المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته: - نقد الصحابة والتابعين للتفسير

[عبد السلام بن صالح الجار الله]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌أهمية الموضوع وأسباب اختياره:

- ‌أولاً: أن العناية بنقد التفسير

- ‌ثانياً: أهمية دراسة ظاهرة النقد عند المفسرين وتأصيلها

- ‌ثالثاً: حظيت بعض ظواهر التفسير بالدراسة والتحليل والتأصيل

- ‌رابعاً: أن هذه الدراسة تغطي جانباً مهماً من مناهج المفسرين في تعاملهم مع التفسير بمجالاته المختلفة

- ‌خامساً: أما الاقتصار على عصر الصحابة والتابعين فلأنهم الأصل

- ‌خطة البحث

- ‌التمهيد

- ‌أولاًالتعريف بالموضوع

- ‌1 - تعريف النقد:

- ‌2 - تعريف الصحابي:

- ‌3 - تعريف التابعي:

- ‌4 - تعريف التفسير:

- ‌ثانيًاالنقد النبوي للتفسير وأثره على الصحابة

- ‌نقد مناهج التفسير:

- ‌أ- نقد تأويل المتشابه:

- ‌ب - نقد الإسرائيليات:

- ‌ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:

- ‌د - نقد التفسير بالرأي:

- ‌بيانه صلى الله عليه وسلم لوجه ضعف التفسير:

- ‌أثر النقد النبوي على الصحابة:

- ‌الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه

- ‌الفصلُ الأول تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره

- ‌أولاً مظاهر تعظيم الصحابة والتابعين للتفسير وتغليظ الخطأ فيه

- ‌أولاً: اعتبار الخطأ في التفسير قولاً على الله بلا علم

- ‌ثانياً: النهي عن السؤال في التفسير، وترك مجالسة من يفعل ذلك

- ‌ثالثاً: اعتبار الكلام في التفسير أعظم من الكلام في العلوم الشرعية الأخرى

- ‌رابعاً: الامتناع عن تفسير القرآن

- ‌خامساً: الاستخارة عند تفسير القرآن

- ‌ثانياً دواعي الصحابة والتابعين في التغليظ على المخطئ في التفسير وإحجامهم عن تأويل القرآن

- ‌الفصلُ الثاني الاهتمام بالتفسير الصحيح والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم

- ‌أولاًالاهتمام بالتفسير الصحيح

- ‌أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن

- ‌ثانياً: التثبت من المعنى الصحيح للآية

- ‌ثالثاً: الفرح بالتفسير الصحيح والحزن على فواته

- ‌رابعاً: الاهتمام برجال التفسير

- ‌ثانياًالحث على ما يعين على فهم القرآن

- ‌أولاً: الاستعانة بالسياق القرآني في فهم الآيات

- ‌ثانياً: الاستعانة بالسنة في فهم القرآن

- ‌ثالثاً: معرفة سبب نزول الآية

- ‌رابعاً: معرفة الناسخ والمنسوخ

- ‌خامساً: معرفة اللغة العربية

- ‌ومن أوجه عنايتهم بالعربية في بيان القرآن ما يأ

- ‌سادساً: التدرج في تعلم التفسير

- ‌الفصلُ الثالث الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين

- ‌أولاًطبيعة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: الاختلاف في الفروع دون الأصول

- ‌ثانياً: قلة الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌وهناك أسباب أدت إلى قلة اختلاف الصحابة والتابعين في التفسير، ومن أهمها

- ‌ثالثاً: اختلاف تنوع لا تضاد

- ‌رابعاً: مع الاختلاف مودة وألفة

- ‌خامساً: كراهة الاختلاف

- ‌ثانياًأدب الاختلاف عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: احترام الرأي الآخر

- ‌الأول: عدم إلزام الطرف الآخر بالرجوع عن رأيه، وبخاصة إذا كان صادراً عن اجتهاد

- ‌الثاني: عدم التعدي على المخالف

- ‌الثالث: بقاء المكانة العلمية بين المختلفين على ما هي عليه

- ‌ثانياً: الرجوع إلى العلماء عند الاختلاف

- ‌ومن شواهده عن الصحابة والتابعين:

- ‌ثالثاً: الرجوع إلى الحق

- ‌ومن تلك المراجعات:

- ‌الباب الثاني دواعي نقد الصحابة والتابعين للتفسير، وأساليبه ومميزاته

- ‌الفصل الأول دواعي النقد عند الصحابة والتابعين

- ‌أولاً: ظهور الفتن والبدع

- ‌ثانياً: مخالطة أهل الكتاب

- ‌ثالثاً: دخول الأعاجم في الإسلام

- ‌رابعاً: تصدر بعض من لا علم عنده لتفسير القرآن

- ‌خامساً: مؤثرات سياسية

- ‌سادساً: مؤثرات اجتماعية

- ‌الفصل الثاني أساليب الصحابة والتابعين في نقد التفسير

- ‌ومن مظاهر الشدة في النقد:

- ‌أولاً: الشدة مع أهل البدع، وإغلاظ القول لهم، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً: كلام الأقران بعضهم في بعض يكون شديداً أحياناً

- ‌ثالثاً: وقد يصل الأمر إلى التوبيخ حين يشعر الصحابة أن المرء تكلم في القرآن بلا علم، ومن أمثلته:

- ‌ومن مظاهر الرفق في النقد:

- ‌أولاً: الرفق مع أهل العلم والفضل، ومن أمثلته

- ‌ثانياً: الرفق مع الطلاب

- ‌ثالثاً: عدم الانتقاد المباشر للمخطئ

- ‌عبارات نقدية:

- ‌أولاً: التكذيب، وشواهده كثيرة

- ‌ومن أمثلة هذا الاستعمال في نقد التفسير:

- ‌ثانياً: زعم

- ‌ثالثاً: أخطأت التأويل

- ‌رابعاً: لم تصب.ومن أمثلته:

- ‌خامساً: بئسما قلت.ومن أمثلته:

- ‌سادساً: تَأَوَّلَ الآية على غير تأويلها.ومن أمثلته:

- ‌سابعاً: وَضَعَ الآية على غير موضعها.ومن أمثلته:

- ‌ثامناً: لقد حملتموها على غير المحمل.ومن أمثلته

- ‌تاسعاً: ليس بالذي تذهبون إليه

- ‌عاشراً: ما لكم ولهذه الآية

- ‌حادي عشر: لا تغرنكم هذه الآية.ومن أمثلته:

- ‌ثاني عشر: الضحك

- ‌الفصل الثالث مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌المبحث الأول مميزات نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاً: أهليتهم للنقد

- ‌ثانياً: الاطلاع الواسع على المناهج والأقوال

- ‌ثالثاً: الاستدلال للنقد

- ‌رابعاً: بيان الرأي الصحيح

- ‌المبحث الثاني أبرز نقاد الصحابة والتابعين

- ‌الباب الثالث مجالات نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌الفصلُ الأول نقد طرق التفسير ومناهجه

- ‌أولاًنقد التفسير بالرأي

- ‌ثانياًنقد التفسير بالإسرائيليات

- ‌صور نقد الإسرائيليات:

- ‌الأولى: النهي الصريح عن رواية الإسرائيليات وسؤال أهل الكتاب، ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌الصورة الثانية: تكذيب الإسرائيليات، ومن شواهده:

- ‌الصورة الثالثة: انتقاد بعض الناس بسبب روايتهم الإسرائيليات وتتبعهم لها، ومن الآثار في ذلك:

- ‌الرابعة: الأمر بإتلاف الصحف المشتملة على الأخبار الإسرائيلية، ومن شواهده:

- ‌دواعي نقد الإسرائيليات:

- ‌توجيه الرواية عن أهل الكتاب وسؤالهم:

- ‌ثالثاًنقد تفاسير أهل البدع

- ‌منهج أهل البدع في فهم القرآن وتأويله:

- ‌منهج الصحابة والتابعين في الرد على أهل البدع:

- ‌الفرق التي انتقدها الصحابة والتابعون

- ‌أولاً: الخوارج

- ‌القضية الأولى: التكفير

- ‌القضية الثانية: قتال أهل القبلة

- ‌القضية الثالثة: تخليد أهل الكبائر في النار

- ‌القضية الرابعة: نفي الشفاعة عمن دخل النار

- ‌ثانياً: الشيعة

- ‌ثالثاً: القدرية

- ‌رابعاًنقد تفسير المتشابه

- ‌طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:

- ‌خامساًنقد الجدال في القرآن:

- ‌الجدال المحمود:

- ‌سادساًنقد تفاسير القُصَّاص

- ‌دواعي نقد القصاص

- ‌انتقاد القصاص في التفسير:

- ‌سابعاًنقد التكلف في التفسير

- ‌ثامناًنقد تدوين التفسير

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في انتقاد تدوين التفسير:

- ‌الفصل الثاني نقد رجال التفسير

- ‌أولاًالرجال المنتقدون في التفسير

- ‌أولاً: مجاهد بن جبر المكي

- ‌الأمر الأول: سؤال أهل الكتاب

- ‌الأمر الثاني: مما انتقد به مجاهد رحمه الله تفسير القرآن بالرأي

- ‌ثانياً: عكرمة مولى ابن عباس

- ‌ولانتقاد ابن المسيب احتمالان:

- ‌وقد جاء تكذيب عكرمة عن غير سعيد بن المسيب:

- ‌وأجيب عن تكذيب ابن المسيب وغيره لعكرمة بأجوبة منها:

- ‌ثالثاً: الضحاك بن مزاحم الهلالي

- ‌رابعاً: أبو صالح مولى أم هانئ "باذام

- ‌خامساً: إسماعيل السدي

- ‌سادساً: زيد بن أسلم العدوي

- ‌سابعاً: محمد بن السائب الكلبي

- ‌ثانياًأسباب نقد رجال التفسير

- ‌ثالثاًأثر نقد رجال التفسير على تفاسيرهم

- ‌الفصل الثالث نقد الأقوال

- ‌أولاً:طريقة الصحابة والتابعين مع القول الواحد في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: تصويب القول

- ‌الحالة الثانية: تصويب القول مع تقييده

- ‌الحالة الثالثة: تضعيف القول

- ‌القسم الأول: الاكتفاء بتضعيف القول فقط

- ‌القسم الثاني: تضعيف القول، وذكر القول الراجح

- ‌الحالة الرابعة: التوقف في معنى الآية، وعدم الجزم بصحة رأي معين، ومن أمثلته:

- ‌ثانياً:طريقة الصحابة والتابعين عند تعدد الأقوال في تفسير الآية

- ‌الحالة الأولى: ذكر الأقوال دون ترجيح.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثانية: ترجيح أحد الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌الحالة الثالثة: الجمع بين الأقوال.ومن أمثلتها:

- ‌ثالثاًالرجوع عن القول

- ‌الباب الرابع أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين وأثره

- ‌الفصل الأول أسس نقد التفسير عند الصحابة والتابعين

- ‌المبحث الأول الأسس المتعلقة بالرواية

- ‌أولاًمخالفة القرآن الكريم

- ‌ومن أقوالهم في ذلك:

- ‌صور نقد التفسير بالقرآن الكريم

- ‌الصورة الأولى: مخالفة سياق الآية

- ‌والرد بالسياق القرآني ثلاثة أقسام:

- ‌القسم الأول: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية، ويعرف هذا بالسباق

- ‌القسم الثاني: الاستدلال على ضعف التفسير بما بعد الآية، ويعرف هذا بلحاق الآية

- ‌القسم الثالث: الاستدلال على ضعف التفسير بما قبل الآية وما بعدها

- ‌الصورة الثانية: مخالفة ظاهر الآية

- ‌الصورة الثالثة: نقد التفسير بآية أخرى

- ‌ثانياًمخالفة السنة النبوية

- ‌وقد استعمل الصحابة والتابعون هذه القاعدة، فردوا بها بعض التفسيرات، ومن الأمثلة على ذلك:

- ‌ثالثاًمخالفة سبب النزول

- ‌رابعاًمخالفة التاريخ

- ‌خامساًالطعن في صحة نقل التفسير

- ‌المبحث الثاني الأسس المتعلقة بالدراية

- ‌أولاً: مخالفة اللغة العربية

- ‌ثانياًاشتمال التفسير على ما يخل بمقام الأنبياء والملائكة وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الأنبياء وعصمتهم

- ‌اشتمال التفسير على الإخلال بمقام الملائكة

- ‌ثالثاًمخالفة الواقع

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌رابعاًمعارضة التفسير بالقياس

- ‌خامساًأن يكون التفسير غير مفيد

- ‌ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:

- ‌سادساًنقد التفسير بذكر ما يترتب عليه

- ‌الفصل الثاني أثر نقد الصحابة والتابعين للتفسير

- ‌أولاًأثره في التفسير وأصوله

- ‌ثانياًأثره في علوم القرآن

- ‌أ- القراءات:

- ‌فمن شواهد ترجيح القراءة المتواترة:

- ‌ومن شواهد ترجيح القراءة الشاذة على المتواترة:

- ‌ب - الناسخ والمنسوخ:

- ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

- ‌القسم الثاني: نقد القول بإحكام الآية، ومن أمثلته:

- ‌ثالثاًأثره في العقائد

- ‌رابعاًأثره في المتلقين

- ‌وأما المخطئ في الفهم والتأويل فإن انتقاده يعود عليه بفوائد:

- ‌الخاتمة

- ‌الفهارس

- ‌ثبت المصادر والمراجع

الفصل: ‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

والمنسوخ (1)، وتقدم في الباب الأول بيان اهتمامهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ للوصول إلى فهم سليم للقرآن الكريم.

ويتأثر معنى الآية بالنسخ سلباً وإيجاباً، فقد يتخذ البعض النسخ دليلاً لانتقاد معنى أو حكم مستنبط من الآية، وبالمقابل فإن التوفيق بين ما ظاهره التعارض، وتوجيه معاني الآيات وجهة سليمة مما يوهي القول بالنسخ.

وسنبقى في عرض الشواهد النقدية مع مفهوم الصحابة والتابعين الواسع للنسخ، والذي يشمل كل تغير يطرأ على النص بدليل آخر، كتقييد المطلق وتخصيص العام، وبيان المجمل والمهمل، ورفع الحكم بجملته، وسنبين في تلك الشواهد المراد بالنسخ في الاصطلاح المتأخر، والأمثلة التي بين أيدينا على قسمين:

‌القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:

1 -

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (2).

يرى بعض الصحابة والتابعين أن هذه الآية منسوخة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:«نسختها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}» (3).

(1) الإتقان (2/ 32).

(2)

سورة آل عمران من الآية (102).

(3)

سورة التغابن من الآية (16).

ص: 621

وعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: «لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، فنسخت الآية الأولى» (1).

وعن قتادة رحمه الله قال: في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} «أن يطاع فلا يعصى، ثم أنزل - جل وعز - التخفيف {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، فنسخت هذه التي في آل عمران» (2).

وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما إنكار نسخها، وقال في قول الله تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} «لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» (3).

قال ابن تيمية: «وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، كما قال من

(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (3/ 722)، وقال:«وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التفسير، وروي عن أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنها نسختها: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}» .

(2)

الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 129)، ونحوه للطبري في جامع البيان (5/ 642)، ونقل عن الربيع بن أنس مثل قول قتادة.

(3)

الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 260)، وجامع البيان (5/ 640 - 641)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 722)، وتفسير ابن المنذر (1/ 318)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 130).

ص: 622

قال: إن قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (1) نُسِخَ بقوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وليس بين الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله:{حَقَّ تُقَاتِهِ} ، و {حَقَّ جِهَادِهِ} الأمر بما لا يستطيعه العبد، فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، وإن لم يكن نسخ ذلك نسخ ما أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان؛ إما من الأنفس أو من الأسماع أو من اللسان، وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل» (2).

وفراراً من القول بالنسخ علق أبو جعفر النحاس (3) على قول قتادة السابق فقال: «يجوز أن يكون معناه نزلت: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} بنسخة: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وأنها مثلها، لأنه لا يكلف أحد إلا طاقته» (4).

ويبدو أن أبا جعفر رحمه الله فهم من النسخ في قول قتادة الاصطلاح المتأخر، وكان علق عليه قبل ذلك بقوله: «محال أن يقع في هذا ناسخ ومنسوخ إلا على حيلة،

(1) سورة الحج من الآية (78).

(2)

مجموع الفتاوى (14/ 101)، وذكر الشاطبي في الموافقات (3/ 358) أنها من تقييد المطلق.

(3)

هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس المصري النحوي، أخذ عن الأخفش والزجاج، صنف: نفسير القرآن، وإعراب القرآن، والوقف والابتداء، والكافي، توفي غرقاً في النيل سنة (338).

انظر: وفيات الأعيان (1/ 99)، وإنباه الرواة (1/ 136)، وشذرات الذهب (2/ 346).

(4)

الناسخ والمنسوخ (2/ 131).

ص: 623

وذلك أن معنى نسخ الشيء إزالته والمجيء بضده، فمحال أن يقال:{اتَّقُوا اللَّهَ} منسوخ» (1).

ولا داعي لهذا التأويل إذا علمنا أن مفهوم السلف للنسخ أوسع من مفهوم المتأخرين، والله أعلم.

2 -

قال الله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (2).

يرى بعض السلف أن هذه الآية منسوخة:

فعن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: «نسخها الميراث والوصية» (3).

وفي رواية عنه قال: «كانت هذه الآية قبل قسمة المواريث، فلما أنزل الله المواريث لأهلها، جعلت الوصية لذوي القرابة الذين يحزنون ولا يرثون» (4).

(1) المصدر السابق (2/ 129).

(2)

سورة النساء آية (8).

(3)

تفسير عبد الرزاق (1/ 150)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 30 - 31)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 157).

(4)

جامع البيان (6/ 435)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 157)، وفتح الباري لابن حجر (8/ 242)، وقال بنسخها: عكرمة وأبو الشعثاء والقاسم بن محمد والضحاك وغيرهم، انظر: جامع البيان (6/ 435 - 436)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 875).

ص: 624

وأنكر آخرون نسخها وقالوا بإحكامها، وهي تدل على إعطاء من حضر من القرابة واليتامى والمساكين من الميراث، ومن أقوالهم في ذلك:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «محكمة وليست منسوخة» (1).

وعنه في رواية أخرى قال: «إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس؛ هما واليان: وال يرث، وذاك الذي يَرْزُقُ، ووال لا يرث، فذاك الذي يقول بالمعروف؛ يقول: لا أملك لك أن أعطيك» (2).

وعن ابن جبير وإبراهيم والحسن قالوا: «هي محكمة، وليست بمنسوخة» (3).

وعن مجاهد رحمه الله قال: «هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم» (4).

وعن الحسن رحمه الله قال: «هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا» (5).

(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (5/ 177).

(2)

صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (3/ 193)، وجاء عن ابن عباس في جامع البيان (6/ 436)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 875) القول بالنسخ وأن الذي نسخها آية المواريث، وضعف ابن حجر ذلك في فتح الباري (8/ 242)، وذكر أن الصحيح المعتمد هو ما رواه البخاري.

(3)

سنن سعيد بن منصور (3/ 1171)، وجامع البيان (6/ 433 - 434)

(4)

تفسير عبد الرزاق (1/ 150)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 29)، وجامع البيان (6/ 432).

(5)

جامع البيان (6/ 433) وفي سنن سعيد بن منصور (3/ 1170) قال الحسن: «فغير قرابة الميت يرضخ لهم القدح أو الشيء، فكان يقول لهم: إنها لم تنسخ» .

ص: 625

قال الشاطبي: «والجمع بين الآيتين ممكن لاحتمال حمل الآية على الندب، والمراد بأولى القربى من لا يرث بدليل قوله: {وَإِذَا حَضَرَ}، فقيد - كما ترى - الرزق بالحضور، فدل أن المراد غير الوارثين، وبيَّن الحسن أن المراد الندب أيضاً بدليل آية الوصية والميراث، فهو من بيان المجمل والمبهم» (1).

والقول بأن الآية محكمة محمولة على الندب قول الجمهور (2).

3 -

وفي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (3).

جاء عن عكرمة والحسن أنهما قالا في هذه الآية: «كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في النور فقال:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} إلى قوله:

(1) الموافقات (3/ 350 - 351).

(2)

انظر: الإيضاح (ص 210)، والتحرير والتنوير (4/ 40)،

(3)

سورة النساء آية (29).

ص: 626

{جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} » (1).

وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه إنكار النسخ، فقال:«إنها لمحكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة» (2).

فعكرمة والحسن أرادا بالنسخ بيان أن الأكل الوارد في سورة النور، والذي فهم بعض الناس دخوله في آية النساء ليس من أكل الأموال بالباطل، وأما إنكار ابن مسعود للنسخ فإنه أراد بقاء حكم آية النساء في تحريم أكل أموال الناس بالباطل وهذا بالاتفاق.

فالآيتان محكمتان، وآية النور نفت ما فهمه البعض من آية النساء، وتحرجهم من الأكل عند أحد من الناس خوفاً من الوقوع في أكل أموال الناس بالباطل، فهي أقرب إلى البيان منها إلى النسخ.

4 -

وفي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} الآية (3).

(1) سورة النور من الآية (61)، والأثر أخرجه الطبري في جامع البيان (6/ 627)، ونقل في (17/ 366) عن ابن عباس والضحاك نحوه.

(2)

تفسير ابن أبي حاتم (3/ 926)، والمعجم الكبير للطبراني (10/ 93)، والدر المنثور (2/ 143).

(3)

(58) من سورة النور.

ص: 627

جاء عن بعض السلف أن هذه الآية منسوخة (1)، وأنكر بعض التابعين ذلك:

فعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: «يقولون هي منسوخة، لا والله ما نسخها شيء، ولكنها مما تهاون به الناس» (2).

وسئل الشعبي رحمه الله: «أمنسوخة هي؟ ، فقال: لا والله ما نسخت، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان» (3).

ويبدو أن الذي دعا بعض الناس إلى توهم نسخها أن الناس تركوا العمل بها، فعن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال:«إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمة في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به» (4).

(1) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 551)، والإيضاح (ص 366).

(2)

الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 221)، وجامع البيان (17/ 355).

(3)

الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 220)، ومصنف ابن أبي شيبة (4/ 400)، وجامع البيان (17/ 354)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2633)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 557).

(4)

سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (4/ 349)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 221)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2632) واللفظ له، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 554)، وصحح ابن كثير إسناده في تفسيره (6/ 90).

ص: 628