الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خامساً: معرفة اللغة العربية
.
نزل القرآن الكريم باللغة العربية، فلا عجب أن تكون هي المرجع في فهمه وتأويله، وقد عُني الصحابة والتابعون رضي الله عنهم باللغة وفسروا بها القرآن، وكان هذا الأمر متقرراً لديهم، وحكى بعض العلماء إجماع الصحابة على جواز تفسير القرآن باللغة (1)، وإدراكاً منهم لأهميتها في فهم القرآن تمنى بعض مفسري التابعين لو كان يحسن العربية، فعن عطاء قال:«وددت أني أحسن العربية، وهو يومئذ ابن تسعين سنة» (2).
ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ
تي:
الوجه الأول: بيان أن اللغة العربية أساس مهم، وركن أصيل لمن أراد تفسير القرآن، ولما قسم ابن عباس رضي الله عنهما التفسير إلى أربعة أقسام جعل اللغة العربية أول تلك الأقسام التي يفسر بها القرآن الكريم، فقال: «التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء،
(1) مقدمتان في علوم القرآن (ص 201).
(2)
تاريخ دمشق (40/ 403)، وسير أعلام النبلاء (5/ 87).
وتفسير لا يعلمه إلا الله» (1).
الثاني: تحذير من لم يكن ملماً باللغة العربية أن يتكلم في تفسير القرآن، وبيان أن الإخلال باللغة العربية سبب للإخلال بفهم القرآن، ومن أقوالهم في ذلك:
1 -
قول مجاهد: «لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب» (2).
2 -
وعن الحسن أن رجلاً سأله فقال: «يا أبا سعيد، الرجل يتعلم العربية يلتمس بها حسن المنطق، ويقيم بها قراءته؟ ، قال: حسن يا بن أخي فتعلمها، فإن الرجل يقرأ الآية، فيعيى بوجهها فيهلك» (3).
وقوله: يعيى بوجهها؛ يريد لا يهتدي إلى تفسيرها (4).
3 -
وترك بعض المفسرين الرواية عمن لم يكن متقناً للعربية، فقيل لقتادة:
(1) تفسير عبد الرزاق (1/ 59)، وجامع البيان (1/ 70) واللفظ له، ومسند الشاميين للطبراني (2/ 302).
(2)
البرهان للزركشي (1/ 396).
(3)
الجامع لابن وهب (3/ 443)، وفضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 179)، وسنن سعيد بن منصور (1/ 167)، والفقيه والمتفقه (1/ 198).
(4)
أساس البلاغة (ص 443).
«مالك لا تروي عن نافع، ورويت عن غيره؟ ، فقال: إن نافعاً كان علجاً لحاناً» (1).
الثالث: الرجوع إلى اللغة العربية حينما يشكل على أحدهم فهم آية قرآنية، والاحتكام إليها عند الاختلاف، وجعلها فيصلاً في النزاع وحكماً على المختلفين، ومن أمثلته:
1 -
أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا} (2) بنصب راء {حَرَجًا} ، وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (ضَيِّقاً حَرِجاً)، فقال عمر:«ابغوني رجلاً من كنانة، واجعلوه راعياً، وليكن مدلجياً، فأتوا به، فقال له عمر رضي الله عنه: يا فتى ما الحرجة؟ ، قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية، ولا وحشية، ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير» (3).
2 -
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا تعانيتم في شيء من القرآن فانظروا في الشعر،
(1) العلل لأحمد (3/ 83).
(2)
سورة الأنعام من الآية (125).
(3)
جامع البيان (9/ 544 - 545)، ومعالم التنزيل (3/ 186)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (3/ 45) إلى عبد بن حميد وابن المنذر وأبي الشيخ، وهو بنحوه في الجامع لابن وهب (2/ 95 - 96)، وروى عن ابن عباس نحو قصة عمر.
فإن الشعر عربي» (1).
3 -
وعنه قال: «إذا خفي عليكم شيء من القرآن، فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب» (2).
4 -
وأشكل على ابن عباس معنى آية، فلم يعرف معناها حتى سمع الأعراب؛ يقول رضي الله عنه:«كنت لا أدري ما {فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (3) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: أنا ابتدأتها» (4).
5 -
وعنه رضي الله عنه قال: «ما كنت أدري ما قوله: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} (5)، حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول: تعال أفاتحك، تعني: أقاضيك» (6).
(1) جامع البيان (16/ 642).
(2)
المستدرك للحاكم (2/ 499)، والأسماء والصفات للبيهقي (2/ 80)، وعزاه في الدر المنثور (6/ 254) إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم.
(3)
في أكثر من موضع في القرآن، أولها في سورة الأنعام من الآية (14).
(4)
فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 174)، وجامع البيان (9/ 175)، وفضائل القرآن لابن كثير (ص 125).
(5)
سورة الأعراف من الآية (89).
(6)
مصنف ابن أبي شيبة (8/ 717، 10/ 474)، وجامع البيان (10/ 320) واللفظ له، وتفسير ابن أبي حاتم (5/ 1523)، والأسماء والصفات للبيهقي (1/ 114).
6 -
وعن الحسن قال: «كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلاً من أهل اليمن، فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحَجَلة فيها السرير» (1).
الرابع: إحالة السائل عن تفسير القرآن إلى اللغة العربية، والتأكيد على أنه لو كان عربياً ما أشكل عليه معنى الآية، فعن الحسن البصري أن رجلاً سأله عن قوله تعالى:{حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ} (2)، فقال له:«لو كنت عربياً لعرفت ما هي، إنما هي فاستمرت به» (3).
الخامس: الرجوع إلى اللغة العربية عند تفسير الآيات، وقد أكثر الصحابة والتابعون الاحتجاج بالشعر على غريب القرآن ومشكله (4)، ومن شواهد ذلك:
1 -
عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة (5)
قال: «شهدت ابن عباس، وهو
(1) فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 172)، وهو في جامع البيان (19/ 466) مختصراً، ولمزيد شواهد انظر الجامع للقرطبي (5/ 3726)، والحجلة بيت كالقبة يستر بالثياب، وتكون له أزرار كبار. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 346) مادة "حجل".
(2)
سورة الأعراف من الآية (189).
(3)
العلل لأحمد (1/ 165)، وجامع البيان (10/ 618) واللفظ له.
(4)
الإتقان (1/ 157).
(5)
هو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، أحد الفقهاء السبعة، عمه ابنُ مسعود، لقي كثيراً من الصحابة، وروى عنه أبو الزناد والزهري، وهو مؤدب عمر بن عبد العزيز، توفي عام (98).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 185)، ووفيات الأعيان (3/ 115)، وتذكرة الحفاظ (1/ 78).
يسأل عن عربية القرآن، فينشد الشعر» (1).
2 -
وعن عكرمة أن ابن عباس قال: «إذا سألتموني عن عربية القرآن، فالتمسوه بالشعر، فإن الشعر ديوان العرب» (2).
3 -
وعن يوسف بن مهران (3) وسعيد بن جبير أن ابن عباس كان يسأل عن القرآن كثيراً، فيقول: هو كذا وكذا، أما سمعتم الشاعر يقول كذا وكذا (4).
ولو استعرضنا الآيات التي فسرها الصحابة والتابعون باللغة العربية شعراً ونثراً لطال بنا المقام (5).
(1) سنن سعيد بن منصور (2/ 316)، وغريب الحديث للخطابي (1/ 61)، وانظر: فضائل القرآن لأبي عبيد (2/ 173)، وفضائل الصحابة لأحمد (2/ 981)، وروى عكرمة عن ابن عباس نحو ذلك كما في فضائل الصحابة لأحمد (2/ 974).
(2)
الجامع لأخلاق الراوي والسامع (2/ 198).
(3)
هو يوسف بن مهران البصري، روى عن ابن عباس وابن عمر وجابر، ثقة قليل الحديث، قال عنه أبو زرعة: ثقة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 1/161)، والجرح والتعديل (4/ 2/229)، وتهذيب التهذيب (4/ 461).
(4)
الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 2/121)، والجامع لأخلاق الراوي والسامع (2/ 198).
(5)
انظر على سبيل المثال: جامع البيان (13/ 745، 19/ 510، 24/ 416)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 346، 8/ 2721)، وتفسير القرآن العظيم لابن كثير (1/ 345، 7/ 228، 8/ 290)، والدر المنثور (3/ 329، 4/ 58، 6/ 102، 370)، والإتقان (1/ 149) وما بعدها.