الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلا ما يتفق مع ضوابط الإذن بالتحديث عن أهل الكتاب (1)، والله أعلم.
ج - نقد الجدال في القرآن وضرب بعضه ببعض:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاختلاف في القرآن، فقال:«إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب» (2).
وفي حديث آخر خرج النبي صلى الله عليه وسلم على قوم يتراجعون في القرآن مغضباً، وقال:«إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً، فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» (3).
وفي رواية: أن بعضهم قال: ألم يقل الله كذا وكذا؟ ، وقال بعضهم: ألم يقل
(1) انظر: التفسير والمفسرون (1/ 183، 185)، وتيسير الكريم المنان (1/ 98).
(2)
أخرجه مسلم في كتاب العلم (4/ 2053)، برقم (2666) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
(3)
أخرجه الإمام أحمد في المسند (2/ 181، 185)، وعبد الرزاق في المصنف (11/ 216)، وأخرجه ابن ماجه مختصراً في مقدمة سننه، باب في القدر (1/ 33)، كلهم من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد اختلف العلماء في هذه السلسلة، فمنهم من صححها ومنهم من ضعفها، والذي عليه بعض المحققين أنها من قبيل الحسن. انظر: ميزان الاعتدال للذهبي (4/ 188)، وتهذيب التهذيب (3/ 277 - 280)، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (1/ 58) تعليقاً على رواية ابن ماجه: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه بزيادة في آخره «، وقد حسن هذا الحديث الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (1/ 80).
الله كذا وكذا؟ (1).
وقد ذكر العلماء صوراً للاختلاف المنهي عنه في القرآن، ومنها:
الاختلاف في تفسير أمور قطعية لا يسوغ الاجتهاد فيها، أو يكون الاختلاف مؤدياً إلى الوقوع في شبهة أو شك أو فتنة ونحو ذلك، أو يكون مؤدياً إلى التكذيب بالقرآن، وضرب بعضه ببعض كما أشار إليه الحديث.
أما الاختلاف في الفروع واستنباط الأحكام فليس وارداً هنا، وهو موجود بين المسلمين من عهد الصحابة إلى وقتنا (2).
وفي الحديث الثاني إشارة إلى منشأ الاختلاف المنهي عنه وهو الجهل، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:«وما جهلتم فكلوه إلى عالمه» ، فعدم إدراك المعنى الصحيح للآيات المقترن بالهوى والتعصب يؤدي بصاحبه - حتماً - إلى مشاقة غيره، والاختلاف معه.
كما جاء في الحديثين الإشارة إلى أثرين سيئين يؤدي إليهما الاختلاف في القرآن الكريم:
الأول: كونه سبباً في هلاك الأمم السابقة وخروجها عن جادة الحق.
الثاني: التكذيب بالقرآن الكريم ورده، ذلك أن من يعتقد رأياً، ويستدل
(1) المسند (2/ 195 - 196).
(2)
انظر شرح النووي على صحيح مسلم (16/ 218 - 219).
عليه بالقرآن؛ إذا عورض بآيات أخرى تناقض معتقده، ردها فوقع في تكذيبها.
ومن الآثار السيئة للاختلاف أنه يوقع في المراء في القرآن الكريم، وقد جاء النهي عنه في قوله صلى الله عليه وسلم:«مراء في القرآن كفر» (1).
وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ، ثم تلا:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} (2)(3).
(1) أخرجه أبو داود في كتاب السنة، باب النهي عن الجدال في القرآن (4/ 199)، والإمام أحمد في المسند (2/ 286، 300، 424، 475، 503، 528)، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (1/ 146)، والحاكم في المستدرك (2/ 223)، كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه ابن القيم في شرح تهذيب سنن أبي داود (12/ 353) بحاشية عون المعبود، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2/ 1134)، ورواه الإمام أحمد في المسند (2/ 258) عن أبي هريرة بلفظ:«جدال في القرآن كفر» ، ورواه الطبراني في المعجم الكبير (5/ 152) عن زيد بن ثابت مرفوعاً بلفظ:«لا تماروا في القرآن، فإن المراء فيه كفر» ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 157) عن حديث زيد:«رجاله موثقون» ، وسيأتي قريباً عن أبي جهيم بلفظ:«مراء في القرآن كفر» .
(2)
سورة الزخرف من الآية (58).
(3)
أخرجه الترمذي في أبواب التفسير، باب ومن سورة الزخرف (9/ 6)، وابن ماجه في المقدمة، باب اجتناب البدع والجدل (1/ 19)، والإمام أحمد في المسند (5/ 252، 256)، والحاكم في المستدرك (2/ 448) كلهم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، قال الترمذي:«هذا حديث حسن صحيح» ، وقال الحاكم:«هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (1/ 64).
والمراء بمعنى الجدال (1).
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن النهي عن المراء خاص بالجدال في ألفاظ القرآن وحروفه، وليس في تفسيره وتأويله، استئناساً بما جاء في بعض روايات الحديث أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، فقال أحدهما: تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: تلقيتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:«القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر» (2).
والأظهر - والله أعلم- أن النهي يشمل الاختلاف في الألفاظ والحروف، والاختلاف في المعاني، كالجدال في متشابه القرآن، أو الجدال في آيات الصفات والقدر ونحوها على طريقة أهل الكلام، وإنما سماه كفراً باعتبار ما يؤول إليه، كأن يستدل أحدهم بآية على صحة معتقده، ويأتي الآخر بآية أخرى ليدفع بها رأي صاحبه، فيزعم أن ما جاء به نقيض ما استدل به الأول (3).
(1) انظر: الغريبين للهروي (6/ 1747)، والنهاية في غريب الحديث (4/ 322) مادة "مرى".
(2)
انظر المصدرين السابقين، والحديث رواه أحمد في المسند (4/ 169 - 170)، وأبو عبيد في فضائل القرآن (2/ 184)، والطبري في جامع البيان (1/ 39)، والبغوي في شرح السنة (4/ 505 - 506) كلهم عن أبي جهيم رضي الله عنه، وصحح إسناده ابن كثير في فضائل القرآن (ص 118)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (7/ 151):«رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح» .
(3)
انظر: معالم السنن للخطابي (4/ 275)، وشرح السنة للبغوي (1/ 261)، وعون المعبود (2/ 354)، ومرقاة المفاتيح للقارئ (1/ 240).