تفسيرهم القرآن بالرأي، فقد قيل لعبيد الله بن عمر: إن الناس يتكلمون في زيد بن أسلم، فقال:«لا أعلم به بأساً إلا أنه يفسر القرآن برأيه ويكثر منه» (3).

(1) انظر (ص 79).

(2)

فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 281)، وسنن سعيد بن منصور (1/ 176)، والجامع لشعب الإيمان للبيهقي (5/ 230)، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/ 194).

(3)

الجرح والتعديل (1/ 2/555)، والكامل في الضعفاء (4/ 164)، وتاريخ دمشق (19/ 289).

ص: 253

الجمع بين ذم الرأي والعمل به:

وفي مقابل نفور الصحابة والتابعين عن التفسير بالرأي نجد آثاراً أخرى عنهم تدل على أخذهم بالرأي وعملهم به، وفي بعضها حث على الاجتهاد وإعمال الرأي، فهل يعني أن ما جاء عنهم من ذم الرأي وعيبه لم يكن صحيحاً لمعارضته العمل بالرأي، أو أنه كان في وقتٍ، ثم استقر رأيهم بعد ذلك على جوازه، وهل يتصور أن يعيب أحد الصحابة والتابعين الرأي وينتقده، ثم يعمل به؟ .

والواقع أنهم يريدون بما فعلوه غير ما ذموه، وكلامهم في ذم الرأي والتحذير منه باقٍ على حاله، لكنه خاص بحالة معينة، وقد جمع العلماء بين عمل الصحابة والتابعين بالرأي وتحذيرهم منه؛ مبينين أنه لا تعارض في ذلك، فإن الرأي نوعان:

رأي محمود، وعليه تحمل النصوص التي تفيد العمل بالرأي.

ورأي مذموم وعليه تحمل النصوص التي ذمت الرأي وحذرت منه.

والمقصود بالرأي المحمود والذي جاءت الشريعة بإقراره ما لا يتعارض مع النصوص والقواعد الشرعية، فالمفسر حين يجتهد في بيان معنى آية قرآنية يجعل الأصول والقواعد الشرعية أمام ناظريه فلا يتجاوزها، بل يدور في فلكها ويتقيد بضوابطها.

يقول ابن تيمية مقرراً هذا الأمر: «ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لم يقصد بها اجتهاد الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإجماع في حادثة لم توجد

ص: 254

في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الأشباه والنظائر وفقه معاني الأحكام، فيقيس قياس تشبيه وتمثيل، أو قياس تعليل وتأصيل؛ قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه، فإن أدلة جواز هذا للمفتي ولغيره والعامل لنفسه، ووجوبه على الحاكم والإمام أشهر من أن تذكر هنا» (1).

وكلام ابن تيمية وإن كان في الاجتهاد الفقهي، فإنه ينطبق على تفسير القرآن الكريم من باب أولى، ذلك أن المفسر حين يقيد فهمه للقرآن بضوابط التفسير، ولا يأتي بما يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة، فلا مانع من اجتهاده في ترجيح رأي على آخر، أو استنباط معانٍ لم يذكرها من سبقه.

ومن أجل ذلك أصبح من هو أقرب إلى العلم الصحيح، وإلى الكتاب والسنة أعظم فهماً لنصوصهما وأسد رأياً، وأقرب إلى الصواب من غيره، وللصحابة الحظ الأوفر من ذلك، ولما ذكر ابن القيم أنواع الرأي المحمود ذكر من أنواعه رأي الصحابة لأنهم أفقه الأمة، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأصحها قصوداً، وأكملها فطرة، وأتمها إدراكاً، وأصفاها أذهاناً، وهم الذين شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم، ثم ذكر مقولة الشافعي في الصحابة، وأنهم عرفوا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما جهلنا، فهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وأن آراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ثم قال ابن القيم: «والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم، وكيف

(1) إقامة الدليل على إبطال التحليل ضمن الفتاوى الكبرى (3/ 200).

ص: 255

يساويهم، وقد كان أحدهم يرى الرأي، فينزل القرآن بموافقته؟ ! » (1).

والتابعون لهم بإحسان لهم من هذا القدر بحسب علمهم وفهمهم وملازمتهم للصحابة رضي الله عنهم.

ومع تقدمهم في ذلك فالمتأمل لما جاء عنهم في جواز الأخذ بالرأي يدرك أنهم لم يفتحوا الباب على مصراعيه، فيجيزوا الأخذ بالرأي مطلقاً، بل جعلوا ذلك محكوماً بضوابط وقيود يجب الأخذ بها قبل القول بالرأي كاستيفاء النظر في الكتاب والسنة، وأقوال العلماء السابقين، وبخاصة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر ابن القيم من أنواع الرأي المحمود أن يكون بعد طلب الواقعة من القرآن أو السنة، فإن لم يجد فمن كلام الخلفاء الراشدين، أو من بعدهم من الصحابة، فإن لم يجد اجتهد في أقرب رأي إلى الكتاب والسنة وكلام الصحابة (2)، ومن الآثار التي جاءت عنهم في ذلك:

1 -

أن عمر كتب إلى شريح: «إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت

(1) إعلام الموقعين (1/ 79 - 81).

(2)

إعلام الموقعين (1/ 85).

ص: 256

أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك» (1).

2 -

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إنه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثم إن الله عز وجل قدر علينا أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم فليقض بما في كتاب الله، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم فليقض بما قضى به الصالحون، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا قضى به الصالحون فليجتهد رأيه، ولا يقل: إني أخاف وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، فدع ما يريبك إلى مالا يريبك» (2).

3 -

وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر، فإن كان في القرآن أخبر به، وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به، فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فإن لم يكن قال فيه برأيه (3).

وقد حذر الصحابة من خطورة الإقدام على رأي يخالف الكتاب والسنة،

(1) سنن الدارمي (1/ 64)، والإحكام لابن حزم (6/ 1006).

(2)

أخرجه النسائي في سننه، كتاب آداب القضاة، باب الحكم باتفاق أهل العلم (8/ 230)، والدارمي في سننه (1/ 63 - 64)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/ 241)، والطبراني في المعجم الكبير (9/ 187)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/ 57)، وابن حزم في الإحكام (6/ 1004).

(3)

سنن الدارمي (1/ 64)، والإحكام لابن حزم (6/ 1005)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 58).

ص: 257

وفيه تنبيه للمجتهد ليتأكد من رأيه وأنه لا يصادمهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:«من أحدث رأياً ليس في كتاب الله، ولم تمض به سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز وجل» (1).

والصحابة رضي الله عنهم مع تمسكهم بهذه الضوابط، فإنهم إذا قالوا شيئاً برأيهم اعتذروا منه، وتنصلوا من الخطأ، مخبرين أن ما يقولونه لا يعدو كونه اجتهاداً ورأياً يخطئ ويصيب، فإن أصابوا فهو من توفيق الله تعالى، وإن أخطئوا فهو من الشيطان وأنفسهم، وربما توقف بعضهم في الإجابة بالرأي حتى يلح عليه، ومنهم من لا يبيح لسائله الأخذ برأيه إلا عند الضرورة، ومن الشواهد في ذلك:

1 -

قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين سئل عن الكلالة قال: «إني قد رأيت في الكلالة رأياً، فإن يكن صواباً فمن الله وحده لا شريك له، وإن يكن خطأً فمني والشيطان» (2).

2 -

وأتي ابن مسعود فسئل عن رجل تزوج امرأة، ولم يكن سمى لها صداقاً، فمات قبل أن يدخل بها، فلم يقل فيها شيئاً، فرجعوا، ثم أتوه فسألوه، فقال: «سأقول فيها بجهد رأي، فإن أصبت فالله عز وجل يوفقني لذلك، وإن

(1) سنن الدارمي (1/ 62)، وما جاء في البدع لابن وضاح (ص 86)، والإحكام لابن حزم (6/ 1022)، والفقيه والمتفقه (1/ 458).

(2)

جامع البيان (6/ 475)، وانظر: سنن الدارمي (2/ 822)، ومصنف ابن أبي شيبة (11/ 415، 416).

ص: 258

أخطأت فهو مني، لها صداق نسائها، ولها الميراث وعليها العدة» (1).

فتأمل كيف توقف ابن مسعود رضي الله عنه عن الإجابة أول الأمر، حتى عادوا إليه وأصروا على إجابتهم، فلما رأى منهم ذلك قدم بهذه المقدمة يعتذر فيها إن أخطأ.

3 -

وأتى قوم زيد بن ثابت فسألوه عن أشياء فأخبرهم، ثم قال:«عذراً لعل كل شيء حدثتكم به خطأ، إنما اجتهدت لكم رأيي» (2).

4 -

وسأل رجل القاسم بن محمد عن شيء فأجابه، فلما ولى الرجل دعاه وقال له:«لا تقل: إن القاسم زعم أن هذا هو الحق، ولكن إن اضطررت إليه عملت به» (3).

5 -

وعن ابن جريج قال: «قلت لعطاء: ما {عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} (4)؟ ، قال: عدل الطعام من الصيام، قال: لكل مد يوماً، يأخذ - زعم - بصيام رمضان وبالظهار، وزعم أن ذلك رأي يراه، ولم يسمعه من أحد ولم تمض به سنة» (5).

إن الرأي حين ينضبط بهذه الضوابط التي قررها الصحابة والتابعون، ولا يخرج عما قررته الأدلة فلا وجه للقول برده وعدم اعتباره، وعلى هذا تنزل

(1) مسند أحمد (1/ 430 - 431).

(2)

جامع بيان العلم وفضله (2/ 143 - 144).

(3)

المصدر السابق (2/ 144).

(4)

سورة المائدة من الآية (95).

(5)

جامع البيان (8/ 710).

ص: 259

النصوص الواردة عن الصحابة والتابعين في العمل به.

صور الرأي المذموم:

أما عندما يكون الرأي مخالفاً للأدلة والقواعد الشرعية المقررة، أو يكون مجرد ظن وتخمين، فهذا الذي حذر منه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم، وله صور منها:

الأولى: أن يكون للمفسر في شيءٍ ما هوى ورأي، فيتأول القرآن على وفق ما يرى ويهوى، ويحتج به على تصحيح غرضه، فيكون الدافع إلى المعنى هواه، ولولاه لظهر له معنى آخر، فالرأي له تأثير مباشر في فهم النص القرآني، وقد يكون عالماً بأن المراد بالآية على خلاف ما ذكره، لكن وجود الهوى والبدعة والتعصب المقيت يمنعه من فهم القرآن حق فهمه، وهو الذي يدفعه دفعاً للمعنى الآخر الموافق لهواه، وقد تكون الآية محتملة لأكثر من وجه، فيرجح ما يتفق مع هواه، مع أن الحق في غير ما ذهب إليه (1).

يقول ابن تيمية: «إن مثل هؤلاء اعتقدوا رأياً، ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه، وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا من أئمة المسلمين؛ لا في رأيهم ولا في تفسيرهم» (2).

(1) إحياء علوم الدين للغزالي (1/ 292)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 28)، والاعتصام للشاطبي (1/ 102)، والتحرير والتنوير (1/ 29).

(2)

مجموع الفتاوى (13/ 358).

ص: 260

ومما ينطبق عليه هذا الكلام البدع التي أحدثها بعض الناس مخالفين بها ما في الكتاب والسنة، مثل: من زعم أن الله تعالى لا يرى يوم القيامة، وكمن أنكر الشفاعة والحوض والميزان، ويستدل لها بأمور عقلية وقياسات يرد بها الأدلة الصحيحة أو يتأولها (1).

الثانية: المسارعة إلى تفسير القرآن الكريم دون بحث ونظر فيما يؤيد تفسيره من الكتاب والسنة أو إجماع السلف، وإنما يبادر بالتفسير بما ظهر له من العربية من غير نظر في المنقول مما يوقعه في الغلط والخطأ (2)، ولذلك لما ذكر ابن عباس اختلاف الأمة ذكر أن قوماً يقرؤون القرآن ويجهلون المنقول في معناه، فيقولون فيه بآرائهم فيخطئون.

الثالثة: أن لا يعطي الآية حقها من التدبر والتأمل، وإنما يفسر بما خطر في باله في بادئ الأمر، ويكون غير محيط بجوانب الآية ومواد التفسير، «كمن يفسر قوله تعالى:{مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} الآية (3) على ظاهر معناها، يقول: إن الخير من الله، والشر من فعل الإنسان بقطع النظر عن الأدلة الشرعية التي تقتضي أن لا يقع إلا ما أراد الله؛ غافلاً عما سبق من قوله تعالى:{قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} (4)، أو بما يبدو من ظاهر اللغة دون استعمال العرب، كمن يقول في قوله تعالى: {وَآتَيْنَا ثَمُودَ

(1) انظر جامع بيان العلم وفضله (2/ 138).

(2)

انظر: إحياء علوم الدين (1/ 292)، والجامع لأحكام القرآن (1/ 29).

(3)

سورة النساء من الآية (79).

(4)

سورة النساء من الآية (78).

ص: 261

النَّاقَةَ مُبْصِرَةً} (1)، فيفسر {مُبْصِرَةً} بأنها ذات بصر لم تكن عمياء، فهذا من الرأي المذموم لفساده» (2).

الرابعة: أن يفسر الآية مستنداً إلى اللفظ، ثم يزعم أنه المراد دون غيره ويقطع بذلك، فيضيق على غيره من المفسرين (3).

فهذه الصور من الرأي ونحوها هي التي ينزل عليها ذم الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وقد امتلأت بها كثير من كتب التفسير كتفاسير المبتدعة، وكأن بوادر تلك الآراء في التفسير ظهرت في وقتهم، فحذروا منها وممن يروج لها، وسيأتي ذكر نماذج منها في مواطنها إن شاء الله تعالى.

وبعدُ

فلو وجدنا كلاماً عن بعض الصحابة والتابعين يوحي بذم الرأي عامة؛ محموداً كان أو مذموماً، فينبغي حمله على خشية أن يؤدي الإكثار من الرأي المحمود إلى الوقوع في الرأي المذموم، وخشية أن يصرف صاحبه عن العناية بالآثار ونقلها وتأملها، فمنعوا منه مطلقاً سداً للذريعة، ومن «عادة الشرع أنه إذا نهى عن شيء وشدد فيه منع ما حواليه، وما دار به ورتع حول حماه» (4).

(1) سورة الإسراء من الآية (59).

(2)

التحرير والتنوير (1/ 28 - 29)، وانظر إحياء علوم الدين (1/ 292).

(3)

التحرير والتنوير (1/ 29)، والإتقان في علوم القرآن (2/ 234).

(4)

الاعتصام للشاطبي (1/ 104).

ص: 262