الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول جهود الصحابة والتابعين في دفع الخطأ في التفسير قبل وقوعه
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تغليظ الخطأ في التفسير وبيان خطره.
الفصل الثاني: الاهتمام بالتفسير الصحيح، والحث على ما يعين على فهم القرآن الكريم.
الفصل الثالث: الاختلاف في تفسير الصحابة والتابعين.
يحرص نقاد التفسير على تصحيح الأخطاء وتقويمها، للخروج بتفسير سليم للقرآن الكريم، ويسيرون لتحقيق هذا الهدف في اتجاهين:
الأول: حماية القرآن الكريم من الخطأ في تفسيره أو الانحراف في فهمه بدفعه قبل وقوعه.
الثاني: معالجة الأخطاء في تفسير القرآن بعد وقوعها، وذلك ببيانها ورد الناس إلى المعنى الصحيح للآيات.
والاتجاه الأول من باب الوقاية، والثاني من باب العلاج، ويأتي الكلام عليه في الأبواب اللاحقة إن شاء الله تعالى.
وسيقتصر الحديث في هذا الباب على الاتجاه الأول، فقد أولاه المفسرون عناية خاصة، وعلى رأسهم الصحابة والتابعون رضي الله عنهم؛ ولتحقيقه وضعوا ضوابط وقواعد ألزموا من أراد تفسير القرآن الأخذ بها؛ ليستعين بها على فهم القرآن، وتكون واقية - بإذن الله - من الانحراف في تأويله، كما قاموا بتربية الأتباع على تعظيم القول في تفسير القرآن، وحذروهم من الكلام فيه، وذموا من تجرأ على ذلك، وأظهروا ذلك عملياً بالإحجام والورع عن تفسير القرآن الكريم.
وهذا المسلك الوقائي الذي اهتم به المفسرون له شبيه في العلوم الأخرى، فلو أخذنا على سبيل المثال منهج المحدثين في حمايتهم للأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنايتهم بسلامتها لوجدناه يتطابق تماماً مع منهج المفسرين.
فمما قاموا به للحيلولة دون وقوع الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم التشديد والتغليظ على من كذب عليه صلى الله عليه وسلم، وللصحابة فضل السبق في ذلك، ويكفي أن تعرف أن
رواة حديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار» (1) يفوقون كثرة ما عداه من الأحاديث، حتى عده العلماء من المتواتر، وذكر بعضهم أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان وستون صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة (2)، وعدهم الحافظ العراقي (3) فزادوا على السبعين (4)، وهذا يدل على اهتمامهم الشديد بهذه القضية.
ومما أثر عنهم في تغليظ الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
…
«إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء أحب من أن أكذب عليه» (5).
وتعظيم السلف لحديث النبي صلى الله عليه وسلم يشبه تعظيمهم لتفسير القرآن، فنجد منهم من أقلَّ الرواية عنه صلى الله عليه وسلم خوفاً من الخطأ عليه، كما نجد من تورع عن التفسير
(1) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم (1/ 35)، ومسلم في مقدمة صحيحه (1/ 9 - 10) كلاهما من حديث أبي هريرة وأنس رضي الله عنهما.
(2)
انظر مقدمة ابن الصلاح (ص 454).
(3)
هو أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي الشافعي الملقب بزين الدين، سمع من ابن عبد الهادي والتقي السبكي، وتلمذ عليه الهيثمي وابن حجر، من مصنفاته ألفية الحديث، توفي عام (806).
انظر: إنباء الغمر لابن حجر (5/ 170)، والضوء اللامع (4/ 171)، وطبقات الحفاظ (543).
(4)
التقييد والإيضاح (ص 271 - 272)، وذكر النووي في شرح صحيح مسلم (1/ 68) أنه رواه مئتان من الصحابة، قال العراقي في التقييد والإيضاح (ص 272):«ولعل هذا محمول على الأحاديث الواردة في مطلق الكذب، لا هذا المتن بعينه» ، وذكر ابن حجر في فتح الباري (1/ 203) أنه جاء بأسانيد صحاح وحسان عن ثلاثة وثلاثين صحابياً، وجاء عن نحوٍ من خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، ثم قال:«وتحصل من مجموع ذلك رواية مائة من الصحابة على ما فصلته من صحيح وحسن وضعيف وساقط» .
(5)
صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (4/ 179).
لذات السبب، وقد عقد المحدثون لذلك أبواباً (1).
ومن الأمور التي رسمها المحدثون للاحتراز من الخطأ في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم التوقي في الألفاظ النبوية، والضبط الدقيق لها على وجه قد يكون في نظر بعض الناس من التشدد الذي لا داعي له، إلا أن المحدثين اعتنوا به حفاظاً على السنة (2).
ولم يقتصر توقي السلف وحذرهم في رواية الأحاديث، بل جاء عنهم الحذر والتوقي عند تفسيرها؛ حتى قال سليمان التيمي (3):«ليُتقى من تفسير حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يُتقى من تفسير القرآن» (4).
وأما ما يتعلق برواة الأحاديث وصفاتهم التي يجب أن يكونوا عليها، وشروط قبول روايتهم، والأمور التي من أجلها يرد حديث الرجل، فأمر طفحت به كتب المحدثين.
وهذه الأمور حين يعرفها الناس، وتنتشر بين طلاب العلم - وبخاصة
(1) انظر على سبيل المثال: سنن ابن ماجه، المقدمة (1/ 6 - 15)، وسنن الدارمي (1/ 81)، والمجروحين لابن حبان (1/ 37) وما بعدها، والكامل لابن عدي (1/ 80 - 82، 88، 92 - 96، 100 - 101)، والمحدث الفاصل (ص 549 - 560)، والمستدرك (1/ 110 - 112)، ومجمع الزوائد (1/ 141، 182).
(2)
انظر الكفاية للخطيب البغدادي (ص 357) وما بعدها.
(3)
هو أبو المعتمر سليمان بن طرخان القيسي مولاهم البصري، نسب إلى تيم لنزوله فيهم، سمع أنساً والنهدي وطاوساً، وروى عنه شعبة والسفيانان، اشتهر بالعبادة مع الحفظ والعلم، توفي سنة (143).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/18)، وتذكرة الحفاظ (1/ 150).
(4)
سنن الدارمي (1/ 121).
المحدثون - سيكون لها أثر كبير في صيانة الأحاديث من الغلط، والحرص على ضبطها، والتدقيق عند تحملها وروايتها، وسيجتهد رواة الأحاديث على التقيد بما ذكره العلماء في صفات الراوي؛ ليسلموا من الخطأ في نقل الأحاديث، فيقبل الرواة على الأخذ عنهم.
وما تقدم يلفت نظر الناقد إلى أنه لا ينبغي أن يكون همه متجهاً إلى معالجة الأخطاء وتصحيحها فحسب، وإنما يجتهد في الاحتراز منها ودفعها قبل وقوعها.