الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قوله: {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} (1)، وقوله:{يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} (2).
وقد علق الشاطبي على هذه الأمثلة بقوله: «وهكذا سائر من اتبع هذه الأطراف من غير نظر فيما وراءها، ولو جمعوا بين ذلك، ووصلوا ما أمر الله به أن يوصل لوصلوا إلى المقصود» (3).
طرق الصحابة والتابعين في نقد تأويل المتشابه:
سلك الصحابة والتابعون رضي الله عنهم طرقاً مختلفة في انتقاد متبعي المتشابه؛ نظراً للخطر الكبير الذي يمثله من يتبع المتشابه ويطلب تأويله وأثره السيئ على الفهم السليم للقرآن الكريم، وما يتبع ذلك من انحراف بعض الناس عن الحق، ووقوعهم تحت تأثير تأويلاتهم الباطلة، والطرق التي سنذكرها عنهم ليس المستهدف فيها من يتبع المتشابه فحسب، وإنما يدخل في بعضها أهل الحق على سبيل وقايتهم وحمايتهم من تتبع المتشابه وطلب تأويله، ومن الطرق التي سلكها الصحابة والتابعون ما يأتي:
(1) سورة النساء من الآية (35).
(2)
سورة المائدة من الآية (95).
(3)
الموافقات (3/ 313 - 314).
أولاً: التشنيع على متبعي المتشابه والإنكار عليهم، وبيان سوء سبيلهم ومسلكهم، وقد يصل الأمر إلى تأديبهم، ومن شواهده:
1 -
تأديب عمر رضي الله عنه لصبيغ، وجاء في بعض الروايات أنه كان يسأل عن متشابه القرآن (1)، وسياق القصة يدل على أنه كان معروفاً بهذا الأمر، ففي بعض الروايات: أنه قيل لعمر: «يا أمير المؤمنين إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن، فقال: اللهم أمكني منه، فبينما عمر رضي الله عنه ذات يوم يغدي الناس؛ إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة يتغدى، حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا} (2)؟ ، فقال عمر رضي الله عنه: أنت هو! » (3)، ثم ضربه وحبسه، وأمر المسلمين بهجره (4).
وقد بين ابن تيمية وجه كون الآيات التي سأل عنها صبيغ من المتشابه، فقال: «والذاريات، والحاملات، والجاريات، والمقسمات فيها اشتباه، لأن اللفظ يحتمل الرياح والسحاب والنجوم والملائكة، ويحتمل غير ذلك، إذ ليس في اللفظ ذكر الموصوف، والتأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو أعيان السحاب وما تحمله من
(1) جاء ذلك في سنن الدارمي (1/ 58)، والشريعة للآجري (ص 79).
(2)
سورة الذاريات الآيتان (1، 2).
(3)
أخرج هذه الرواية الآجري في الشريعة (ص 78)، وفي سنن الدارمي (1/ 59) أن صبيغاً كان يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين، فبُعث به إلى عمر.
(4)
تقدم تخريج القصة (ص 75).
الأمطار ومتى ينزل المطر؟ ، وكذلك في الجاريات والمقسمات، فهذا لا يعلمه إلا الله» (1).
2 -
وسأل ابن الكواء (3) علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: «يا أمير المؤمنين ما {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا} (4)؟ ، فقال: ويلك سل تفقهاً، ولا تسأل تعنتاً» (5).
(1) مجموع الفتاوى (13/ 312).
(2)
مسند الفاروق (2/ 606 - 607)، وانظر تعليق الآجري على هذه القصة في الشريعة (ص 79).
(3)
هو عبد الله بن عمرو اليشكري، اشتهر بصحبة على رضي الله عنه، قال ابن حجر:«له أخبار كثيرة مع علي، وكان يلزمه ويعييه في الأسئلة، وقد رجع عن مذهب الخوارج، وعاود صحبة علي» .
انظر: المعارف (ص 535)، ولسان الميزان (3/ 406).
(4)
سورة الذاريات الآيات (1 - 4).
(5)
أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2/ 195)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/ 114)، وهو في الجامع لابن وهب (2/ 65 - 66) بلفظ:«ثكلتك أمك يا بن الكواء» .
والقصة - دون قوله: "ويلك
…
" - أخرجها: ابن جرير في جامع البيان (21/ 481)، والحاكم في المستدرك (2/ 466 - 467)، وانظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (5/ 47، 7/ 391)، وفتح الباري (8/ 599).
وقد ذكر ابن تيمية في مجموع الفتاوى (13/ 312) الفرق بين فعل عمر مع صبيغ، وفعل علي مع ابن الكواء؛ فذكر أن علياً لم يؤدب ابن الكواء كما فعل عمر مع صبيغ؛ لأن رعيته كانت ملتوية عليه، ولم يكن مطاعاً فيهم طاعة عمر حتى يؤدبه، وانظر تعليق محمد رشيد رضا على القصة في الاعتصام (1/ 81).
وفي رواية أن علياً رضي الله عنه قال له: «ويلك! والله ما العلم تريد» (1).
3 -
4 -
وكان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سأله رجل وعرف من حاله أنه يريد البحث عن المتشابه ذكَّره بصنيع عمر مع صبيغ، وأنه بحاجة إلى مثله، فعن القاسم بن محمد قال: «سمعت رجلاً سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً، ثم قال
(1) الجامع لابن وهب (2/ 114).
(2)
مجموع الفتاوى (17/ 394) وعزاه إلى إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني والطلمنكي وساق إسناده.
الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ ، قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ ! ؛ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب رضي الله عنه» (1).
وجاء في بعض الروايات أن الرجل من أهل العراق (2)، وظاهرٌ أنه لم يكن يسأل سؤال استرشاد، وإنما أراد الاستشكال والتعنت، فشبه ابن عباس حاله بحال صبيغ الذي كان يسأل عن المتشابه.
5 -
وعنه رضي الله عنه في قوله تعالى: {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} قال: «يحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون فلبس الله عليهم» (3).
ثانياً: بيان أن تتبع المتشابه وطلب تأويله من منهج المبتدعة وطريقتهم في فهم النصوص والاستدلال بها، وأنه من أسباب ضلالهم، وهذا وجه من أوجه نقد اتباع المتشابه وذمه؛ لما له من أثر في نفور الناس من سلوك هذا المسلك واتباعه،
(1) أخرجه مالك في الموطأ (1/ 586)، وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 231)، وأبو عبيد في الأموال (1/ 426)، وابن جرير في جامع البيان (11/ 8) وهذا لفظه، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (2/ 373)، وابن بطة في الإبانة " الإيمان" (1/ 417) وفيه أن ابن عباس قال:«أما لو عاش عمر لما سأل أحد عما لا يعنيه» ، وانظر: الدر المنثور (3/ 161)، ومجموع الفتاوى (13/ 311).
(2)
تفسير عبد الرزاق (1/ 231).
(3)
جامع البيان (5/ 204)، وتفسير ابن أبي حاتم (2/ 595)، والإبانة لابن بطة "الإيمان"(2/ 606).
ومن شواهده:
1 -
عن ابن عباس أنه ذكر له الخوارج وما يصيبهم عند قراءة القرآن، فقال:«يؤمنون عند محكمه ويهلكون عند متشابهه» (1).
2 -
وحين رأى أبو أمامة رضي الله عنه (2) رؤوس قتلى الخوارج قال: «كلاب النار، كلاب النار، كلاب النار، شر قتلى تحت ظل السماء، شر قتلى تحت ظل السماء، ثم بكى، فقال له أبو غالب (3)
- الراوي عنه -: يا أبا أمامة ما شأني أراك تبكي؟ ! ، قال: أرحمهم أنهم كانوا مسلمين، قلت: بم؟ ، قال: يا أبا غالب أتقرأ سورة آل عمران؟ قلت: نعم، قال: اقرأ: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ، فهم هؤلاء يا أبا غالب، قال: ثم قرأ: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ
(1) مصنف ابن أبي شيبة (15/ 313)، وجامع البيان (5/ 214)، والشريعة للآجري (ص 30).
(2)
هو صدي بن عجلان الباهلي، مشهور بكنيته، توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاثين سنة، وسكن الشام، وتوفي عام (86) وقد جاوز المائة.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 2/131)، وأسد الغابة (3/ 16)، والإصابة (5/ 133).
(3)
هو حزَوَّر البصري، روى عن أبي أمامة وأنس، وعنه ابن عيينة، اختلف في توثيقه، قال ابن حجر:«صدوق يخطئ» .
انظر: التاريخ الكبير (1/ 2/134)، والجرح والتعديل (1/ 2/315)، وتقريب التهذيب (ص 664).
تَكْفُرُونَ} (1)، هم هؤلاء يا أبا غالب، فقلت: يا أبا أمامة أشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء بلغك عنه، قال: بل سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا مرة ولا اثنتين ولا ثلاثاً ولا أربعاً ولا خمساً ولا ستاً ولا سبعاً، إني إذاً لجريء، إني إذاً لجريء، إني إذاً لجريء» (2).
3 -
وعن سعيد بن جبير قال: «المتشابهات آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرؤوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم أصابوا بها الهدى، ومما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله عز وجل:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (3)، ثم يقرؤون معها:{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (4)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق
(1) سورة آل عمران آية (106).
(2)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (10/ 152)، وابن المنذر في تفسيره (1/ 126) واللفظ له، وابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 595)، والطبراني في المعجم الكبير (8/ 266 - 275)، قال الهيثمي في المجمع (6/ 234):«رواه الطبراني ورجاله ثقات» .
وقد أخرجه مختصراً: الترمذي في سننه، في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران (8/ 183)، وابن ماجه في سننه، في المقدمة، باب في ذكر الخوارج (1/ 62)، وأحمد في المسند (5/ 262)، قال الترمذي:«حديث حسن» ، وكذا حكم عليه الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (2/ 1055).
(3)
سورة المائدة من الآية (44).
(4)
سورة الأنعام من الآية (1).
قالوا: قد كفر، فمن كفر عدل به، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه، فهؤلاء الأئمة مشركون ومن أطاعهم، فيخرجون فيفعلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية، وفتحت لهم هذه الآية باباً كبيراً، وقولهم فيه لغير الحق» (1).
4 -
وعن سعيد (2) قال: «كان قتادة يحيل هذه الآية: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} على الخوارج وأهل البدع» (3).
5 -
وكان رحمه الله ينعى على المبتدعة اتباعهم المتشابه، فعند قوله تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (4) قال: «إذاً والله يجدون في القرآن زاجراً عن معصية الله لو تدبره القوم فعقلوه، ولكنهم أخذوا بالمتشابه فهلكوا عند ذلك» (5).
(1) تفسير القرآن لابن المنذر (1/ 120 - 121)، والشريعة للآجري (ص 29)، وانظر الدر المنثور (2/ 4).
(2)
هو ابن أبي عروبة العدوي، أبو النضر البصري، روى عن الحسن، وعنه الأعمش وشعبة، من المكثرين في الحديث، ومن أثبت الناس في قتادة، اختلط في آخر عمره، توفي عام (156).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 33)، وتذكرة الحفاظ (1/ 177).
(3)
الإبانة لابن بطة "الإيمان"(2/ 607).
(4)
سورة محمد آية (24).
(5)
جامع البيان (21/ 216).
6 -
وقال في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} : «طلب القوم التأويل فأخطئوا التأويل، وأصابوا الفتنة، فاتبعوا ما تشابه منه، فهلكوا من ذلك» (1).
7 -
وقال أيوب رحمه الله: «ما أعلم أحداً من أهل الأهواء إلا يخاصم بالمتشابه» (2).
ثالثاً: حث الأتباع والتلاميذ على الإيمان بالمتشابه والتسليم به، والإمساك عن الكلام فيما يشتبه على المرء من نصوص الكتاب، وهذا الأسلوب كالذي قبله له أثر في كف الناس عن الانسياق خلف المبتدعة وما يلقونه من شبه حول القرآن وتفسيره، وهي تربية أرشد إليها القرآن عندما ذكر حال الراسخين في العلم مع الآيات المتشابهة، وأنهم يقولون:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} ، وإذا كان هذا هو حال الراسخين في العلم فمن دونهم من باب أولى.
ومما جاء عن الصحابة والتابعين في ذلك:
1 -
قول معاذ رضي الله عنه: «أما القرآن فمنار كمنار الطريق، ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحداً، وما شككتم فيه فكلوه إلى عالم» (3).
(1) جامع البيان (5/ 208).
(2)
الإبانة "الإيمان"(2/ 501، 609).
(3)
مصنف ابن أبي شيبة (10/ 489)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 111).
2 -
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: «كتاب الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك، فآمن به وكله إلى عالمه» (1).
3 -
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إن للقرآن مناراً كمنار الطريق، فما عرفتم منه فتمسكوا به، وما شبه عليكم، أو قال: تشبه عليكم فكلوه إلى عالمه» (2).
4 -
وعن الحسن في قوله تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} (3) قال: «يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه» (4).
5 -
وسئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قول الله تبارك وتعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) كيف استوى؟ ، فقال:«الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق» (6).
(1) مصنف ابن أبي شيبة (10/ 489).
(2)
فضائل القرآن لأبي عبيد (1/ 278)، ومصنف ابن أبي شيبة (10/ 489).
(3)
سورة البقرة من الآية (121).
(4)
جامع البيان (2/ 491)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 218).
(5)
سورة طه آية (5).
(6)
أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (3/ 398)، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 151).
وجاء نحو هذا الكلام عن الإمام مالك عند اللالكائي (3/ 398)، وأبي نعيم في الحلية (6/ 325 - 326)، والبيهقي في الأسماء والصفات (2/ 150)، وابن عبد البر في التمهيد (7/ 151)، وانظر مختصر العلو للذهبي (ص 141)، وفتح الباري لابن حجر (13/ 407).
ونحو كلام ربيعة ومالك جاء عن أم سلمة رضي الله عنها عند اللالكائي (3/ 397)، قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/ 365) بعدما ذكر قول مالك:«ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك، وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة رضي الله عنها مرفوعاً وموقوفاً، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه» .
رابعاً: الاستعانة بالسنة النبوية في بيان المتشابه والرد على مثيريه، وهذا سبيل مهم في إفحام متبعي المتشابه وإسكاتهم عندما يتعلقون ببعض الآيات، فتأتي السنة كاشفة لشبهاتهم، فلا يجد المرء إلا التسليم والإذعان، والسنة مبينة للقرآن {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1)، ولأهمية السنة في كشف متشابهات الكتاب العزيز أوصى بها الصحابة رضي الله عنهم في التصدي لأهل الضلال، ومن شواهده:
1 -
قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنه سيأتيكم ناس يجادلونكم بشبهات القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله» (2).
(1) سورة النحل من الآية (44).
(2)
سنن الدارمي (1/ 53)، والشريعة للآجري (ص 53، 80)، والإبانة لابن بطة "الإيمان "(1/ 250 - 251، 352، 2/ 610)، وأصول السنة لابن أبي زمنين (ص 50)، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 123)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 123)، والفقيه والمتفقه (1/ 560)، والإحكام لابن حزم (2/ 317)، وأخرج اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 123) نحوه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقول عمر: «يجادلونكم بشبهات القرآن» هكذا جاء في أكثر الروايات والمراد متشابهه، فإن القرآن ليس فيه شبه، وفي إحدى روايات ابن بطة (1/ 352):«يجادلونكم بمتشابه القرآن» .
2 -
وأوصى الزبير بن العوام رضي الله عنه ابنه فقال: «لا تجادل الناس بالقرآن، فإنك لا تستطيعهم، ولكن عليك بالسنة» (1).
3 -
وتقدم أن ابن عباس رضي الله عنهما خرج إلى الخوارج وناظرهم، فاحتجوا عليه بآيات من القرآن كقوله تعالى:{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (2) وقالوا: إن علياً حكم الرجال، ولم يحكم بما أنزل الله، فرد عليهم ابن عباس واستدل بالسنة على ضعف استدلالهم بالآية (3)، وجاء أن علياً رضي الله عنه أوصاه بذلك، وقال له:«إن خاصموك بالقرآن فخاصمهم بالسنة» (4).
خامساً: القيام بتفسير المتشابه وبيانه، والجمع بينه وبين الآيات التي يظن معارضتها له، وقد نبه ابن تيمية إلى أن الصحابة والتابعين قاموا بتفسير المتشابه ولم
(1) الفقيه والمتفقه (1/ 561).
(2)
سورة المائدة من الآية (44).
(3)
انظر ما تقدم (ص 311).
(4)
أصول السنة لابن أبي زمنين (ص 53)، وانظر الدر المنثور (1/ 15).
يحجموا عنه، وقرر ذلك من وجهين:
الوجه الأول: ما جاء عنهم أنهم فسروا القرآن كله، يقول:«ما في القرآن آية إلا وقد تكلم الصحابة والتابعون لهم بإحسان في معناها، وبينوا ذلك» (1)، وذكر بعض الشواهد على ذلك (2).
الوجه الثاني: ما نقل عن بعضهم أنه فسر الآيات المتشابهة كأبي بن كعب وابن عباس (3).
وينبغي تنزيل كلام ابن تيمية على أنهم فسروا المتشابه النسبي الذي يمكن لبعض الناس معرفته.
وهناك دواع اقتضت قيام الصحابة والتابعين بتفسير المتشابه الذي ذموا طلب تأويله، ويمكن حصرها في أمرين:
الأمر الأول: الرد على مغرض يسعى لإحراجهم بإثارة المتشابه وطلب تأويله، أو يسعى لضرب القرآن بعضه ببعض، وقد يكون لكلامه تأثير في السامعين، ومثل هذا ينبغي الرد عليه لئلا يتسبب في ضلال أحد أو انحرافه، ومن
(1) مجموع الفتاوى (17/ 397).
(2)
انظر المصدر السابق (13/ 307، 17/ 395، 402).
(3)
المصدر السابق (17/ 407 - 409).
شواهده:
1 -
أن نفراً من أهل نجران - وفي بعض الروايات أنهم يهود - قالوا لعمر رضي الله عنه وعنده أصحابه: «أرأيت قوله: {وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} (1) فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر: أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار؟ وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ ، فقالوا: لقد نزعت مثلها من التوراة» .
2 -
ووقع لابن عباس مثل ذلك، فقد سأله رجل من أهل الكتاب عن ذلك فأجاب بجواب عمر (2).
3 -
عن سعيد بن جبير قال: «قال رجل قال لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي؟ قال: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (3)، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (4)، {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (5)، {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (6)،
(1) سورة آل عمران من الآية (133).
(2)
تقدم هذا الأثر والذي قبله (ص 59).
(3)
سورة المؤمنون من الآية (101).
(4)
سورة الصافات آية (27).
(5)
سورة النساء من الآية (42).
(6)
سورة الأنعام من الآية (23).
فقد كتموا في هذه الآية؟ ، وقال:{أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} إلى قوله: {دَحَاهَا} (1)، فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى قوله: {طَائِعِينَ} (2)، فذكر في هذه خلق الأرض قبل السماء؟ ، وقال:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} (3)، {كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} (4)، {سَمِيعًا بَصِيرًا} (5)، فكأنه كان ثم مضى؟ ، فقال ابن عباس:{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} (6)،
فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة:{وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} ، وأما قوله:{مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} ، فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقل: لم نكن مشركين، فختم على أفواههم فتنطق أيديهم، فعند ذلك عُرف أن الله لا يكتم حديثاً، وعنده {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآية (7)، وخلق الأرض في يومين، ثم خلق السماء، ثم استوى
(1) سورة النازعات الآيات (27 - 30).
(2)
سورة فصلت الآيات (9 - 11).
(3)
سورة النساء من الآية (96).
(4)
سورة النساء من الآية (56).
(5)
سورة النساء من الآية (58).
(6)
سورة الزمر من الآية (68) ..
(7)
سورة النساء من الآية (42).
إلى السماء، فسواهن في يومين آخرين، ثم دحا الأرض ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين، فذلك قوله:{دَحَاهَا} ، وقوله:{خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} ، فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين، {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، سمى نفسه بذلك، وذلك قوله؛ أي: لم يزل كذلك، فإن الله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلاً من عند الله» (1).
قال ابن حجر: «وحاصل ما وقع السؤال أربعة مواضع: الأول: نفى المسائلة يوم القيامة وإثباتها، الثاني: كتمان المشركين حالهم وافشاؤه، الثالث: خلق السموات والأرض أيهما تقدم؟ ، الرابع: الإتيان بحرف "كان" الدال على الماضي مع أن الصفة لازمة.
وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المسائلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك، وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم، وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة، ثم خلق السماء فسواها في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين، فتلك أربعة أيام للأرض، وعن الرابع بأن كان وأن كانت للماضي،
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب تفسير سورة حم السجدة (6/ 35)، وأخرجه مختصراً: الطبري في جامع البيان (7/ 42 - 43)، وابن أبي حاتم في تفسيره (4/ 1274).
لكنها لا تستلزم الانقطاع، بل المراد أنه لم يزل كذلك» (1).
وهذا الرجل هو نافع بن الأزرق، قال ابن حجر:«كأن هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج، وكان يجالس ابن بمكة ويسأله ويعارضه» (2).
وقد جاء التصريح باسمه في بعض الروايات المختصرة، فقد أخرج الطبري أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: «يا بن عباس قولَ الله تبارك وتعالى: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (3)، وقوله:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (4)؟ ، فقال له ابن عباس: إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت: ألقى على ابن عباس متشابه القرآن، فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد، فيقول المشركون: إن الله لا يقبل من أحد شيئاً إلا ممن وحده، فيقولون: تعالوا نقل، فيسألهم فيقولون:{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} ، قال: فيختم الله على أفواههم ويستنطق جوارحهم،
(1) فتح الباري (8/ 558) باختصار، وفي تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1112) أن يهودياً قال لابن عباس:«إنكم تزعمون أن الله كان عزيزاً حكيماً فكيف هو اليوم؟ ، فقال ابن عباس: إنه كان من نفسه عزيزاً حكيماً» ، وانظر (8/ 2711) من الكتاب نفسه.
(2)
فتح الباري (8/ 557)، وانظر عمدة القارئ (15/ 417).
(3)
سورة النساء آية (42).
(4)
سورة الأنعام من الآية (23).
فتشهد عليهم جوارحهم أنهم كانوا مشركين، فعند ذلك تمنوا لو أن الأرض سويت بهم، ولا يكتمون الله حديثاً» (1).
وفي بعض الروايات: أن نافعاً سأل ابن عباس عن قوله عز وجل: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} (2)، و {فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا} (3)، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} (4)، و {هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} (5) فما هذا؟ ، فقال ابن عباس: ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟ ! ، قال: لا، قال: أما إنك لو كنت سألت هلكت، أليس قال الله تبارك وتعالى:{وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} (6)؟ ، وإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لون من هذه الألوان (7).
الأمر الثاني: أن يسأل شخص عن المتشابه طالباً تأويله، فيجاب عن سؤاله؛
(1) جامع البيان (7/ 43 - 44)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 306 - 307) مختصراً.
(2)
سورة المرسلات آية (35).
(3)
سورة طه من الآية (108).
(4)
سورة الصافات آية (27).
(5)
سورة الحاقة من الآية (19).
(6)
سورة الحج من الآية (47).
(7)
المستدرك (4/ 573)، وقال الحاكم:«صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، قال الذهبي عن يحيى بن راشد - أحد الرواة - ضعفه النسائي.
لما احتف به من القرائن الدالة على سلامة هدفه، وحسن قصده، كأن يظهر منه رغبة في التعلم ومعرفة مراد الله من كلامه، أو يكون مراده المحافظة على قدسية القرآن الكريم وسلامته من الاختلاف والتناقض، لكونه سمع شبهة حول بعض الآيات، فلجأ إلى العلماء لكشفها وبيانها (1)، وكان الصحابة والتابعون رضي الله عنهم يجيبون مثل هذا السائل برفق من غير تعنيف؛ لكونهم علموا هدفه ورغبته في معرفة الحق، وبيان المتشابه والحالة هذه من تمام التدبر لكتاب الله.
ومن شواهده:
1 -
(1) انظر تفسير الصحابة د. بدر (ص 50).
(2)
سورة البقرة من الآية (185).
(3)
سورة الدخان من الآية (3).
(4)
سورة القدر آية (1).
(5)
جامع البيان (3/ 192)، وتفسير ابن أبي حاتم (1/ 310، 8/ 2689)، والأسماء والصفات للبيهقي (1/ 369)، وهو بنحوه في المعجم الكبير للطبراني (11/ 309).
2 -
وجاء رجل إلى عكرمة فقال: «أرأيت قول الله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ} (1)، وقوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} (2)؟ ! ، فقال عكرمة: إنها مواقف؛ فأما موقف منها فتكلموا واختصموا، ثم ختم الله على أفواههم، فتكلمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذٍ لا يتكلمون» (3).
3 -
وعن الربيع بن أنس (4)
قال: «قلت لأبي العالية قال الله: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ} (5)، وقال:{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} فكيف هذا؟ ، قال: نعم، أما قوله:{لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} ، فهؤلاء أهل الشرك، وقوله:{ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ، فهؤلاء أهل
(1) سورة المرسلات آية (35).
(2)
سورة الزمر آية (31).
(3)
تأويل مشكل القرآن (ص 66).
(4)
هو الربيع بن أنس البكري البصري ثم الخراساني، سمع أنساً وأكثر عن أبي العالية، وعنه الأعمش وابن المبارك، سجنه أبو مسلم الخراساني تسع سنين، وحديثه في السنن الأربع، توفي عام (139).
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (7/ 101)، وسير أعلام النبلاء (6/ 169)، وتهذيب التهذيب (1/ 589).
(5)
سورة ق من الآية (28).
القبلة يختصمون في مظالمهم» (1).
وسؤال الربيع لأبي العالية يختلف عن السؤال الموجه لعكرمة، فحاصل الإشكال الذي سئل عنه عكرمة الجمع بين نفي الكلام المستفاد من آية المرسلات، وإثباته المستفاد من إثبات الاختصام في آية الزمر، أما ما أشكل على الربيع فهو الجمع بين نفي الاختصام يوم القيامة في سورة ق، وإثباته في سورة الزمر.
ومما سبق ندرك أن الصحابة والتابعين لم يتوقفوا عن الكلام في المتشابه بالجملة، وإنما تكلموا في المتشابه الذي يتفاوت الناس في معرفته وإدراكه على ما سبق بيانه.
وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما عند قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} : «أنا ممن يعلم تأويله» (2).
وجاء عن مجاهد في هذه الآية أنه قال: «الراسخون في العلم يعلمون تأويله، ويقولون: آمنا به» (3).
(1) الدر المنثور (6/ 106) وعزاه لابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر، وهو في جامع البيان (20/ 202) مختصراً، وبنحو هذا الجواب أجاب ابن عطية في المحرر الوجيز (15/ 180).
(2)
جامع البيان (5/ 220)، وتفسير القرآن لابن المنذر (1/ 132).
(3)
المصدران السابقان، وتأويل مشكل القرآن (ص 100).