الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والمنسوخ (1)، وتقدم في الباب الأول بيان اهتمامهم بمعرفة الناسخ والمنسوخ للوصول إلى فهم سليم للقرآن الكريم.
ويتأثر معنى الآية بالنسخ سلباً وإيجاباً، فقد يتخذ البعض النسخ دليلاً لانتقاد معنى أو حكم مستنبط من الآية، وبالمقابل فإن التوفيق بين ما ظاهره التعارض، وتوجيه معاني الآيات وجهة سليمة مما يوهي القول بالنسخ.
وسنبقى في عرض الشواهد النقدية مع مفهوم الصحابة والتابعين الواسع للنسخ، والذي يشمل كل تغير يطرأ على النص بدليل آخر، كتقييد المطلق وتخصيص العام، وبيان المجمل والمهمل، ورفع الحكم بجملته، وسنبين في تلك الشواهد المراد بالنسخ في الاصطلاح المتأخر، والأمثلة التي بين أيدينا على قسمين:
القسم الأول: نقد القول بنسخ الآية، ومن أمثلته:
1 -
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} (2).
يرى بعض الصحابة والتابعين أن هذه الآية منسوخة، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:«نسختها {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}» (3).
(1) الإتقان (2/ 32).
(2)
سورة آل عمران من الآية (102).
(3)
سورة التغابن من الآية (16).
وعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: «لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل، فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم، فأنزل الله تخفيفاً على المسلمين: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، فنسخت الآية الأولى» (1).
وعن قتادة رحمه الله قال: في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} «أن يطاع فلا يعصى، ثم أنزل - جل وعز - التخفيف {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}، فنسخت هذه التي في آل عمران» (2).
وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما إنكار نسخها، وقال في قول الله تعالى:{اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} «لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهدوا في سبيل الله حق جهاده، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم» (3).
قال ابن تيمية: «وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه من عموم أو إطلاق أو غير ذلك، كما قال من
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (3/ 722)، وقال:«وروي عن زيد بن أسلم نحو هذا التفسير، وروي عن أبي العالية وقتادة ومقاتل بن حيان والربيع بن أنس والسدي أنها نسختها: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}» .
(2)
الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 129)، ونحوه للطبري في جامع البيان (5/ 642)، ونقل عن الربيع بن أنس مثل قول قتادة.
(3)
الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 260)، وجامع البيان (5/ 640 - 641)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 722)، وتفسير ابن المنذر (1/ 318)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 130).
قال: إن قوله: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} ، {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} (1) نُسِخَ بقوله:{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، وليس بين الآيتين تناقض، لكن قد يفهم بعض الناس من قوله:{حَقَّ تُقَاتِهِ} ، و {حَقَّ جِهَادِهِ} الأمر بما لا يستطيعه العبد، فينسخ ما فهمه هذا، كما ينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، وإن لم يكن نسخ ذلك نسخ ما أنزله، بل نسخ ما ألقاه الشيطان؛ إما من الأنفس أو من الأسماع أو من اللسان، وكذلك ينسخ الله ما يقع في النفوس من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه، لكنه محتمل» (2).
وفراراً من القول بالنسخ علق أبو جعفر النحاس (3) على قول قتادة السابق فقال: «يجوز أن يكون معناه نزلت: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} بنسخة: {اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} وأنها مثلها، لأنه لا يكلف أحد إلا طاقته» (4).
ويبدو أن أبا جعفر رحمه الله فهم من النسخ في قول قتادة الاصطلاح المتأخر، وكان علق عليه قبل ذلك بقوله: «محال أن يقع في هذا ناسخ ومنسوخ إلا على حيلة،
(1) سورة الحج من الآية (78).
(2)
مجموع الفتاوى (14/ 101)، وذكر الشاطبي في الموافقات (3/ 358) أنها من تقييد المطلق.
(3)
هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المرادي النحاس المصري النحوي، أخذ عن الأخفش والزجاج، صنف: نفسير القرآن، وإعراب القرآن، والوقف والابتداء، والكافي، توفي غرقاً في النيل سنة (338).
انظر: وفيات الأعيان (1/ 99)، وإنباه الرواة (1/ 136)، وشذرات الذهب (2/ 346).
(4)
الناسخ والمنسوخ (2/ 131).
وذلك أن معنى نسخ الشيء إزالته والمجيء بضده، فمحال أن يقال:{اتَّقُوا اللَّهَ} منسوخ» (1).
ولا داعي لهذا التأويل إذا علمنا أن مفهوم السلف للنسخ أوسع من مفهوم المتأخرين، والله أعلم.
2 -
قال الله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} (2).
يرى بعض السلف أن هذه الآية منسوخة:
فعن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: «نسخها الميراث والوصية» (3).
وفي رواية عنه قال: «كانت هذه الآية قبل قسمة المواريث، فلما أنزل الله المواريث لأهلها، جعلت الوصية لذوي القرابة الذين يحزنون ولا يرثون» (4).
(1) المصدر السابق (2/ 129).
(2)
سورة النساء آية (8).
(3)
تفسير عبد الرزاق (1/ 150)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 30 - 31)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 157).
(4)
جامع البيان (6/ 435)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 157)، وفتح الباري لابن حجر (8/ 242)، وقال بنسخها: عكرمة وأبو الشعثاء والقاسم بن محمد والضحاك وغيرهم، انظر: جامع البيان (6/ 435 - 436)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 875).
وأنكر آخرون نسخها وقالوا بإحكامها، وهي تدل على إعطاء من حضر من القرابة واليتامى والمساكين من الميراث، ومن أقوالهم في ذلك:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «محكمة وليست منسوخة» (1).
وعنه في رواية أخرى قال: «إن ناساً يزعمون أن هذه الآية نسخت، ولا والله ما نسخت، ولكنها مما تهاون الناس؛ هما واليان: وال يرث، وذاك الذي يَرْزُقُ، ووال لا يرث، فذاك الذي يقول بالمعروف؛ يقول: لا أملك لك أن أعطيك» (2).
وعن ابن جبير وإبراهيم والحسن قالوا: «هي محكمة، وليست بمنسوخة» (3).
وعن مجاهد رحمه الله قال: «هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم» (4).
وعن الحسن رحمه الله قال: «هي ثابتة، ولكن الناس بخلوا وشحوا» (5).
(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (5/ 177).
(2)
صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى:{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ} (3/ 193)، وجاء عن ابن عباس في جامع البيان (6/ 436)، وتفسير ابن أبي حاتم (3/ 875) القول بالنسخ وأن الذي نسخها آية المواريث، وضعف ابن حجر ذلك في فتح الباري (8/ 242)، وذكر أن الصحيح المعتمد هو ما رواه البخاري.
(3)
سنن سعيد بن منصور (3/ 1171)، وجامع البيان (6/ 433 - 434)
(4)
تفسير عبد الرزاق (1/ 150)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 29)، وجامع البيان (6/ 432).
(5)
جامع البيان (6/ 433) وفي سنن سعيد بن منصور (3/ 1170) قال الحسن: «فغير قرابة الميت يرضخ لهم القدح أو الشيء، فكان يقول لهم: إنها لم تنسخ» .
والقول بأن الآية محكمة محمولة على الندب قول الجمهور (2).
3 -
وفي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (3).
جاء عن عكرمة والحسن أنهما قالا في هذه الآية: «كان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، فنسخ ذلك بالآية التي في النور فقال:{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ} إلى قوله:
(1) الموافقات (3/ 350 - 351).
(2)
انظر: الإيضاح (ص 210)، والتحرير والتنوير (4/ 40)،
(3)
سورة النساء آية (29).
{جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا} » (1).
وجاء عن ابن مسعود رضي الله عنه إنكار النسخ، فقال:«إنها لمحكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة» (2).
فعكرمة والحسن أرادا بالنسخ بيان أن الأكل الوارد في سورة النور، والذي فهم بعض الناس دخوله في آية النساء ليس من أكل الأموال بالباطل، وأما إنكار ابن مسعود للنسخ فإنه أراد بقاء حكم آية النساء في تحريم أكل أموال الناس بالباطل وهذا بالاتفاق.
فالآيتان محكمتان، وآية النور نفت ما فهمه البعض من آية النساء، وتحرجهم من الأكل عند أحد من الناس خوفاً من الوقوع في أكل أموال الناس بالباطل، فهي أقرب إلى البيان منها إلى النسخ.
4 -
وفي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ} الآية (3).
(1) سورة النور من الآية (61)، والأثر أخرجه الطبري في جامع البيان (6/ 627)، ونقل في (17/ 366) عن ابن عباس والضحاك نحوه.
(2)
تفسير ابن أبي حاتم (3/ 926)، والمعجم الكبير للطبراني (10/ 93)، والدر المنثور (2/ 143).
(3)
(58) من سورة النور.
جاء عن بعض السلف أن هذه الآية منسوخة (1)، وأنكر بعض التابعين ذلك:
فعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: «يقولون هي منسوخة، لا والله ما نسخها شيء، ولكنها مما تهاون به الناس» (2).
وسئل الشعبي رحمه الله: «أمنسوخة هي؟ ، فقال: لا والله ما نسخت، فقيل له: إن الناس لا يعملون بها، قال: الله المستعان» (3).
ويبدو أن الذي دعا بعض الناس إلى توهم نسخها أن الناس تركوا العمل بها، فعن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن، فقال:«إن الله ستِّير يحب الستر، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حِجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمة في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط الله عليهم الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحِجَال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به» (4).
(1) انظر: الناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 551)، والإيضاح (ص 366).
(2)
الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 221)، وجامع البيان (17/ 355).
(3)
الناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 220)، ومصنف ابن أبي شيبة (4/ 400)، وجامع البيان (17/ 354)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2633)، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 557).
(4)
سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب الاستئذان في العورات الثلاث (4/ 349)، والناسخ والمنسوخ لأبي عبيد (ص 221)، وتفسير ابن أبي حاتم (8/ 2632) واللفظ له، والناسخ والمنسوخ لأبي جعفر النحاس (2/ 554)، وصحح ابن كثير إسناده في تفسيره (6/ 90).