الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولاً
الاهتمام بالتفسير الصحيح
إن الاهتمام بالتفسير الصحيح، والبحث عنه، ثم نشره بين الناس يقوي معرفتهم به وإقبالهم عليه، ويستغنون به عن الأقوال الشاذة والضعيفة، فالآراء والمذاهب الباطلة لا تنتشر إلا مع خفاء الحق أو ضعف أنصاره، أما إذا كان الحق ظاهراً معروفاً بين الناس لم تجد تلك الآراء والمذاهب بيئة مناسبة للانتشار والقبول، وعندما يكون القلب عامراً بالحق فلن يجد الباطل مكاناً فيه، أما إذا كان فارغاً فلن يجد الباطل ما يزاحمه أو ينازعه، وبكل حال فالاهتمام بالتفسير الصحيح يسهم بشكل أو بآخر في المحافظة على سلامة الفهم لكتاب الله، وحمايته من الدخيل؛ ولهذا السبب عُني الصحابة والتابعون بالتفاسير الصحيحة، واجتهدوا في معرفتها، ومن أوجه عنايتهم بها ما يأتي:
أولاً: الرحلة في طلب تفسير القرآن
.
اشتهر الصحابة والتابعون ومن بعدهم بالرحلة في طلب الحديث، ولشهرتهم بذلك أفرد فيه بعض العلماء كتباً، مثل كتاب "الرحلة في طلب الحديث"، وجاء عن بعض الصحابة أنه سافر من المدينة إلى الشام لسماع حديث
واحد ثم رجع (1)، وقد حظي التفسير باهتمام مشابه، فقد يستدعي الوقوف على معنى الآية السفر وقطع المسافات البعيدة، فلا يتردد بعض الصحابة والتابعين في الرحلة طلباً للظفر بالمعنى المراد؛ إدراكاً منهم لأهمية معرفة ذلك، ومن الشواهد عنهم:
1 -
قول ابن مسعود رضي الله عنه: «والذي لا إله غيره ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلم حيث نزلت، ولو أعلم أحداً هو أعلم بكتاب الله مني تبلغه الإبل لركبت إليه» (2).
2 -
وعن الشعبي قال: «رحل مسروق إلى البصرة في تفسير آية، فقيل له: إن الذي يفسرها رحل إلى الشام، فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها» (3).
ولذلك يقول عنه الشعبي: «ما علمت أن أحداً من الناس كان أطلب لعلم في أفق من الآفاق من مسروق» (4).
3 -
وممن رحل في طلب التفسير سعيد بن جبير، فقد رحل من الكوفة إلى
(1) انظر الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي (ص 109).
(2)
صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة (4/ 1913) برقم (1463).
(3)
الجامع لأحكام القرآن (1/ 22)، والتعديل والتجريح للباجي (2/ 748)، والجواهر الحسان للثعالبي (1/ 11).
(4)
جامع بيان العلم وفضله (1/ 94).
مكة قاصداً شيخه ابن عباس رضي الله عنه حينما اختلف أهل الكوفة في قول الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} (1)، يقول سعيد:«آية اختلف فيها أهل الكوفة، فرحلت فيها إلى ابن عباس: فسألته عنها، فقال: نزلت هذه الآية: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هي آخر ما نزل، وما نسخها شيء» (2).
وقول ابن جبير: فرحلت فيها، يدل على أن باعثه إلى السفر هو الخلاف في معنى الآية، فأراد التحقق من المعنى الصحيح.
4 -
(1) سورة النساء آية (93).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب:{وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} (5/ 182)، ومسلم في كتاب التفسير (4/ 2317) برقم (3023).
(3)
جامع البيان (18/ 235).
5 -
وعن مجاهد (1) قال: «لو أعلم من يفسّر لي هذه الآية، لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} إلى قوله: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ} إلى آخر الآية» (2).
6 -
وسأل فتى من قريش سعيد بن جبير، فقال له: «يا أبا عبد الله، كيف تقرأ هذا الحرف، فإني إذا أتيت عليه تمنيت ألا أقرأ هذه السورة:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا} (3)؟ ، قال: نعم، حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم، وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا، فقال الضحاك بن مزاحم (4):
ما رأيت كاليوم قط رجلاً يدعى إلى علم فيتلكأ! ! ، لو رحلت في هذه إلى
(1) هو أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي مولى بني مخزوم، ولد في خلافة عمر سنة (21)، وروى عن ابن عباس فأكثر، وروى عن أبي هريرة، وعنه عطاء وقتادة، توفي عام (102 أو 103) وقيل غير ذلك.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (5/ 343)، وسير أعلام النبلاء (4/ 449)، وطبقات المفسرين للداودي (2/ 305).
(2)
سورة النساء آية (24)، والأثر في جامع البيان (6/ 574)، وانظر شاهداً آخر في الإتقان (2/ 224).
(3)
سورة يوسف من الآية (110).
(4)
هو أبو القاسم الضحاك بن مزاحم الهلالي الخراساني، روى عن أبي هريرة وابن عمر، وعنه جويبر بن سعيد، وحديثه في السنن الأربع، وتوفي سنة (105 أو 106).
انظر: ميزان الاعتدال (3/ 39)، وتهذيب التهذيب (2/ 226)، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 222).
اليمن كان قليلاً» (1).
وقد يمكث الواحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم زمناً طويلاً في طلب تفسير آية، ومن ذلك:
1 -
فابن عباس انتظر هذه المدة الطويلة ليقف على المراد من الآية، وكان بإمكانه سؤال أحد آخر غير عمر، لكنه أراد الوقوف على المعنى الصحيح للآية، وإن تطلب الأمر الانتظار سنة كاملة.
وفي بعض روايات الخبر أن عمر لما سأله ابن عباس قال: واعجباً لك
(1) جامع البيان (13/ 388).
(2)
أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب سورة التحريم (6/ 69)، ومسلم في كتاب الطلاق (2/ 1108) برقم (1479).
يا بن عباس! (1)، وقد ذكر ابن حجر أن عمر تعجب من حرص ابن عباس على تحصيل التفسير بجميع طرقه، حتى في تسمية من أبهم فيه (2)، وهذا الخبر يبين مدى اهتمام ابن عباس بمعرفة المبهمات، وهو يفيد أن اهتمامه بما هو أكثر فائدة سيكون أعظم.
ومن حرص ابن عباس وملازمته تعلم التفسير ما حدث به عن نفسه قائلاً: «كنت ألزم الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، فأسألهم عن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل من القرآن في ذلك، وكنت لا آتي أحداً منهم إلا سُر بإتياني لقربي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أسأل أبي بن كعب يوماً - وكان من الراسخين في العلم - عما نزل من القرآن بالمدنية
…
» (3).
2 -
وعن عكرمة (4) أنه قال في قول الله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى
(1) صحيح البخاري، كتاب المظالم، باب الغرفة والعلية المشرفة وغير المشرفة في السطوح وغيرها (3/ 103 - 106).
(2)
فتح الباري (5/ 117).
(3)
الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 124).
(4)
هو أبو عبد الله البربري القرشي المدني، مولى ابن عباس، روى عنه وعن عائشة وأبي هريرة، وروى عنه أيوب، قال عن نفسه:«طلبت العلم أربعين سنة» ، توفي عام (104)، وقيل غير ذلك.
انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 133)، وسير أعلام النبلاء (5/ 12)، وطبقات المفسرين للداودي (1/ 386).